قلوبنا كانت تنبض خوفاً على ما يجري شرق النهر... عيوننا كانت تائهة بين جبال عمان وأحراش جرش وعجلون...تعيش مع المقاتل في أزقة الوحدات وبين طرقات العاصمة التي قررت أن لا فدائي بعد اليوم على ضفة النهر الشرقية...
كنا شبان لم نكمل الخامسة عشر ربيعاً بعد... إلى أن جاء الخبر الجلل... رحل الزعيم في لحظة وداع القادة الذين توافدوا لقاهرة المعز لوقف المجازر... بكينا بحرارة الإبن الذي فقد الأب... وبكينا بحرقة المواطن الذي تخلى عنه زعيمه في لحظة كان بحاجة ماسة له... بدون توجيه من أحد خرجنا إلى المساجد القريبة... لم يبق أحد في المنازل... شيوخ ونساء... رجال وصبيان... فتيات وصغار... وجاء المقرئ ليتلو آيات من الذكر الحكيم قبل أن يحمل الرجال ذاك النعش لنتوجه إلى مقبرة الشهداء في المخيم... وإذا به يتلو "وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا"، وإذا بالعشرات ينهالون عليه ضرباً وسباباً... وكأنهم أنكروا عليه أن هذه آيات من الذكر الحكيم... العقل الجمعي للغاضبين لم يصدق أن بالقرآن الكريم هكذا آيات وإن كانت فليست هذه ما يجب أن تتلى...
وبدأت الجنازات تتحرك من مساجد الشمال الغزي من كل صوب وحدب إلى أن وصلت جميعها مقبرة الشهداء على طرف المخيم وإذا بالآلاف... عشرات الآلاف... لا أحد يمكن أن يحصي العدد ولا أحد يمكنه أن يتخيل البكاء والصراخ والنحيب... خرج من بين الجموع شاب في السابعة عشرة من عمره... ليقول بعبارات واثقة "يموت الصف ... يحيى الصف... الزحف الزحف ما بيتوقف"... لقد كانت كلماته لها وقع الصاعقة على المحتشدين... وأردف قائلاً إلى معسكر الجيش يا إخوان... وتحركت الأمواج البشرية إلى معسكر القوات الإسرائيلية وسط مخيم "جباليا" والذي كان يومها يسمى "بمخيم الثورة" لتقتحم الجماهير المعسكر وإذا بها تجده غير مأهولاً بالقوات الإسرائيلية التي أدركت مسبقاً أن هذا اليوم لن يمر على خير في غزة... ولكن الجماهير لم يُشف غليلها إلا أن حطمت الجدران وأشعلت النيران فيما تبقى من المعسكر الذي كان مركزاً للشرطة الفلسطينية قبل العام 1967...
تحول المخيم وقرى الشمال (بيت حانون-بيت لاهيا وجباليا/ النزلة) إلى بيوت عزاء في كل مربع يجتمع المواطنون ويبكون... لقد كان يوماً أسوداً بلون أيلول المجازر... وكان يوماً مميزاً بميزة القائد الخالد فينا ... الذي تصدرت صوره جدران منازلنا الصغيرة... وكنا لا نفوت خطاباً كان يذيعه صوت العرب وكأن منعاً للتجوال نفرضه على أنفسنا... هذه هي حقاً العلاقة بين الزعيم وشعبه... نحن لا نفرض أنفسنا على عبد الناصر لكي نقول أننا "شعبه" بل هو فرض علينا أن نكون خاصرة مصر الجنوبية وعَمق مفاهيم القومية التي لم تعترف بالحدود وتصل إلى الجزائر واليمن وحتى ظافار... لقد كنا يومها ننتمي من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر إلى ذات المفهوم بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة... كنا آنذاك ننتصر للجزائر ونحتفل بالوحدة ونغني للتحرير القادم... أما اليوم فنبحث في أوراق الحاضر عسى أن نجد ما يشبهه لكي نتملق حوله... ونسير على خطاه... فلا نجد غير الانقسام في كل مكان... كل واحد أصبح إثنان أو ثلاثة... وكل وحدة أصبحت انشقاق وتجزأة... وكل عروبة أصبحت شِيع وأحزاب وقبائل... فإن ضاق بنا الوطن نهرب إلى القبيلة... وإن تفرقت القبيلة نهرب إلى العائلة والحمولة ... وإن غابت العائلة نبحث عن ذواتنا في عالم ليس للضعيف فيه من مكان... فرحمة الله على ذاك الجيل من العظماء وسلام لكل من قرأ فاتحة الكتاب في يوم رحيل القائد الخالد فينا أبا خالد.