الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الحديبية .. التمسك بالاستراتيجي بعيدا عن العواطف

الحديبية .. التمسك بالاستراتيجي بعيدا عن العواطف

تاريخ النشر: 2023-04-05 | 17:30

صالح عوض
صالح عوض

يصاب كثير ممن يتشبعون بالعقيدة والايدولوجيا بنوع من الشعور بالتيبس و بعدم القدرة على مغادرة الموقف "الكامل" رغم ضغوط الواقع وشروطه.. في مثل هذه الحالة يكون من الضروري إنشاء جسر بين العقيدة والواقع نعرف ما هو جوهري منها فنتمسك به وما هو قابل للتعديل او الليونة دونما تمييع..
في عملية سياسية حساسة مفصلية أظهر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عبقرية استثنائية فالتمسك بالمبادئ الكلية لا يرفض تجاوز مواقف شكلية مهما بدا للناظر أهميتها بل ومبدأيتها.. فرغم أن أصحابه لم يستسيغوا بنود الاتفاقية وطبيعة نصوصها واحتجوا عليها إلا انه رأى أنها حققت هدفا استراتيجيا في مسيرته المتصاعدة..
هنا تغير أسلوب التعاطي مع الأحداث فكان العقل يعمل على كل الزوايا.. هنا صعوبة تحمل ظاهر البنود والموقف.. هنا معركة الجوهر مع السطحي الذي يظنه البعض جوهريا.. أثبتت الأيام ان ما سيأتي بعد الحديبية لن يكون كما قبلها فلقد ألقت قريش بأسلحتها وانتهت حروبها وكانت هذه هي الخطوة الأولى لاستلامها.. والخطوة الأخيرة في حروبها..
حول "صلح الحديبية ورؤية الرسول وموقف كثير من الصحابة الذين ثاروا.. و نتيجة الاتفاقية".. ينبغي أن يكثر الشرح لان في ذلك تطوير للعقل وتدريب للنفس للخروج من المآزق التي تعترض المسيرة.
ملابسات الحالة التي ولدت الصلح:
في ذي القعدة من العام السادس للهجرة أعلن النبي أنه سائر إلى مكة بألف واربعمئة من المهاجرين والأنصار ولم يكن معهم الا سلاح المسافر لأداء مناسك العمرة ولما نزل بالمسلمين في الحديبية أرسل عثمان بن عفان الى قريش يخبرهم بأن رسول الله والمسلمين ينوون العمرة دون قتال وأمره ان يمر بالمؤمنين في قريش يبشرهم بفتح قريب وان الله مظهر دينه في مكة قريبا.. وأمره أن يدعو قريشا للإسلام.. ولكن قادة قريش استكثروا ذلك وقرأوه بأنه اقتحام لسيادتهم مع أنهم يسمحون للعرب كافة بالطواف والسعي ولا يحتجون على أي زائر للبيت العتيق ذلك من لزوم قيامهم على المسجد الحرام.. إلا أن الأمر مختلف مع رسول الله ورغم أنه أرسل لهم مخبرا بما يريد وهم يعرفون انه لا يخاتل ولا يخدع ولا يخون عهدا الا انهمر رأوا في هذه الخطوة اقتحام معنوي وسيادي كبير.
بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم ان قريشا بلغت من عثمان فنادى المسلمين واخذ منهم بيعة الرضوان تحت الشجرة وكاد جمع المسلمين يتحول الى مقاتلين فدائيين حتى تداركت قريش الامر وأرسلت من يؤكد للمسلمين ان عثمان لم يصبه مكروه..
رفضت قيادة قريش نصح الذين دعوها الى السماح للمسلمين بدخول مكة، ولكنها بعثت بالرسل والمفاوضين الى كتيبة المسلمين ولم يطب لرسول الله أيا منهم فلقد كانوا يحملون في جعوبهم رغبة قريش وامرها فكان يردهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بعزمه على الدخول لاداء المناسك.. فوجدت قريش ان ترسل سهيل بن عمرو القرشي فأدرك رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلمد أن قريش تريد صلحا وتفاوضا واخبر أصحابه ان الامر الان يتجه الى الصلح.. وهنا بدأت المفاوضات ببنودها.
صلح الحديبية والاعتراض عليها:
جاءت بنود الصلح بعد مفاوضات مع مبعوث قريش المفوض بايجاد حل ملزم لقريش وكانت البنود كالاتي:
فلما اتفق الطرفان على الصلح دعا رسول الله علي بن أبي طالب فقال له: « اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم..فقال سهيل: أما الرحمن، فما أدري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب.. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم..فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: اكتب "باسمك اللهم".

ثم قال الرسول اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولكن اكتب محمد بن عبد الله..فقال : إني رسول الله، وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله.. وأصر رسول الله على كتابة ذلك رغم معارضة كبار الصحابة وعلى رأسهم الإمام علي الذي رفض أن يتنازل عن كلمة رسول الله في الاتفاقية.
ثم تمت كتابة الصحيفة على الشروط التالية:
1ــ وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض .
2 ــ أن من آمن وأتى النبي صلى الله عليه وسلم دون إذن وليه رده ، ومن أتى قريشاً ممن كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه عليه .
3 ــ أن بينهم عيبة مكفوة .
4 ــ أنه لا إسلال ( لا سرقة ) ولا إغلال " لاخيانة"
5 ــ أن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه .
6 ــ أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم عن مكة عامه ذاك فلا يدخلها .
7 ــ أن تخرج قريش عن النبي صلى الله عليه وسلم في العام القابل عن الحرم فيعتمر ويدخل مكة بأصحابه .
8 ــ أن لا يكون معه في دخوله مكة غير سلاح الراكب وتكون السيوف في القرب .
9 ــ أن لا يخرج من مكة بأحد من أهلها إن أراد أن يتبعه .
10 ــ أن لا يمنع أحدا من أصحابه إن أراد البقاء بمكة والإقامة فيها .
تمثل اعتراض المسلمين على الاتفاقية في رفضهم الصيغة ورأيهم في أن بنودا منها تمس عزة ايمانهم وكرامتهم فجاءت اعتراضاتهم كالتالي في البداية اعترضوا لماذا لم يتم تثبيت التسمية بسم الله الرحمن الرحيم ثم كيف نتنازل عن ان يذكر الرسول بصفته رسول الله و ننزل عند رغبة سهيل بن عمرو ان لا نذكره الا كشخص باسم محمد بن عبدالله.. ثم كيف نعيد من يأتينا مسلما الى قريش فيما هم لا يعيدون لنا من ينسل من صفوفنا؟ ثم كيف نعود هذا العام بلا أداء المناسك وقد خرجنا من هناك وعقدنا بيعة الرضوان وكلنا عزيمة ان ندخل مكة..
هنا كانت صدمة الواقع لأصحاب العقيدة بالغة حيث رأوا في هذا الموقف ذلا ما ينبغي ان يلحق بهم وبهذا صرح عمر بن الخطاب وناقش الرسول وعندما أمر الرسول المسلمين للقيام بمناسك ترددوا . لقد كانت لحظات عصيبة على المسلمين وهم يرون ان هناك إذلالا لهم لاسيما بعد ان التحق بهم ابوجندل أخوهم في الإيمان وهو يرسف في أغلاله فيصر سهيل بن عمرو وهو والد ابي جندل ان يستعيده ويرفض كل محاولات الرسول على استبقائه هنا بلغت بالمسلمين مبالغ الغضب ذروتها..لكن هنا تتجلى شخصية القائد المبادر حيث توجه الى البدء في النحر وقص الشعر والصلاة فما كان من المسلمين إلا أن تبعوه.
وعاد الرسول بالمسلمين الى المدينة وفيما هم سائرون في الطريق اليها نزلت عليه صلى الله عليه واله وسلم سورة الفتح .. اجل انه الانتصار والفتح المبين ولقد شرح رسول الله عناصر المعاهدة للمسلمين مبينا ان بنودها لا ضرر فيها ولا ذلة.
المسلمون والرسول والمعاهدة:
هنا يتبادر الى الذهن أسئلة واستفسارات: ما الذي أوصل بعض المسلمين الكبار الى الاعتقاد بان رسول الله يقبل الدنية في دين الله او التنازل عن أي ركن فيها ألم يعايشوا كيف وقف وحيدا في مكة يبسط كفه اليمين وكفه اليسار لو وضعت الشمس ووضع القمر انه لن يتنازل عن هذا الامر.. وواجه كل الضنك في شعب ابي طالب و تصدي قادة قريش له في كل المحافل وهو لم يتنازل عن حرف من رسالته.. فكيف يتبادر الى ذهن أحد من المسلمين أن الرسول يقبل بالتنازل هنا؟
