تاريخ النشر: 2016-11-01 | 15:01
تاريخ النشر: 2016-11-01 | 15:01
لم يحمل لقاء رئيس الوزراء الدكتور رامي الحمد الله مع الصحافيين، امس الاثنين، جديدا ذا مغزى من حيث المعلومات، وان تخلله توضيحات مهمة لسياسات واجراءات قائمة للحكومة، خصوصا في الشقين الامني والمالي، لكن الاهم في هذا اللقاء تميزه بروح عالية من الانفتاح تبشر بمرحلة جديدة في التعامل مع الاعلام.
اللقاء، وهو الاول من نوعه على مدى ثلاث حكومات تولى رئاستها الحمد الله (الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة)، وجمعه مع نحو عشرين صحافيا، غالبيتهم العظمى من العاملين في الاعلام المحلي، بثوه شكاويهم من صعوبة الوصول الى المعلومات اللازمة للقيام بمهمتهم بالحد الادنى لإعطاء المهنة اسمها المتداول عرفا (السلطة الرابعة)، واحيانا قمعهم، وان كانت شكاويهم تركزت خصوصا في وزارتي: المالية، والصحة، الا امها شملت، صراحة وضمنا، معظم مؤسسات الدولة: وزارات وهيئات عامة مستقلة.
رئيس الوزراء، وان تضمنت تعليقاته شكوى من "ظلم الاعلام" لحكومته، الا انه تقصد منذ البداية اعطاء المساحة الاكبر لأسئلتهم وتعليقاتهم وآرائهم بأدائه واداْ حكومته، حتى انه احجم عن تقديم ملخص كان اعده مسبقا حول انجازات الحكومة وانتهى اللقاء دون ان يسعفه الوقت بتقديمه، على ان يقدمه في لقاءات قادمة، وانغمس بالرد على الاسئلة والملاحظات والشكاوي.
مداخلته بعد الجولة الاولى من الاسئلة والملاحظات، حملت اجوبة حاسمة بشأن تحمله الايام القادمة من قرارات واجراءات وممارسة بشأن التعامل مع الصحافيين ووسائل الاعلام، ابرزها بشرى انجاز قانون حق الحصول على المعلومة و"توجه الحكومة نحو المصادقة عليه في قريبا"، يسبق ذلك ترتيب لقاء بين الصحافيين ووزير العدل للاطلاع على مسودة القانون ومناقشتها، والاتفاق على لقاء دوري بين رئيس الوزراء نفسه مع الصحافيين يعقد كل شهر، يكون مفتوحا لجهة الاسئلة والنقاش فيما يخص كل سياسات الحكومة واداء مؤسساتها ووزرائها، بل ويصطحب فيها وزراء ذوي اختصاص يواجه الصحافيون صعوبات جمة في الحصول على معلومات من وزاراتهم، كما وعد بإعطاء توجيهاته لوزرائه بالانفتاح على الاعلام وتزويد الصحافيين بما يحتاجونه من معلومات.
بالتأكيد، كان الصحافيون متعطشون لإجابات حول قضايا ساخنة شهدتها وتشهدها الساحة الفلسطينية، وجهد الحمد في تقديم اجابات وافية عليها، لكن زحمة الاسئلة والافكار والملاحظات في وقت ضيق، لم تترك المجال لتفاصيل ضرورية لاطلاع الشارع عليها، بما يمكن من رسم صورة دقيقة للمواقف والتوجهات الرسمية تجاهها، بغض النظر ان لاقت هوى هنا ام خالفته هناك.
بالمجمل، وقف الحمد بثبات خلف سياسة واجراءات حكومته، وخصوصا في المجالين: الامني والمالي، وكان اكثر شجاعة باعترافه ببعض الاخفاقات، كأداء الحكومة في أزمة "الضمان الاجتماعي"، وهو موضوع غاية في الضرورة والاهمية لقطاع واسع من المجتمع واقتصاد البلاد عموما، ومع ذلك شكل تعاطي الحكومة، سواء في اعداد القانون او تسويقه، فرصة لتوجيه انتقادات لاذعة لها ولسياساتها وطريقة تعاملها مع الراي العام.
في المجال الامني، ابدى الحمد الله اصرارا على المضي فيها حتى اعتقال كافة "الخارجين على القانون"، وجميعهم متهمون بقضايا جنائية بما فيها عمليات قتل، مؤكدا انها الاجراءات والعمليات الامنية "مستمرة ومستدامة وليست حملة مؤقتة".
واضاف: هناك عمليات امنية يومية، وتمكنت اجهزة الامن من القاء القبض على العديد من المتهمين وتقديمهم الى القضاء، كما تمكنت من مصادرة نحو الف قطعة سلاح في ثلاثة اشهر".
فيما يخص مخيم بلاطة، أكد الحمد الله ان النشاط الامني ليس حصرا في مخيم او مدينة او قرية، وانما يشمل كافة المناطق الضفة الغربية، "وفي مخيم بلاطة، هناك سبعة مطلوبين متهمين بقضايا جنائية، بما فيها عملية قتل راح ضحيتها احد المواطنين في المخيم نفسه، ومن هؤلاء المطلوبين من هم من خارج المخيم وهم يحتمون به"، مؤكدا ان النشاط الامني سيستمر هناك حتى اعتقال هؤلاء المطلوبين وتقديمهم الى العدالة.
رئيس الوزراء بدا مدركا ان ملاحظات الصحافيين واسئلتهم تحمل في العادة الكثير من تساؤلات الشارع، وفي الشأن الامني: هناك الكثير مما يقال عن "تغول اجهزة الامن"، و"تجاوزات" اثناء العمليات الامنية، بل وتورط لضباط وافراد في حالات الفوضى، ومدى مصداقية لجان التحقيق التي تشكل على خلفية اخطاء وتجاوزات لقوى الامن كما حدث في نابلس، وكان رده حاسما بأن "الكل يخطئ، لكن الكل تحت القانون"، كاشفا عن اعتقال "ضباط كبار"، و"فصل 28 ضابطا وعنصرا في الاشهر الثلاثة الاخيرة من الخدمة بقرار من الرئيس محمود عباس، عملا بتوصية لجان تحقيق".
واضاف: فيما يخص لجنة التحقيق في احداث نابلس، فهي تتابع عملها، وسنتعامل بجدية كامل مع نتائجها وتوصياتها.
ايضا، الشأن المالي حظي باهتمام لافت من الصحافيين، خصوصا في ظل الحديث عن توقف العربية السعودية عن تسديد التزاماتها في دعم الخزينة الفلسطينية، التراجع الملحوظ في حجم المساعدات الخارجية عموما، ما ينذر بتفاقم الازمة المالية المزمنة التي تعانيها الخزينة خلال الاشهر القادمة.
ومع اشادته بالمواقف السعودية تاريخيا من فلسطين وشعبها وقضيتها، وما تقدمه من دعم سياسي ومالي، لكنه اقر بان آخر دفعة من المساعدات السعودية حولت في نهاية آذار المالي، مؤكدا انه توقف مؤقت، وهناك تطمينات بأن السعودية ستستأنف تحويل التزاماتها، بما في ذلك عن الاشهر التي توقفت فيها، رافضا تحميل الموضوع اية ابعاد سياسية.
بشكل عام، قال الحمد الله ان المساعدات الخارجية انخفضت بشكل كبير هذا العام، فعلى سبيل المثال، لم تحول الولايات المتحدة الاميركية اية مبالغ من اجمالي التزامها للعام 2016، وقدرها 263 مليون دولار، لكنه بالمقابل، اشاد بالموقف الاوروبي "المتقدم سياسا واقتصاديا وماليا".
وفي الشأن المالي ايضا، لفت رئيس الوزراء الى نمو ملحوظ في الايرادات، مصدره الاساسي تحسين الجباية، سواء في الجباية المحلية (250-300 مليون شيكل شهريا)، او المقاصة مع اسرائيل (500-600 مليون شيكل شهريا)، ما ساهم في التخفيف من حدة الازمة المالية وتمكين الحكومة من الوفاء بالتزاماتها، وخصوصا رواتب الموظفين، وهو التزام وضعته حكومة الحمد الله كأولويه منذ اللحظة الاولى لتوليها مهامها، اضافة الى "خفض المديونية بنحو مليار دولار".
