كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

الخنق الاقتصادي والتهجير الصامت: كيف تُعيد إسرائيل هندسة الضفة الغربية ديمغرافيًا

الخنق الاقتصادي والتهجير الصامت: كيف تُعيد إسرائيل هندسة الضفة الغربية ديمغرافيًا

تاريخ النشر: 2026-10-12 | 14:57

 مؤيد عفانة
مؤيد عفانة

لم تعد سياسات التهجير الإسرائيلية في الضفة الغربية تقتصر على العمليات العسكرية المباشرة، أو هدم المنازل، أو مصادرة الأراضي، أو الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون، بل باتت تتخذ أشكالًا أكثر تدرجًا وتعقيدًا، تقوم على تقويض مقوّمات الحياة، وخلق بيئة طاردة للفلسطينيين، تدفعهم إلى النزوح القسري من أراضيهم ومناطق سكناهم. ضمن إطار استراتيجية متكاملة توظّف أدوات عدّة منها العنف المباشر، والخنق الاقتصادي، والضغط المعيشي، وانعدام الأمان، في مسار يهدف إلى تغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي للضفة الغربية، وصولًا إلى تقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية. وتكشف البيانات الرسمية عن خطورة هذا المسار، إذ تشير المعطيات إلى تهجير داخلي طال (108) تجمعات فلسطينية خلال السنوات الثلاث الماضية، بفعل الاعتداءات الإسرائيلية وتصاعد عنف المستوطنين. كما تفيد بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بتنفيذ (62,916) اعتداءً بحق المواطنين الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم في الضفة الغربية، بما فيها القدس، خلال الفترة ذاتها. ولا تمثل هذه الأرقام مجرد مؤشرات إحصائية على تصاعد الانتهاكات، بل تعكس حجم الاستنزاف اليومي الذي يتعرض له الفلسطينيون، في ظل سياسات متراكمة تستهدف قدرتهم على البقاء والاستمرار في أرضهم.

وتعتمد إسرائيل سياسة التهجير الصامت من خلال خلق واقع تصبح فيه الحياة اليومية للفلسطينيين أكثر صعوبة وكلفة ومخاطرة، دون الحاجة إلى إصدار أوامر مباشرة بإخلاء التجمعات السكانية أو تنفيذ عمليات طرد جماعي واسعة النطاق. بحيث تتشكل تدريجيًا بيئة طاردة للحياة تحت وطأة الخوف والضائقة الاقتصادية والضغوط الاجتماعية وانعدام الأفق. وتزداد خطورة هذه السياسة عندما تتداخل أدوات العنف مع وسائل الضغط الاقتصادي والاجتماعي والنفسي، بحيث لا يعود التهجير حدثًا منفصلًا أو قرارًا فرديًا، بل نتيجة تراكمية لظروف تُفرض على الفلسطينيين وتجعل استمرارهم في مناطقهم أكثر صعوبة. وهنا تتجلى خطورة ما يمكن وصفه بـ«الألفة الغافلة» أي الاعتياد التدريجي على الوقائع المتغيرة، إن جوهر هذه المقاربة هو فرض التغيير على الأرض بصورة تدريجية، بما قد يحد من الانتباه المحلي أو الدولي إلى الترابط بين الإجراءات المختلفة، في حين تتراكم آثارها على حياة الفلسطينيين ومستقبل وجودهم، وبتوظيف سياسات الخنق الاقتصادي متعددة الأبعاد، بما يشمل الضغوط على الماليّة العامّة والقطاع الخاص والجهاز المصرفي، وحتى منشآت الأعمال الصغيرة، فالاقتصاد الفلسطيني لا يواجه أزمة مالية عابرة، بل ضغوطًا هيكلية متشابكة مركبّة.

وعليه، فإن ما يجري لا ينبغي التعامل معه باعتباره سلسلة من الأحداث المنفصلة أو أزمات قطاعية متفرقة، بل باعتباره مسارًا مترابطًا تتقاطع فيه أدوات السيطرة العسكرية والاستيطانية والاقتصادية، وتصب آثاره في تقويض الكيانية الفلسطينية، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وفرض وقائع يصعب تجاوزها مع مرور الزمن.

وهذا ما حذّر منه جلالة الملك عبد الله الثاني، في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين التي انعقدت في أيلول 2026، من أن ما يحدث في أنحاء الضفة الغربية ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل ممارسات مترابطة تهدف إلى إجبار شعب بأكمله على مغادرة أرضه، مؤكدًا أن المصطلح الواضح لوصف هذه السياسة هو «التهجير القسري»، بوصفه جريمة حرب. ويكتسب هذا التحذير أهمية خاصة كونه يسلط الضوء على ضرورة النظر إلى مجمل الإجراءات الإسرائيلية باعتبارها مسارًا متكاملًا، لا مجرد انتهاكات متفرقة. كما يفرض مسؤولية سياسية وأخلاقية وقانونية على المجتمع الدولي للتحرك الفاعل، في وقت تتغير فيه الوقائع على الأرض بصورة متسارعة، فالتأخر في الاستجابة لا يعني بقاء الأوضاع على حالها، بل يتيح استمرار الاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير، ويمنح الوقائع المفروضة على الأرض مزيدًا من الوقت كي تتحول إلى واقع مستدام.

وفي مواجهة هذا المسار، تبرز الحاجة إلى استراتيجية فلسطينية وطنية متكاملة، تحظى بدعم عربي ودولي، وتجمع بين تعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي، والحراك السياسي والقانوني والدبلوماسي، وتوفير الحماية للمواطنين والتجمعات المهددة بالتهجير. وتبدأ هذه الاستراتيجية بتوفير مقومات الحياة الأساسية للفلسطينيين في المناطق الأكثر تعرضًا للاستهداف، كما تبرز ضرورة ملحّة لإنشاء صندوق طارئ لدعم الموازنة العامة، بالتعاون مع الدول العربية والشركاء الدوليين، وتوفير شبكة أمان مالية تحول دون انهيار الخدمات الأساسية، ويجب أن يترافق ذلك مع برامج موجهة لدعم المنشآت الصغيرة، والمزارعين، والعمال، بما يعزز مصادر الدخل، ويرمم الاقتصاد المحلي، ويحد من الضغوط التي تدفع الفلسطينيين الى التفكير بالهجرة.

أما على المستوى الدولي، فلا بد من إطلاق حملة ضغط ومناصرة، ومطالبة المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات عملية لوقف عنف المستوطنين، ومنع التهجير القسري، وحماية حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه، حيث أن التحولات التي تشهدها الضفة الغربية تتجاوز حدود الأزمة الاقتصادية، لتلامس تهديدًا وجوديًا يتصل بمستقبل الكيانية الفلسطينية. كما ان الرهان على أن تُفضي الانتخابات الإسرائيلية إلى تحولّات إيجابية جوهرية، لا يمثل خياراً كافياً لمواجهة هذا التحدي، إن الرهان على التغيير السياسي وحده، دون بناء أدوات فلسطينية فاعلة للصمود، لا يوفر استجابة كافية لحجم التحدي. كما ان «انتظار غودو» لن يأتي بجديد، فالانتظار يعني مزيد من ضم الأراضي، ومزيد من الضغوط على الشعب الفلسطيني، الصمود ليس مجرد إرادة وطنية، بل قدرة اقتصادية واجتماعية تحتاج إلى حماية وتمويل وسياسات عامة فعالة.

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط