تاريخ النشر: 2020-12-17 | 10:09
تاريخ النشر: 2020-12-17 | 10:09
يعاني البلد الأمين من ثنائية محافظات الشمال ومحافظات الجنوب، ثنائية الوطنيين والعلمانيين والإسلاميين.
وهذه الثنائية تقدّم المصلحة الجهوية، أو الحزبية الضيقة، على المصلحة الوطنية العليا .
إنّ الوطنيين والإسلاميين هم اكبر القوى السياسية في الوطن ويستند كل فريق إلى طيفٍ من الأيديولوجيات المتعارضة مع بعضها، لكنها إذا اتّخذت من المصلحة الوطنية العليا مرجعيّة لها، ستجد بعض نقاط الإتفاق التي يمكن أن تُوظف في معالجة كثير من مشكلات الوطن المتفاقمة، بشرط أن تُوضع المصلحة الوطنية العليا على سلم أولوياتها وتُحول نقاط الخلاف الأيديولوجي إلى نقاط اجتماع واتفاق والذي يسمح بسماع الرأي والرأي الآخر.
لكن إذا غابت الرؤية الوطنية الجامعة عن أجندة الطرفين، وقدم كل طرف مكاسبه الحزبية الضيّقة على حساب المصلحة الوطنية الواسعة، تتحوّل هذه الثنائيات الأيديولوجية-السياسية، من ثنائيات فاعلة في البناء والتعمير، إلى ثنائيات قاتلة، وبالتالي يتضخم الخلاف الأيديولوجي الذي لا تحكمه معايير أخلاقية، وتتعاظم إشكالية “الأنا” و”الآخر”، التي تبعد الطرفين عن الممارسة النقدية وبذلك، تتضاءل فرص التوافق في حل القضايا الوطنية، ويؤدي إلى ظهور الحقد والكراهية غير المُبرّر والذي يتحوّل إلى حالة مرضية، تبعث موجات من التوتر، وترفع سقف النقد الموجه للآخر . وبذلك تفشل في حل مشكلات البلاد والعباد، وينحدر الانحطاط السياسي إلى القاع، وتظل أخطأ الماضي تستخدم دائما ضد مصلحة الوطن والمواطن الحاضر والمستقبل.
و تبرز مشكلة أخرى في هذه الثنائية وهي تبعية العضوية الحزبية ذات الأكثرية، إلى قيادات دون اي فكر قيادي تبعية عمياء، وتُقدّس القيادات الحزبية دون النظر في إسهاماتها الفكرية والسياسية، وتُبنى الأصنام السياسية التي تُعبد دون التيقن من صدقها وامانتها وخبرتها وعطائها الوطني . ولذلك عانى الوطن كثيراً في إسقاطات الثنائيات القاتلة. والدليل فشل أحزاب الحركة الوطنية في تأسيس نظام حكم ديمقراطي مُستدام، وفشل إنهاء الانقسام وتشكيل حكومة وحدة وطنية .
أنّ مشكلة التبعية وغياب الرؤية الوطنية الحاكمة لتفكير كلاً من الطرفين، تشكلّان أساس الثنائية القاتلة. ويظهر ذلك جلياً في منصات التواصل الاجتماعية التي تمتلئ بموضوعات حزبية غير مُنتجة بل ومحرضة على البغض والكراهية للآخر بمشاركة بعض الناشطين الوطنيين و الإسلاميين على السواء الذين ينادون بالوحدة الوطنية والانتخابات دون أن يقدموا نقداً داخلياً وموضوعياً لاطروحاتهم الفكرية، ولمؤسساتهم الحزبية التي ساندت الانقسام 14 عاماً .
لذلك، كان من المفترض أن تسير هذه الأولويات في خطوط متوازية، بهدف تحقيق استحقاقات المصالحة الوطنية والانتقال إلى مربع السياسات الوطنية العليا الراسمة لمستقبل الوطن والمواطن والانتقال الديمقراطي المنتظر .
ربما تحتوي الأيديولوجيات قيماً إيجابية كثيرة، وبينها نقاط اتفاق مُشتركة، لكن التحدّي الأبرز يتمثل في كيفية توظيفها على أرض الواقع، فالأمور لا تُقاس بالشعارات السياسية الرنانة، ولكن بسلوكها وبمُخرجاتها الملموسة على أرض الواقع .