شكّل قرار بريطانيا إدراج الحرس الثوري الإيراني ضمن قائمة التنظيمات المحظورة تحولاً مهماً في طريقة التعامل مع المؤسسة الأكثر نفوذاً داخل نظام ولاية الفقيه. فالحرس الذي قدّمته طهران طوال عقود بوصفه قوة عسكرية رسمية، بات يُنظر إليه بصورة متزايدة باعتباره شبكة متكاملة تجمع بين القمع الداخلي، والإرهاب الخارجي، والهيمنة الاقتصادية، وإدارة الميليشيات العابرة للحدود.
ولا تنبع أهمية القرار البريطاني من أثره القانوني وحده، بل من الرسالة السياسية التي يحملها. فهو يرفض الفصل المصطنع بين القيادة المركزية للحرس وأذرعها الخارجية، ويضع المؤسسة نفسها أمام المساءلة عن الأنشطة التي تنفذها عبر فيلق القدس والجماعات التابعة له. كما يضيّق المساحة التي استغلها النظام طويلاً لتقديم عملياته الخارجية باعتبارها مبادرات مستقلة تنفذها جماعات محلية.
وتكشف النقاشات التي تنقلها الصحف الإيرانية عمق الأزمة التي تحاصر النظام بين الحاجة إلى التهدئة، وإصرار مراكز القوة المرتبطة بالحرس على استمرار التصعيد. ففي حين تبحث بعض الأجنحة عن تفاهم يخفف العقوبات وينقذ الاقتصاد، ترى شبكات المصالح المستفيدة من الحرب والعزلة أن أي انفتاح يهدد نفوذها وامتيازاتها. ولهذا لا يمثل الحرس مؤسسة عسكرية فقط، بل مركزاً أساسياً في الصراع على السلطة والثروة داخل البلاد.
لقد تمدد الحرس على مدى عقود داخل قطاعات النفط والغاز والإنشاءات والموانئ والاتصالات والتهريب، حتى أصبح اقتصاداً موازياً يصعب إخضاعه للرقابة. ومع كل أزمة أو عقوبة جديدة، لم تكن شبكاته تتراجع، بل كانت تستفيد من غياب الشفافية واحتكار طرق الالتفاف على القيود. وهكذا تحولت العقوبات بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الشعب إلى فقر وغلاء، بينما أصبحت بالنسبة إلى قوى مرتبطة بالحرس فرصة لتوسيع النفوذ وتحقيق الأرباح.
أما إقليمياً، فقد بنى الحرس نفوذه على تأسيس وتسليح وتمويل جماعات مسلحة في العراق ولبنان واليمن وسوريا. غير أن هذه الشبكة التي اعتبرها النظام لسنوات «عمقاً استراتيجياً» أصبحت اليوم أحد أسباب عزلته. فالدول العربية باتت أكثر رفضاً لوجود قوى مسلحة تتلقى أوامرها من خارج الحدود، وأكثر إدراكاً أن استقرار المنطقة يتطلب إنهاء نفوذ الميليشيات، لا التعايش معه.
ومن هنا تبرز أهمية البيان الصادر عن أكثر من 120 شخصية عربية في إدانة تدخلات النظام وسياساته العدوانية. فالبيان يعكس اتجاهاً عربياً يتجاوز المواقف الحكومية، ويربط بصورة واضحة بين الحرس الثوري والحروب والميليشيات وتهديد سيادة الدول. كما يميز بين الشعب الإيراني الذي يعاني من هذه السياسات وبين السلطة التي تصدر الأزمات إلى الخارج.
وفي الداخل، يبقى الدور الأخطر للحرس مرتبطاً بقمع الاحتجاجات وحماية النظام من الغضب الشعبي. فكلما اتسعت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ازداد اعتماد السلطة على القبضة الأمنية، والمراقبة، والاعتقالات، وقطع الإنترنت. لكن استمرار الاحتجاجات ونشاط وحدات المقاومة يثبت أن القوة المسلحة قد تؤخر الانفجار، لكنها لا تستطيع إزالة أسبابه.
إن قرار بريطانيا لا يعني وحده نهاية نفوذ الحرس، لكنه يسهم في إسقاط الغطاء السياسي والقانوني الذي احتمى به طويلاً. كما يؤكد أن المؤسسة التي أرادها النظام أداةً لحمايته وتوسيع نفوذه أصبحت عبئاً ثقيلاً عليه: تستنزف الاقتصاد، وتعمق العزلة، وتوحد خصومه في المنطقة والعالم، وتكشف أن الخطر الحقيقي لا ينفصل عن بنية نظام يعتمد على الإرهاب في الخارج والقمع في الداخل.