تاريخ النشر: 2022-06-22 | 14:14
تاريخ النشر: 2022-06-22 | 14:14
السلام عليكم
قراءة في الموقف الجزائري على ضوء التطورات الناتجة عن الازمة الاوكرانية
لقد اخرجت الازمة الاوكرانية كثيرا من الحقائق من تحت رماد الذاكرة وعصفت بارقام لم تكن ثابتة في ارض الواقع وهاهي تتواصل لترسيم خرائط جديدة في العلاقات الدولية وطبيعة التحالفات وتلقي من على سفن المحاور دولا وتدوس سياسات.. كل شيء اخذ في التشكل من جديد وهو بلا شك يمسك بخطام القضايا لاستراتيجية نحو صياغات جديدة.. ورغم التعتيم الغربي الرهيب على امكانات الموقف العربي الا ان الجزائر في حمى التشكل والتحول ضربت ورقتها على الطاولة بقوة لتعاقب دولة في الاتحاد الاوربي وتفك الشراكة الاقتصادية مع داولة اوربية محورية وتقرب بعض اوربا وتبعد بعضها الاخر.. فنحن اذن امام حرية التحرك واستقلالية القرار فلعلنا نستطيع ان نكون المحور الثالث في العالم.
مقدمة منهجية:
ونحن نتحدث عن دور الجزائر ومهمتها في هذه المرحلة يكون من غير العلمية عدم استحضار الثورة الجزائرية المجيدة وما احدثته في الخريطة السياسية للعالم لاسيما الدول المستضعفة والمستعمرة على حد سواء كما انه من غير المنطقي عدم ادراك جيوبوليتك الجزائر وامكاناتها المادية ووموقعها الجغرافي وثراتها الاسلامي وتمدد مساحتها شمالا وجنوبا وتمددها السكاني بملايين الجزائريين في الجنوب الاوربي على شاطيء المتوسط الشمالي..
فهنا عندما نركب التاريخ على الجغرافيا تتشكل العقائد الامنية والسياسية والامزجة لاهل المكان فيختارون مهماتهم بما يتناسب مع سياق الحياة وطبيعتها وتصبح كل محاولات اخراجهم من السياق عبارة عن عبث لا جدوى منها.. وهذا بالضبط ما يفسر استعادة الجزائر لنفسها ولعلنا ندرك حجم التخريب المتعمد والمخطط الذي قامت به الادارات الاستعمارية الفرنسية لاخراج الجزائر من انتمائها العربي الاسلامي وافقادها دورها الناتج عن ذلك الانتماء.. ويمكن ملاحظة ان هناك دولا عربية مر الاستعمار بها مرورا سنة او سنتين الا انه ترك فيها من التغريب والافساد الثقافي ما وصل الى درجة تكريس العلمنة في مناهج الثقافة والاعلام والتعليم.. فكيف بالجزائر وهي تتعرض الى حملة منظمة قادها القساوسة الاستعماريين والمستشرقيين الافاقين على مدار قرن وثلث وصلوا بمخططاتهم الى تفاصيل التفاصيل في حياة الجزائري حتى ظن قادة الاستعمار ان كل شيء مات في الجزائر الاسلام والعربية.. ولقد لاحظ محمد فريد وجدي العالم المصري نفس الملاحظة عندما زار الجزائر في مطلع القرن العشرين.. الا ان الجزائر عندما نهض فيها ابن باديس بصرخته الخالدة هبت عن بكرة ابيها ترفع من شان العربية وتعتز بالاسلام ووتتحسس انتمائها واهلها وامتها فاصبحت البلد الاقرب لحدود فلسطين ولكل حر مناضل يدافع عن كرامته وحريته.
