قد تنتهي المواجهة العسكرية بهدنة، وقد تنجح الوساطات في إعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض، لكن الأزمة الأساسية في إيران لن تنتهي بتوقف القصف. فالحرب الخارجية، رغم خسائرها الهائلة، لم تكن سوى غطاء أخفى مؤقتاً أزمات أعمق تتعلق بشرعية النظام، وانهيار الاقتصاد، واتساع الفجوة الاجتماعية، وتصاعد الصراع على السلطة.
خلال الحرب، حاول النظام الإيراني فرض خطاب يقوم على أن البلاد تواجه خطراً خارجياً يستوجب الصمت والوحدة وتأجيل الخلافات. لكن تكرار الدعوات في الصحف الحكومية إلى «وحدة الكلمة» ووقف السجالات وتجنب إضعاف الثقة العامة يكشف أن السلطة نفسها تدرك هشاشة تماسكها. فالنظام لا يخشى فقط نتائج المواجهة العسكرية، بل يخشى بصورة أكبر ما سيحدث عندما يتراجع الخطر الخارجي ويعود المجتمع إلى طرح أسئلته المؤجلة.
سيطالب الإيرانيون بمعرفة المسؤول عن دفع البلاد إلى الحرب، وعن تدمير البنية التحتية، وتعطيل الموانئ، وارتفاع أسعار الغذاء والدواء، وتفاقم البطالة والفقر. كما سيُطرح السؤال عن الأموال التي أُنفقت طوال عقود على المشاريع العسكرية والتدخلات الإقليمية، بينما انهارت المستشفيات، وضعفت صناديق التقاعد، وفقدت الطبقة الوسطى قدرتها على تأمين حياة مستقرة.
وتكشف الوقائع الاقتصادية أن المجتمع دخل مرحلة شديدة الخطورة. فالأسرة الإيرانية تقلص استهلاك الغذاء والعلاج والتعليم، وتلجأ إلى الاقتراض وبيع ممتلكاتها لتغطية النفقات الأساسية. أما العلاج، فقد أصبح امتيازاً يرتبط بالقدرة على الدفع، في حين يواجه المرضى ارتفاعاً متواصلاً في أسعار الأدوية وعجزاً واضحاً في التغطية التأمينية. وهذا التدهور لا يمكن تفسيره بالحرب وحدها، لأنه نتيجة تراكمية لبنية اقتصادية يسيطر عليها الحرس والمؤسسات التابعة للسلطة.
كما أن توقف الحرب لن ينهي صراع أجنحة النظام، بل قد يزيده حدة. فهناك من يريد تسوية خارجية تمنح السلطة فرصة لالتقاط الأنفاس، وهناك من يخشى أن تؤدي التهدئة إلى تقليص نفوذه الأمني والعسكري وفتح ملفات مسؤوليته عن الخسائر. ولذلك فإن الصراع على السلطة ليس خلافاً تكتيكياً حول التفاوض، بل معركة على مستقبل النظام وتوزيع النفوذ والموارد في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي المقابل، يتزايد الحراك داخل المجتمع. فالعمال والمتقاعدون والمعلمون والمرضى وأصحاب الدخل المحدود لا يطالبون بمعالجات جزئية فقط، بل باتوا يدركون أن أزماتهم مرتبطة بطبيعة الحكم. كما أن نشاط وحدات المقاومة في المدن المختلفة يعكس وجود قوة اجتماعية وسياسية لا تقبل استمرار الوضع القائم، ولا ترى في العودة إلى دكتاتورية الشاه بديلاً عن حكم الملالي.
وخلال زيارتها الأخيرة إلى إيطاليا ومشاركتها في مؤتمرات ولقاءات سياسية وإعلامية، قدمت مريم رجوي رؤية مختلفة لمستقبل إيران، تقوم على رفض الحرب ورفض المساومة التي تنقذ النظام، والاعتماد على الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة لإقامة جمهورية ديمقراطية تفصل الدين عن الدولة وتحترم حقوق القوميات والنساء والحريات الأساسية.
إن إنهاء الحرب ضرورة لحماية الشعب الإيراني وشعوب المنطقة، لكنه ليس حلاً نهائياً للأزمة. فالنظام الذي يستخدم الحرب للهروب من الداخل سيظل ينتج التوتر ما دام باقياً. ولذلك فإن القضية الحاسمة بعد توقف القتال ستكون داخل إيران: هل يستطيع النظام احتواء الغضب المتراكم، أم أن مرحلة ما بعد الحرب ستفتح الطريق أمام انتفاضة أوسع وتغيير ديمقراطي حقيقي؟