من الواضح أن هناك تداعيات للتشبع بالعقيدة تحرم صاحبها من رؤية مسلمات واقعية منطقية.. فزيادة عن كون الرسول عبقريا وحكيما وأمينا وشجاعا ونبيها وصادقا فهو كذلك يتلقى الوحي ولا يتصرف بعكس ذلك أبدا.. فلو سأل أحدهم نفسه أي مبرر للاعتراض على رسول الله لن يجد الا وهما لا قيمة له ولا مسوغا..
فمن من كل المعترضين أكثر حرصا على الرسالة من صاحبها ومن منهم أكثر حرصا على المؤمنين بها من الرسول الذي خصه الله بآيات تبرز قيمة حرصه عليهم ورأفتهم بهم ورحمته، فمن من المعترضين لديه القدرة على مواجهة قريش وادارة الصراع عبر سنوات طويلة ومن انتصار الى انتصار سوى رسول الله؟
رغم هذا الشطط والتنطع الا أن رسول الله صلى الله عليه وآله حمله على أحسن محمل ورده الى مصدره وهو الغيرة وعزة الايمان ولكنها غيرة وعزة محدودة غير واعية لما هو أبعد من اللحظة.. فكان الصبر والحكمة والحزم سبيلا له في معالجة الموقف ليكتشف المعترضون فيما بعد أنهم كانوا متعجلين وأن عجلتهم ما كان لها أن تكون في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم..
إن المتأمل في سيرة رسول الله يدرك السر المرافق لها وهي أنه لم يكن يخفي من عقيدة التوحيد ورفض الطاغوت والعبودية شيء انما على الصعيد العملي كان صلى الله عليه وآله وسلم يسير بحكمة وبما يطيق وبما لا يقسم به ظهر حركته وجماعته.. فهو يقرأ تماما الواقع وما يمكن أن نحقق منه وأفضل ما يمكن ان نحقق منه لان تحقيق أهداف مهما قلت سيكون بمثابة وقائع تهيء لانتصارات قادمة.
أعظم الأهداف من الحديبية:
بلاشك كان اعتراف قريش بأمة الإسلام وان تلتزم بتوقيع اتفاقيات صلح معها هذا بحد ذاته انتصار كبير جدا.. هنا قريش ألقت أسلحتها وبحثت عن حلول أخرى مع جماعة المسلمين، فلا خيانة ولا سرقة ولا نهب ولا قتل ولا غدر.. ثم ان تعترف قريش لجماعة المسلمين ان ينتشروا في بناء تحالفات كما شاءوا في بلاد العرب وان تكون هذه التحالفات محترمة لدى قريش الأمر هنا يعني ترك المجال لهذه الدعوة ان تنبعث بلا معرقلات قرشية.. ثم ان تخضع قريش لمطلب محمد بالحج في العام القادم فيما تخرج قريش من مكة فهذا امر خطير تماما في الجانب النفسي.
لقد كان اتفاق الصلح بمثابة فتح عظيم للمسلمين وان كل البنود التي رآها الغاضبون مثار رفضهم ما هي الا شكليات لا قيمة لها بجوار ما تم تحقيقه وانتزاعه من قادة قريش، فلنتخيل ان المسلمين انساقوا مع رأي الرافضين للصلح ما هي النتيجة ستكون هناك مذبحة للمسلمين وتعزيز روح الثأر والانتقام مع قريش أكثر ولن يستطيع المسلمون دخول مكة التي ستقاوم بكل بسالة أمام اجتياح المسلمين.. وسيرتد المسلمون بأحقاد جديدة وحالة عدوان متفاقمة.. لم يكن الرسول طالب حرب أو قتل أو قهر للناس انما هو يسلك مسالك الصلاح والوصول الى الأهداف بأقل الخسائر.
ان صلح الحديبية مدرسة في علم السياسة فائقة الجودة عنوانها كيف نركز على الجوهري والأساسي المرتبط بالقضية رغم أننا قد نضطر للتنازل عن مبادئ يمكن تعديلها وتظل جزئية مهما بلغ بريقها.. هنا تتجسد عبقرية القيادة والطليعة في فهم السنن والنواميس.
وكم خسر المسلمون أهدافا حقيقية عندما تشبثوا بالشكليات والمبادئ البسيطة.. انها الحديبية موقعة الخير الكبير ودرس الإسلام الأهم والأبلغ والحدث الأخطر في المسيرة كلها وهي المؤسس الطبيعي لفتح مكة بعد قليل..

×
أخبار
سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالاً تشكيكياً في ضحايا 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط