إن الجغرافيا اللغوية تعني الوقوف على أسماء الأماكن وتحليلها لغوياً، نكشف من خلال هذا التحليل عن أسرار هذه التسميات وعن أصحابها أيضاً، فعلى سبيل المثال يستطيع القارئ لتاريخ الفتوحات الإسلامية في شمال إفريقية أن يدرك أن الفاتحين كانوا من الحجازيين لأن الأسماء خففت همزاتها مثل تونس وفاس وغيرهما من الأسماء ، لأن الحجازيين كانوا لا يهمزون حتى إنهم كانوا يقولون : والله لو أنا سمعنا رسول الله يهمز ما همزنا.
لا أريد أن أعرض لجغرفية بيت حانون من حيث مرتفعاتها ووديانها ولا طبيعة الطقس ولا زروعها وثمارها فقط ، ولكني أريد أن أقف عند حدود التحليل اللغوي لهذه الظواهر.
ومن تلك التحليلات:
•القُرْنيفَة :
مصطلح من المصطلحات الجغرافية السائدة لا يعرف عامة الناس أصولها. فهي لقطة انصهرت فيه كلمتان ( القر + نيف) فالقر هو البرد، وهو يوحي إلى أنها منطقة مرتفعة. أما (نيف) فيه بمعنى الزيادة، فيصبح معنى الكلمة زيادة مستوى البرد. ولو نظرنا إلى موقعها الجغرافي فسوف ندرك ذلك تماماً، وهي مرتفع في آخر شارع زمو، وهي مملوكة للمرحوم المختار حســـــين الكفارنة .
•البُرْجــيس :
لفظه مكونة من كلمتين : (البُــرْ) بمعنى القمح مضافة إلى كلمة (جيــس) مبنى للمجهول، وقد وردت في القرآن الكريم: قال تعالى :" فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار" . (جيــس) بمعنى داس وحطم فيصبح معناها (القمح الذي داسته الخيول) .
ويبدو أنها مرتبطة تاريخياً وجغرافياً بحادثة من الحوادث، اكتسبت من خلالها دلالات لها إحساساتها الخاصة، فكلما ذكرت قفزت إلى الأذهان تلك المشاعر واستحضرت تلك الحادثة . وهي منطقة تقع شرق مدينة بيت حانون بعد أرض أبو غزالة مباشرة.
•القَطـَبِــنّية :
وهي لفظة مكونة من كلمتين (القطا/بانية) والقطا طائر عربي إرتبط بقصص المحبين .
قال الشاعر العربي:
أسـربَ القطـا هــل مــن يعيــرُ جناحة لعلي إلى مَنْ قد هَوِيتُ أطيرُ
وقال شاعر آخــر:
كـــأن القلــبً ليـــــلة قِيـل يُغدى بليلى العامرية أو يُــراحُ
قطـاةَ عزّهــــــا شـــَــرَكٌ فباتت تُجاذبه وقــد عَلـِق الجناحُ
ومن أخص خصائص طائر الحب عند العرب أنه يبنى عشه على الأرض وليس على أغصان الشجر، فحين ترتفع سيقان نبات القمح ، وتنقطع القدم عن هذه المناطق النائية نسبياً يصنع هذا الطائر عشه. وتُحيط بالعش وردة بريّة، وهذه الوردة عبارة عن وردة سوداء فيه بقعة حمراء تشعل ثلث مســـاحتها.
ويبدو أن هذه النبتة لها ارتباطها بأسطورة تموز البابلية أو أدونيس الإغريقية ، فعشتاروت أو ما يقابلها أفروديت قد وقعت – فيها تذهب إليه الأسطورة- في حب تموز (وهو صبي نصف إله)، فغار زيوس كبير الآلهة فأرسل إليه إله الشر في زي خنزير بري فطعن تموز في بطنه فمزق أحشاءه فسالت دماؤه في النهر، فأخصبت الأرض والحيوان والإنسان ، فخرجت إلهة الجمال عشتاروت تجري فجرحت قدمها فسقطت الدماء على هذه الوردة وسميت شقائق النعمان أي جراح الحبيب.
وأغلب ظني أن تسمية بيت حانون جاءت من زهرة ( الحنون ) أو الحب والحنان ، والحانون صيغة من صيغ الجمع لكلمة (حنون) .
وفي اللغة فبيت مضافه – هنا – لحانون وليست (حانون) خبرا لبيت و (حانون) جمع مذكر سالم ومفردها حاني من الحنو والمحبة ، أما (حنّون) فهي مشتقة من الحنو كذلك وهي صيغة من صيغ التصغير في العامية الفلسطينية للتدلّه والمحبة ، وصيغة (فاعول) من الصيغ القديمة في اللغات السامية ، وهذا ما يجعلني أذهب بعيدا فأفترض أن هذه التسمية قديمة قدم الحضارات الأولى في المنطقة الكنعانية و الفيــينقية.
•وادي الـــدّوْح :
وهو سهل يقع في أقصى شرق بيت حانون متاخماً لقريتي دمرة وهــوج. وقد اعتاد االناس –هنا- أن يطلقوا لفظة (الوادي) على المنطقة الخصبة كوادي الجوز ووادي الرمان ووادي غزة وغيرها. وقد تغنى شعراؤنا بهذه الأودية في مثل قول إبراهيم طوقان في وادي الرمان:
أيا وادي الـــرمــان لا طبــت منزلاً إذا هي لم تنعم بظلــلك ســـروراً
كأني لم أنزل ديــارك مــــــــــــــــــــــــرة ولم ألق في أهليك حباً ولا ندى !
وأخص خصائص الرَوْح أنه شجر عال ووارف وظليل .يقول أحمد شوقي يتندّر من حكم الإنجليز لمصر وامتصاص خيراتها : أحرام على بلابله الرّوح حلال للطير من كل جنس
•المَـــرْج:
وهي أرض خصبة مستوية السطح لا ترى فيها بروزا ولا اعوجاجا ،تبدأ عند مايسمى بالكف حتى شارع زمو وشرقا حتى القطبنية . وهي على شكل مثلث قاعدته تقع على الطريق الرئيس إلى المدينة وأحد أضلاعه عند الجنوب الشرقي للمدينة عند منطقة الخور في الأراضي الفاصلة بين جباليا وبيت حانون ( والخور لغة : لسان ماء يخترق اليابسة ) . وفي الشمال الشرقي للمدينة تقع منطقة النزارة ( وعين ماء تنز أي تسيل ببطء ) فيما يسمى بالفرطة ، ( وهي أرض خصبة تفرط في إنتاج القموح ) ، وهو ما يجعلني أرجّح ارتباط هذه المناطق برمز أدونيس ( رمز الخصب والنماء ) في منطقة بيبلوس في لبنان وهي مركز الأسطورة البابلية التموزية ، وهو ما يفسر تسمية بيت حانون . وحانون على وزن فاعول وهي صيغة لغوية عربية قديمة انزلقت إليها لفظة حنون تخفيفا للنطق كما سبق لي أن افترضت.
•قبة أم النصر :
تقع إلى الشمال الغربي من بيت حانون في أرض مرتفعة نسبيا ، وفي سفح هذا المرتفع جرت المعركة الفاصلة بين المسلمين والصليبيين وشكلت بداية الحسم ، وبعدها بدأت الحصون الصليبية في السقوط سنة 637 هـ ، بقيادة الأمير الشهيد صنقر، وهي مجموعة من السّوافي الرملية ، ولعل المسجد الذي بناه المسلمون في السنة ذاتها شاهد على هذه المعركة ، إلى أن جاء الغزاة الصهاينة حديثا فهدموا هذا المسجد ، وبناه الفلسطينيون من جديد .
ومن المعالم الرئيسية لهذه المدينة ( زقاق دمرة المؤدي إلى الشمال ، وزقاق غزة المؤدي إلى الجنوب ) ( وقاعة البير) في وسط القرية ، وهو مصدر الماء النقي للقرية القديمة .(ومسجد العجمي) الذي بناه أحد المسلمين الأعاجم الذين اشتركوا في التصدي للهجمات الصليبية .