في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات النشاز التي تحاول النيل من مواقف الدول المبدئية، تبقى الجزائر مثالاً للدولة التي لا تساوم على القيم، ولا تنجرّ وراء الحسابات الضيقة ولا المزايدات الموسمية. وما يتعرّض له الموقف الجزائري الأخير في الأمم المتحدة من انتقادات صادرة عن أطراف هامشية—تتحرك خارج سياق النضال الفلسطيني وشرعيته التاريخية—لا يعكس حقيقة ثابتة راسخة: فلسطين في الوجدان الجزائري ليست ملفاً سياسياً، بل التزاماً أخلاقياً وتاريخياً وحضارياً.
تاريخ من الدم والذاكرة المشتركة
عندما نعود إلى جذور العلاقة بين الشعبين الجزائري والفلسطيني، لا نعود فقط إلى عقود مضت، بل إلى تاريخين متوازيين من الثورة والمقاومة والتحرر.
فالجزائر التي خاضت ثورة عظيمة ضد الاستعمار، لم تنسَ يوماً أن فلسطين تخوض معركتها هي الأخرى ضد الاحتلال. لهذا شكّل استقلال الجزائر سنة 1962 محطة فارقة، إذ أصبحت الجزائر أول من فتح أبوابها وقلوبها للثوار الفلسطينيين، لتتحول العاصمة الجزائرية إلى منبر حرّ للصوت الفلسطيني في المحافل الدولية.
الجزائر… الدولة التي منحت فلسطين صوتاً في الأمم المتحدة
ليس صدفة أن يُعلن الرئيس الراحل ياسر عرفات قيام دولة فلسطين من “قاعة الصنوبر” بالجزائر سنة 1988، ولا صدفة أن تكون الجزائر من أول الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية فور إعلانها.
ومنذ ذلك الوقت، ظلّ الموقف الجزائري ثابتاً لا يتبدّل: دعم غير مشروط للحقوق الوطنية الفلسطينية، ورفض كامل لأي ضغوط أو ابتزاز سياسي.
شعبان يجمعهما نفس النفس الثوري
لا يمكن قراءة العلاقة بين البلدين عبر الزوايا الدبلوماسية فقط؛ فالشعب الجزائري نفسه، في مدنه وقراه، في جامعاته ومساجده وشوارعه، حمل فلسطين في وجدانه قبل أن تحملها الحكومات في بياناتها.
فالمسيرات التضامنية، جمع التبرعات، المبادرات الشعبية، وحتى الأدب والفن الجزائري… كلها كانت ولا تزال شاهداً على توأمة الوجدان بين الجزائر وفلسطين.
مواقف الجزائر اليوم… استمرار لطبيعتها وليس استثناءً
الموقف الجزائري في الأمم المتحدة—والذي أثار حفيظة بعض الجهات المحسوبة على تنظيمات إسلاموية خارج إطار منظمة التحرير—ليس موقفاً جديداً أو شاذاً، بل امتداد طبيعي لسياسة دولة ترى في القضية الفلسطينية مسألة مبدأ لا تخضع للحسابات السياسية الطارئة.
والجزائر، حين تؤكد دعمها للشرعية الفلسطينية، فهي تؤكد احترامها لنضال الشعب الفلسطيني ووحدته، وترفض أن تُختطف القضية من أطراف لا تمثل الثقل التاريخي ولا المشروع الوطني الفلسطيني الجامع.
الجزائر… دولة لا تبيع ذاكرتها ولا تتاجر بدماء الآخرين
ما يميز الجزائر في محيطها الإقليمي والدولي أنها لا تبحث عن دورٍ صوري، ولا تتاجر بشعارات المقاومة، بل تترجم مواقفها إلى سياسات:
دعم دبلوماسي مستمر في الأمم المتحدة.
مساندة سياسية للمؤسسات الشرعية الفلسطينية.
دفاع ثابت عن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وعلى رأسها حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
خاتمة: علاقة لا تهزّها الحملات ولا تشوّهها الأصوات الهامشية
إن الهجمة الحالية على الموقف الجزائري ليست سوى محاولة بائسة لخلط الأوراق، لكن التاريخ واضح، والمواقف الثابتة لا تهزّها الرياح. فالعلاقة بين الجزائر وفلسطين ليست تحالفاً سياسياً عابراً، بل هي عمق حضاري، وتاريخ مقاوم، ووجدانان يشبهان بعضهما البعض إلى حد التطابق.
ولهذا ستبقى الجزائر، شعباً ودولة، منارة صدق في الدفاع عن فلسطين… وستبقى فلسطين، قضية الجزائر الكبرى، مهما تغيّرت الموازين وتعالت الأصوات المشوّشة.