في المحصلة، ومع معدل انفاق يصل حوالي 1.15 مليار شيكل شهريا، قال الحمد الله، هناك عجزا شهريا يقدر بنحو 300 مليون شيكل، يغطى جزء منه بالمساعدات الاوروبية خصوصا، وما يصل من مساعدات قليلة اخرى، فيما تضطر الحكومة لترشيد الانفاق لتغطية الباقي، كتأجيل التعيينات الجديدة في اجهزة الامن هذا العام، وتقليص التعيينات الجديدة في الوظائف المدنية بنسبة 50% على مدى ثلاث سنوات (2015-2017).
قرار الحكومة الاخير بمنع الازدواج الوظيفي طرح ايضا على طاولة رئيس الحكومة، وان كان الوقت لم يسمح بإثارة بالسؤال ان كان ذلك جزء من عملية اصلاح شاملة وضرورية لقطاع العمالة، بما يشمل عدة فئات من الموظفين العموميين تعاني من اختلالات قانونية، كالذين يتقاضون رواتب دون دوام في مكان ما، وبعضهم خارج البلاد، واولئك الموظفون على وظائف وهمية (يداومون في مؤسسات دون عمل واضح او محدد)، ومن يتقاضون رواتب تقاعدية من هيئة التأمين والمعاشات وفي نفس الوقت موظفون على عقود، كثير منهم برواتب عالية، في الهيئات العامة غير الوزارية، اضافة الى الموظفين الذي يعملون بوظائف اخرى في القطاع الخاص والاهلي، فيعطوه زبدة جهدهم بمقابل زهيد، في حين يحصلون على كافة الامتيازات من الحكومة.
في هذا، كشف الحمد الله عن تشكيل لجنة وزارية لدراسة مقترح "تقاعد اختياري مبكر"، مؤكدا ان المقترح قيد الاعداد، "وسيتضمن عرضا جيدا لتشجيع موظفين على التقاعد".
موضوع الانتخابات المحلية، وما آلت اليه في اروقة القضاء، طرح على طاولة رئيس الحكومة في لقائه مع الصحافيين . في المبدأ، أكد الحمد الله اصرار حكومته على اجراء هذه الانتخابات، كاستحقاق دستوري ولأهميتها السياسية كفاتحة لإجراء الانتخابات الرئاسة والتشريعية، وفي التفاصيل، كشف عن لجنة وزارية لدراسة مقترح تشكيل محكمة مختصة (محكمة بلدية) للنظر في كافة القضايا ذات العلاقة بهذه العملية، سواء في الضفة الغربية او قطاع غزة، كما كشف عن اتصالات مع حركة حماس بهذا الشأن معربا عن أمله في التوصل الى تفاهم قريب بهذا الخصوص.
وسبق ذلك، تساؤلات بشان مصير جهود المصالحة وانهاء الانقسام، وخصوصا بعد لقاء الرئيس عباس بالدوحة، الاسبوع الماضي، كلا من رئيس المكتب السياسي في حماس خالد مشعل، والقيادي في الحركة اسماعيل هنية، وفي هذا قال الحمد الله ان اللقاء "كان جيدا وننظر له بايجابية . هناك مقترح بتشكيل حكومة وحدة وطنية تعد للانتخابات الرئاسية والتشريعية بعد ستة اشهر . نحن نفضل هذا الاقتراح، لكن اذا ارادت حماس الذهاب فورا الى الانتخابات، فنحن فلا بأس . هذه الامور ما زالت عبارة عن مقترحات، نأمل تتحقق بما يعيد الوحدة وينهي الانقسام".
انتهى اللقاء بتجاوز نصف ساعة عن الوقت المخصص، ورغم انه ترك اسئلة في اذهان الصحافيين اكثر مما تلقوه من اجوبة، الا ان الارتياح كان باديا على الجميع، على امل تحمل الايام القادمة خطوات فعلية لتجسيد روح هذا الانفتاح على الارض، ولسان حالهم يقول "الخير بالجايات".