اصبحنا نعيش في بلاد التيه والتوهان فالكل يدعي انه يمتلك الحقيقة ويمثل الحق ومازلنا نعيش حالة الاستقطاب الحزبي والفكري والفصائلي والكل يعفي نفسه من المسئولية ويوجه اصابع الاتهام واللوم الى الآخر في كل ما آلت اليه البلاد من هذا الضياع السياسي والاجتماعي والمادي حقيقة لا لوم على فصائلنا الوطنية والدينية حين يؤيدون افكارهم الحزبية بشتى الوسائل فهم مكلفون إزاء ضمائرهم واتباعهم بان ينشروا افكارهم ومعتقداتهم ومشاريعهم بكل وسيلة ولكننا نلومهم حينما يظنون انه انما يريدون بذلك وجه الله وحب الوطن وحب الحق والحقيقة وما دروا انهم بهذا يخادعون انفسهم لانهم في الواقع اخذوا افكارهم من احزابهم ومن بيئتهم التي نشأوا فيها ويحيطون بها وتماهت مصالحهم معها وهم لو كانوا نشأوا في بيئات اخرى لوجدناهم يؤمنون بأفكار ومعتقدات تلك البيئة من غير تردد ثم يظنوا انهم يسعون وراء الحق والحقيقة . لقد دلت التجارب الكثيرة ان الجدل والاستقطاب السياسي الذي تستخدمه الفصائل بشتى اطيافها عبر سنوات النضال الفلسطيني في الترويج لمعتقداتها ومشاريعها السياسية عبث ضائع لا طائل منه ولا جدوى فيه فلم نجد فلسطينيا اقتنع براي خصمه نتيجة الجدل المنطقي او النقاش او الحوار وحده ان هذا الجدل او الحوار قد يسكت الانسان او قد يفحمه احيانا ولكنه لا يقنعه ويظل الانسان مؤمنا بصحة رايه حتى النفس الاخير اما اذا رأيناه يبدل رايه فعلا فلنبحث عن العوامل النفسية والاجتماعية والمادية التي دفعته الى ذلك . لم تبتكر السياسة أبشع من مكيدة الحق والحقيقة ولا نجد انسانا في هذه الدنيا لا يدعي الحق والحقيقة حتى أولئك الظلمة الذين ملأوا أيامنا هذه . لذلك من الظلم حقا أن يعاقب الناس على أفكارهم وعقائدهم التي لقنوا بها منذ نشأتهم الاجتماعية والسياسية ومن الظلم ايضا أن نعتقد أن الانسان يعتنق عقيدته وافكاره بإرادته وانه يصل اليها عن طريق التفكير والرؤية لكن الواقع الانسان يؤمن ويعتنق العقيدة والافكار التي ورثها أو اكتسبها من محيطه الاجتماعي وواقعه السياسي ثم يبدأ بالتفكير فيها آجلا , وتفكيره يدور غالبا حول تأييد تلك العقيدة والافكار ومن النادر جدا ان تجد شخصا بدل أفكاره أو عقيدته من جراء تفكيره المجرد وحده فلابد أن يكون هناك عوامل نفسية واجتماعية ومادية تدفعه الى ذلك من حيث يدري أو لا يدري . قد يعتقد بعض الناس اليوم أنهم لو كانوا يعيشون في زمن الدعوة الاسلامية لدخلوا فيها حالما يسمعون بها ولست أرى مغالطة أكبر من هذه المغالطة يجب على المسلمين اليوم أن يحمدوا ربهم ألف مرة لأنه لم يخلقوا في تلك الفترة العصيبة ولو أن الله خلقهم حينذاك لربما كانوا من طراز أبي جهل أو أبي لهب أو لكانوا من أتباعه على أقل تقدير . والجميع منا يتخيل أنه وحده هو صاحب الحق من دون الناس ويريد من كل ذي عقيدة أن يعتقد بعقيدته كما يعتقدون هم بعقيدتهم فأينما توجهت في أنحاء الارض وجدت الناس فرحين بعقائدهم وأفكارهم مطمئنين اليها ويريدون من الآخرين أن يأتوا اليهم ليأخذوا منهم المعتقد الحق الذي لا حق سواه .من هنا يتضح لنا أنه من الصعب على الانسان أو المستحيل أحيانا أن ينظر الى الأمور بحرية تامة وقد يتراءى لبعض الناس وهم مخطئين بأنهم أحرار في تفكيرهم , وهم منغلقون على أنفسهم غير منفتحين على الآخرين داخل اطارهم الفكري وخرائطهم المفهومية التي ورثوها أو اكتسبوها من بيئاتهم . لعلي لا أخطئ اذا قلت ان الانسان كلما ازداد تجوالا في الآفاق واطلاعا على مختلف الآراء والمعتقدات انفرج عنه اطاره الفكري وخارطته المفهومية التي نشأ واكتسبها واستطاع بذلك أن يحرر نفسه وتفكيره من القيود قليلا أو كثيرا , وكلما كان الانسان انعزالا كان أكثر تعصبا وأضيق ذهنا . فالذي لا يفارق بيئته التي نشأ فيها ولا يقرأ غير الكتب التي تدعم معتقداته الموروثة والمكتسبة لا ننتظر منه أن يكون محايدا في الحكم على الأمور وان معتقداته تلون تفكيره حتما وتبعده عن جادة البحث والصواب .