وفي جولتها الاخيرة من الكفاح الثوري ضد الاستعمار حققت الثورة الجزائرية خلال سنوات سبع اهدافها الاساسية المباشرة: استقلال وامتلاك الثروات وبناء مجتمع على غير ما راكمه العدو خلال عشرات السنين.. نعم كانت ثورة مستحيلة في حجم هدفها ومستحيلة في ميزان القوى المختل ومستحيلة في فقدانها اي تحالف حقيقي وفقدانها الظهير الدولي.. ومن هنا تأتي اهمية تدبرها واستحضارها كي نستطيع فهم المواقف الجزائرية في هذه الاونة حيث نراها بعض الحين تغرد حارج سرب النظام العربي في كثير من المواقف المكلفة.. لقد واجهت الثورة الجزائرية دولة من اعمدة الحلف الاطلسي بعد انتصاره على النازية فكانت الخسارة الاستراتيجية الكبرى التي لحقت به.. كما ان هذا الانتصار كان هو الامل المنقذ للروح المعنوية العربية المنهارة نتيجة اغتصاب فلسطين.. وهنا ينبغي اخذ الجانب المعنوي باهمية كبيرة في الصراع الدائر بين الامة في شتى مواقعها وقوى الاستعمار واداواته بالاضافة للتجربة الناجحة التي انعكست في بناء الثورة الفلسطينية في اخطر جبهة صراع مع المشروع الاستعماري... فلقد كانت التجربة المنتصرة الممكنة رغم ان كل ما حولها يشير الى استحالة ذلك
المرحلة الثانية جاءت مرحلة بناء الدولة امتحانا لخبرة الامة ووعيها وامتحانا لمستوى ادراكها لغة العصر ومتطلباته امتحان للامة تري فيه اشكال الغوايات والعراقيل وفتنة كبيرة على كل صعيد معرفي واجتماعي في شعب اخرج عن سياق النظام الرسمي عشرات السنين بل وكان طيلة الجزء الاخير من الفترة العثمانية بلا ناظم ينظم مسيرة الحياة الادارية والاجتماعية والاقتصادية في اصقاع الجزائر حتى جاء الامير عبدالقادر وقام بتأسيس البنية التحتية لدولة عصرية تكالبت عليها قوى الاستعمار واعوانهم فاسقطوها.. انطلق مشروع بناء دولة عصرية مباشرة بعد الاستقلال وفي حين كان كل شيء يوظف لمواجهة الازمات المتوالدة والمتوارثة عن الحالة الاستعمارية كان الصراع مستمرا بين بناء الدولة ولوبيات تحطيمها اولئك المشربون بثقافة الولاء للمستعمر ونموذجه وقيمه.. وظلت المعركة مستمرة وقاسية وعنيفة لا تقل خطورة عن معركة التحرير العسكرية.
في المرحلة الثانية تولد الخط الثالث وهو التيارات الايديولوجية الشمولية التي طرحت رؤى جاهزة معلبة على المجتمع الجزائري برموز ليست رموزه وخلطت بين المعتقدات والاجندات تيارات تجعل مرجعيات دينية او طبقية او ليبرالية او جهوية و عمل هذا الخط على سحب الجزائر بعيدا عن معركتها الحقيقية في بناء دولة ومؤسسات وبنية تحتية صناعية وزراعية وعلمية واستكمال استعادة الهوية والثروات والقرار الاقتصادي.. وكان هذا الخط الجديد مرتبكا مضطربا يحاول التميز النظري والاستقلال الفكري عن جبهة التحرير الوطني ومهمتها الوطنية ما من شانه محاولة توليد مجتمع جديد بلا ارتباط بصيرورة الصراع في الجزائر وبلا عبقرية المكان ومهماته الخاصة.. وفي صراع داخلي بين الاصوليات الماركسية والليبرالية والدينية استنفزت كثير من الاوقات والامكانات وانفلت الامر في مرحلة الانفتاح غير المحسوب ليحدث هيجان مدفوع من قبل فوضويين من علماء دين ومن منظرين العنف والاقصاء العلماني فكادت الجزائر تفقد معظم انجازاتها التاريخية قبل ان تنتهي فوضى الصراع الى بداية استئناف الوعي الجمعي بضرورة حماية الجزائر وتكاثف اهلها للقيام باستئناف العمل لتدعيم البناء السياسي والاجتماعي والامني.
الدور الجزائري المتفرد:
يكفي بمتابعة ما يصدر عن مراكز الدراسات الاسرائيلية للتعرف على موقع الجزائر الاقليمي فما انفكت الدوائر الصهيونية تحرض وتتابع كل تطور في البلاد على اعتبار ان مواجهة حاسمة ستكون مع الجزائر.. فلقد كانت الجزائر والعراق جناحي الامة القادرين على الاقلاع بها نحو نهضة عربية واستعادة الحقوق العربية فكان التامر على العراق بان استدرجوه لحرب كونية دمرته وشتت قوته وانهت جيشه ومزقت مجتمعه الى حين.. وكان الدفع بالجزائر من خلال لوبيات خارجية بكل الالوان الايديولوجية من عدة عواصم في الغرب والشرق لاحداث الهزيمة للجزائر واخراجها من مواقع الفعل الحاسم في قضايا المنطقة وعلى راسها القضية الفلسطينية بالاضافة للقضايا الافريقية والتغلغل الاستعماري في جوار الجزائر مشفوعا بمجموعات الموساد الاسرائيلي.. الا ان الجيش الجزائري تمكن من فرض وحدة البلاد واستقرارها وامنها واستعادة العملية السياسية لترسيخ المؤسسات واقامة مشاريع عملاقة لتقوية البنية التحتية في اكثر من مجال واستطاعت الجزائر ان تسد ديونها وتبقي في خيزنتها مدخرا معتبرا يكفي لخطط تنموية معتبرة.
من الواضح ان دور بلد ما يعتمد على عدة عناصر اساسية اولها التماسك الاجتماعي والموقف المالي والموقع الجغرافي ومستوى حجم الحريات في البلد وكل هذه العناصر تنال الدرجة المحترمة في الجزائر بالنسبة لدولة خرجت منذ قليل من عاصفة هوجاء الحقت بها اضرارا بالغة مادية ومعنوية..
واضح ان الجزائر لها فلسفة سياسة خاصة في الاقليم ونحو دول العالم مبنية على قوانين دولية عامة ومباديء انسانية لاتحيد عنها.. بل عقيدة سياسية وامنية متباينة عن كثير من الدول العربية وهذا ما يجعل الجزائر محط الانظار والاهتمام اكثر من اي مرحلة سبقت.. ترى هل هذه الإشارة وهذا الرصد يرفع من مستوى المتعلمين والباحثين في بلادانا ويرفع من مستوى نظرتهم بعيدا عن التقوقع في المصالح الضيقة الانية والنظر دوما الى جملة الحقوق الشخصية بعيدا عن تأدية الواجب على اتم وجه؟ لكي يقوموا بما هو واجب نحو الناس وانفسهم والمستقبل وبذلك يكونون اكثر موضوعية على اعتبار انه السبيل لاسترداد الحقوق وييتعدوا عن الضرب على غير هدى.
عناصر تشكل الموقف الجزائري:
استعاد الخطاب الجزائري نحو فلسطين ألقه فرفعها الى مستوى القضية المقدسة.. وتصدى بوضوح الى هرولة النظام العربي نحو التطبيع مع العدو الذي يحتل الارض بل وذهبت الجزائر الى تبوء موقفها التاريخي بقوة عندما طردت اسرائيل من محاولة دخولها الاتحاد الافريقي..وكان هذا اختراقا للمرحلة التي كادت تعم الجميع والعنصر الثاني التحرر من التبعية الاقتصادية لفرنسا بفك الارتباط مع شركات فرنسية عملاقة في مجالات المحروقات والاستيراد بحيث كان لفرنسا حصة الاسد في التوريد للجزائر.. وفتج العلاقات مع الجميع بناء على مصلحة الجزائر فكانت العلاقات الروسية والصينية في حالة انتعاش واسع في مجالات عديدة لاسيما العمران والتسليح باحدث انواع السلاح من طائرات وصورايخ وغواصات.
واستطاعت الجزائر ان توسع رؤيتها للاقليم من خلال عمل دؤوب مع جيرانها الافارقة لطرد اللوبيات الاستعمارية ومنع تحويل افريقيا الى مستنقع دم وصراعات اثنية.. فلقد عانت افريقيا في مرحلة انشغال الجزائر بقضاياها الداخلية واصبحت افريقيا مرتعا للموساد الاسرائيلي وللدوائر الاستعمارية الفرنسية التي توجت ذلك بتدمير ليبيا واحتلالها..
ترفض الجزائر ان تكون في محور من المحاور الدولية القائمة اليوم وهذا لايعني عدم اتخاذها مواقف عديدة ضد هذا الطرف او ذاك ولا محدد لموقفها الا المباديء السياسية العامة المعترف بها انسانيا.. وجاءت الازمة الاوكرانية لتحمل معها تحديات اضافية فالجزائر هو الدولة الثالثة في تزويد اوربا بالغاز بعد روسيا والنرويج.. وهنا كان لابد من ان تتحرك الجزائر بكل هذه العناصر والمحددات لتعيد التوازن السياسي الى حقيقته مع دول العالم فاصبحت محجا للوفود الغربية.
لقد تعود الاستعمار ان يكون الوسيلة الغربية السريعة لتغطية جوع الشمال وفقره وحاجته للثروة بمعنى هو اداة حل الازمات الغربية كما صرح اكثر من مفكر ومستشرف غربي اخيرا بان جنوب المتوسط هو مجال حركتنا لاستعادة لياقتنا وتوازننا الاقتصادي.. وكان اخر محاولاته هو تدمير العراق لنهب نفطه وخيراته وكذلك الشان في افغانستان حيث كان همهم نهب الحشيش والافيون واعادة تصنيعه في بريطانيا وبيعه بمليارات الدولارات.. من هنا كان لابد ان تتحرك الجزائر بهدوء ولكن بقوة وحسم تبني جيشها وتعزز روحها الوطنية والتمسك بهويته االحضارية.
الحديث عن الجزائر اليوم ليس هو السابق فالمعطيات اختلفت وطبيعة الصراع مع الاعداء اختلفت فالان لا يبدو ان هناك اولوية لموضوع الهوية فلقد حسم الشعب الجزائري هذا الامر فهو شعب عربي مسلم كما ان الصراع بمصطلحات لمجتمعات اخرى اصبح عبثا لا قيمة له.. الجزائر اليوم اكثر تماسكا وقوة وحرية داخلية واكثر التفاتا الى دوره االاقليمي والدولية.
