في مثل هذا اليوم, وقبل 47 عاما بالتحديد, أي في يوم الخامس من حزيران عام 1967م, كنت أجلس في قاعة خاصة بامتحانات الثانوية العامة تقع على يسار الطريق المتجهة من طولكرم إلى ضاحية شويكة القريبة إلى الشمال من طولكرم. كانت القاعة بعيدة قليلاً عن مدرسة الفاضلية الثانوية التي انتقلت للدراسة فيها من بلدتي عنبتا التي كنت أنهيت فيها الصف الثاني الثانوي في الفرع الأدبي.
في صبيحة ذلك اليوم توجهنا إلى قاعة الامتحان ونحن نستذكر آخر ما خطر في البال من أسئلة متوقعة في امتحان ذلك اليوم والذي كان في مادة الجغرافيا. قاعة الامتحان كما اعتدتموها يرن عليها صمت مهيب, مهابة المستقبل الذي كان ينتظرنا, أو بالأحرى الذي كنا نتخيله بعد انتهاء فترة الاختبارات. لم يكن يدور بخلد أحد حصول ما حدث لاحقا. الحق أن بعضنا كانت تخالجه أحلام وردية, فحتى نحن البسطاء أبناء القرى كانت لنا طموحاتنا المعقولة منها وغير المعقولة؛ فأحلام اليقظة كانت كفيلة بأن تضيء لنا الطريق نحو عوالم جميلة يمكننا السفر لاقتحامها. في القاعة طلبة من مدينة طولكرم وآخرون من مختلف القرى والبلدات؛ من علار ونزلة عيسى شمالاً إلى كفر زيباد وعزون جنوبا, وإلى عنبتا وبيت ليد ورامين شرقا, وكان أبناء مخيمي طولكرم ونور الشمس-أولئك الذين اكتووا وأهلوهم بنيران النكبة حيث احتلت عصابات اليهود بمساعدة الانتداب البريطاني وقوى الاستعمار الغربي الرأسمالي الجزء الأكبر من بلادنا فلسطين عام 1948م- كانوا حاضرين. وفي القاعة بضعة أساتذة يجوبون بين الصفاف لضمان سلامة الامتحان, وللحيلولة دون لجوء أحد منا إلى الغش.
كانت الساعة تقترب من العاشرة صباحاً عندما سمعنا دوي انفجار ضخم, تلاه آخر, قبل أن تتتابع أصوات الدوي الذي لم يطل انتظارنا طويلا لنعرف أن الحرب بين العرب واليهود -والتي كانت تدق طبولها منذ أسابيع- قد بدأت. وحتى لا تطول حيرة بعضنا جاء من خارج القاعة من أبلغ المدرسين بأخبار البيان العسكري الأول الصادر عن إذاعة القاهرة. كانت الفرحة عارمة, وتباشير تحرير فلسطين تمر صورا وأخيلة جميلة أمام ناظرينا. لم يكن هناك متسع من الوقت للتفكير بمضامين البيانات العسكرية التي تصدر عن الإذاعات العربية. كان كل همنا هو أن تقوم حرب التحرير التي انتظرناها طويلا. وأصدقكم القول: فحتى نحن طلبة الثانوية العامة الذين تلقينا بعض العلوم العسكرية, وتدربنا على حمل السلاح, لم نكن قادرين على تقدير الموقف, أو لم يكن لدينا أي احتمال بأن تكون الكفة قد رجحت لصالح اليهود منذ الساعات الأولى لبداية تلك الحرب.
أنهينا الامتحان وعدنا كل إلى بلده يسابقه الشوق ليروي نتفا مما سمع من أنباء الحرب. كانت بعض قطع المدفعية التي أقامها جيشنا الأردني قرب "نيربة" غربي عنبتا, وتلك التي زرعها قرب "رامين" شرقيها تدك مستعمرة ناتانيا غرب طولكرم على البحر الأبيض دون رد من جانب اليهود, فقواتهم كانت مشغولة في احتلال قطاع غزة وسيناء من مصر, وهضبة الجولان من سوريا, وبدا منذ البداية أن الضفة الغربية كانت لقمة سائغة بيد اليهود حال سقوط الجبهتين المصرية والسورية. ما كنا نتندر به في اليوم الأول والثاني من أيام الحرب, ومع صمت المدافع اليهودية عن الرد على المدافع المقامة في محيط بلدتنا عنبتا هو أن الجيش الأردني ومع انشغال اليهود بالجبهتين المصرية والسورية كان قادرا على الوصول إلى البحر من جبهتي طولكرم وقلقيلية واحتلال نتانيا وعاصمة دولة اليهود تل أبيب, لكن أحدا لم يكن ليعيرنا انتباهاً على أية حال, كما لم ينتظر اليهود طويلا. ففي ظهر يوم الأربعاء كانت بعض قواتهم وصلت إلى عنبتا. إذ وصلت دبابة من جهة الغرب وضعوا عليها صورة الملك حسين - للتمويه على ما يبدو-, وسيارة جيب فيها عدد من الجنود بينهم مجندة, ومثلها كما سمعت جاءت من جهة نابلس من الشرق. وكان العمل الأول الذي أنجزه الجنود اليهود أن قتلوا عمي كامل عبدالغني شهاب (كامل الشقير, كما هي شهرته) بينما كان يحمل فأسه ويعزق أرضه الواقعة في سهل البرج غربي مفرق بلعا على الطريق إلى طولكرم, كما كان إنجازهم الثاني إطلاق بعض قذائف المدفعية التي أصابت إحداها مطبخ منزل عم آخر لي هو ذيب الشقير غربي البلدة, ثم نسف منزلي عم ثالث لي هو نمر أبو نمرة وهو أيضا من آل شهاب في عنبتا, ومنزل مجاور له هو منزل حافظ الشيخ محمود من آل الفقهاء بحجة أن رصاصة قد انطلقت باتجاه جنودهم من موقع بين المنزلين. أما ثالثة الأثافي فكان أمرهم الذي أصدروه لنا بضرورة التوجه إلى الشارع العام الذي يعبر عنبتا من طولكرم غربا باتجاه نابلس شرقا لتحملنا (حافلات جيش الدفاع الإسرائيلي) إلى شرق الأردن, بعد أن كانوا حملوا أهالي طولكرم والبلدات المحيطة بها على الرحيل, وكنا قد استقبلنا العديد منهم في عنبتا صبيحة ذلك اليوم الأربعاء الثامن من حزيران.
الحلقة القادمة: الرحلة إلى المجهول (2)