ان قراءة مركزة للوضع الدولي على ضوء ازمة كورونا ثم ازمة اوكرانيا تكشف لنا هشاشة النظام الاقتصادي الامريكي و الاوربي وانهما يعانيان من خلل بنيوي وفقدان الافق ويلعب الروس في الموضوع على حافة الهاوية معهم الان فهو يستنكر قيام امريكا بتمدد نفوذها بالقرب منه كما يرفض ان تصبح امريكا لاعب وحيد في العالم ولقد تمكن من تمرير موقفه في الخطاب السياسي مهددا بافناء الكون لو تعرضت روسيا لمكروه.. وهنا تهرول الدول الغربية الى الجزائر وتتقاطر الوفود في محاولة سد العجز الحاصل لفرض حصار على الغاز الروسي.. وهنا تؤكد الجزائر ان هذا ليس هو العنصر الاساسي او الوحيد في المشهد اذ ان التجارة والاقتصاد ينبغي ان تقوم على مباديء مشتركة من الاستقلالية وعدم الخضوع للابتزاز..
هنا يصبح لابد من دور اقليمي ودولي للجزائر بحجم كل ما هو لها من عناصر قوة فليس مطلوبا تجويع امريكا او اوربا ومنع الغاز عنهم وليس المطلوب مواجهات عسكرية ولا حتى اقتصادية مع الامريكان.. ولكن يكون المطلوب بوضوح عدم الخضوع للرغبات الامريكية التي تعودت ان تجلب العرب معها في معاركها هم يدفعون الثمن والدم كما حصل سابقا لهم في حروب افغانستان والعراق..
الجزائر بعقيدتها السياسية والامنية وبامكاناتها الطبيعية وبثرواتها وبموقعها الجيوسياسي ستجد نفسها في مواجهة اخطار من جهات الحدود لاسيما محاولات الاختراق المستمرة من قبل الموساد واللوبيات الاستعمارية لدول طوق الجزائر الا ان السياسة الجزائرية تعتمد اسلوب الهدوء والمعارك خلف وسائل الاعلام وبمواقف حازمة يدركها الغربيون والصهاينة تماما.
في هذه اللحظة الحرجة تزيح الجزائر اللغة الفرنسية من الصدارة وترشح الانجليزية لغة للعلم والبحوث بالاضافة للغة العربية.. ومن الواضح ان اللغة الفرنسية ليست محايدة فهي حاملة ثقافة وقيم وصانعة تبعية ثقافية وسياسية هذا بالاضافة لانحسار دورها على صعيد الحضارة البشرية.. وكانت هذه ضربة عنيفة للمصالح الفرنسية بالجزائر.
ويجيء مؤتمر القمة العربية بعد فترة من الزمن والذي سيعقد بالجزائر ليعطي زخما حقيقيا للموقف العربي والفعل العربي بخصوص ملفات عدة فلسطين وليبيا وسورية كما انه سيكون عليه الاجابة على ازمة الطاقة العالمية وتوظيف الخيرات العربية دفاعا عن مصالحهم العديدة.. وتنشط الدبلوماسية الجزائرية في ظروف الانتعاش السياسي لدور الجزائر لكي تغطي عناوين الاهتمام الاساسية للدولة الجزائرية.
خروج الجزائر من التقيد المحلي والتعثر الاقليمي الى العالمية في موضوع العلاقات الاقتصادية والتحرر من شروط التبعية والخضوع الى رمي الاوراق في وجه دول اوربية عندما تفقد هذه الدول توازنها وتريد ان تمارس الاستعلاء ان هذا يعني ان مرحلة سياسية كبيرة قادمة وهو يعني بالضرورة فهم الادوار الاقليمية التي يحركها البعض مرتبطا باتفاقيات امنية واستراتيجية مع الكيان الصهيوني.. ويصبح ترتيب البيت التونسي والبيت الليبي مهمة استراتيجية للامن الجزائري ولدور الجزائر والتي تعتبر للبلدين اخا اكبر وملهما وامينا وثقة.
في ذكرى انتصارها تعد الجزائر لمهرجانات عظيمة تحيي الروح الثورية والاعتزاز بها وتعظم الانتصارات الكبيرة وتبدي من القوة والمتانة مايكفي لايصال رسائل لصغار اللاعبين ان لايتورطوا في الاصطدام بالجزائر.. ويقول بملء الفم ان الجزائر الكبيرة بثورتها كبيرة بقدرتها كذلك وبموقفها المبداي من القضايا العديدة وعلى راسها القضية الفلسطينية والتي هي بمثابة قضية جزائرية مقدسة.