تاريخ النشر: 2017-05-29 | 15:47
تاريخ النشر: 2017-05-29 | 15:47
لقد نشرت في مقال سابق عن أهمية استخدام الدبلوماسية الأمنية في العلاقة مع واشنطن وخاصةً في زمن الإدارة الأمريكية الجديدة نظراً لدقة وحساسية المرحلة التي تمر بها قضيتنا الفلسطينية.
وقد بدأت الحركة في المسار السياسي بين الطرفين الفلسطيني والأمريكي تؤدي دورها بشكل مُرضي، مما يعني أن هناك مصداقية ما تتشكل نتيجة استخدام هذا النوع من الدبلوماسية، لكن وكالات الأنباء حملت إلينا خبرين يحتاجان إلى المناقشة في هذا الصعيد:
الأول: ابداء الرئيس ترامب امتعاضاً في لقائه مع الرئيس عباس متهماً إياه بالتحريض.
الثاني: أن الحكومة برام الله تعهدت بدفع ستة ملايين دولار لتغطية تكاليف زيارات أهالي السجناء.
من يمعن النظر يدرك الترابط بين الأمرين فكليهما يدخل اليوم في مجال ما يسمى بمكافحة الإرهاب وفي حالتنا الفلسطينية يقعان تحت مسمى " التحريض وتعزيز ثقافة الكراهية "، وهي الشغل الشاغل للرئيس ترامب في مرحلة حكمه، فكيف نقرأ كلا الخبرين.
بالنسبة للخبر الأول، لابد أن ندرك أن أقوى مؤثر للتشويش على العلاقات الدبلوماسية وتنفيذ السياسة الخارجية للدولة يكمن في الدعاية أو (Propaganda) فهي تلاعب مقصود بالرموز اللفظية من أجل التأثير في الدرجة الأولى في المفاوضات وطبيعة الدبلوماسية المستخدمة؛ حتى تصل إلى مرحلة بسط النفوذ والسيطرة على الطرف الأخر بقصد إخضاعه وتفريغه من مفهوم السلطة التي هي مصدر شرعيته.
هكذا تلّقف الرئيس الأمريكي الدعاية الصهيونية ليتهم الرئيس الفلسطيني بالتحريض ويحرف اللقاء الهام عن مساره المطلوب ونصبح مطالبين بتبرير أقوالنا وأفعالنا بدلا من الخوض في جوهر العلاقة بين البلدين أو حول موضوع التفاوض، مع العلم بأن هذا الأمر أحسن ترامب استغلاله لأنه لم يحمل شيء في جعبته يقدمه للفلسطينيين.
من المهم أن ندرك طبيعة ترامب وطبيعة أسلوبه التفاوضي السلبي في هذا المجال، فقد وصف محللون وخبراء أمريكيين طبيعة تصريحات ترامب بأن حوالي 76% منها أقرب للكذب، وأنه لا يعاني من تأنيب الضمير لما يصيب الأخرين، أما بخصوص بعض أساليب التفاوض لديه فقد يعمل على إغراق الطرف الأخر بتفاصيل مهما كانت تافهة أو فرض ظروف تفاوضية محبطة من اجل العمل على إرضاخه لرغبته وشروطه ولو لزم الأمر استخدام ـ سيناريو المراوغة ـ أو أقسى من ذلك بتشوية السمعة أو الابتزاز.
وبالرغم من ذلك فهو سريع التراجع عن مواقفه إذا ما شعر بخسارته، وهذا طبيعي من شخص يعشق الثناء على شخصيته وأعماله في كل وقت وحين، وهنا لابد من التحذير من أن يتجاوز الثناء المجاملات البروتوكولية إلى القضايا السياسية وجوهر قضايا المفاوضات حينها تكون الكارثة.
نخلص في هذا الإطار من أننا أخطأنا في السماح للإسرائيليين في استغلال هذه النقطة ضدنا، وأننا لم نكن جاهزين في الرد المناسب مباشرة عليها وبشكل حازم حتى من خلال كلام الإسرائيليين أنفسهم. أما ما يجب الأن فهو استخدام الدبلوماسية الفلسطينية بالشكل الأمثل لإغلاق هذه المسألة، والاستعداد بشكل تام لكل ما ينفي عنا سمعة الإرهاب أو التحريض والكراهية.
المسألة الثانية: ما يتعلق بدفع تكاليف زيارة أهالي الأسرى؛ هنا لابد من التهنئة الواجبة للأسرى وذويهم على نصرهم في قهر السجان وتحقيق مطالبهم العادلة، لكن بعيداً عن العاطفة لا أعتقد أن الوعي القانوني والسياسي للأسرى وهم من ضحى ويضحي بأرواحهم يقبل بإطالة عمر السجان وصبغ جرائمه بنوع من الشرعية.
قضية الأسرى بشكل كامل تحتاج إلى مراجعة قانونية وتفاوضية، مثل الطبيعة القانونية للأسرى، أماكن الاعتقال، الاعتقال الإداري، إطعام الأسرى وإعالة أسرهم بالإضافة إلى نقاط قانونية أخرى تم تجاهلها في الماضي ويجري تجاهلها حاليا.
ما دام الجانب الأمريكي والاحتلال يطالبان بقطع مخصصات ذوي الأسرى وأهالي الشهداء والجرحى ويتهمون القيادة الفلسطينية بتمويل الإرهاب؛ فلماذا يقبلون اليوم بدفع تكاليف الزيارات والكنتين وغيرها أم أنها تناسب حجتهم في إعفائهم من مسؤولياتهم القانونية.
وهذه القضية أيضا يجب على القائمين بالتفاوض والعاملين في قناة الدبلوماسية الأمنية انهائها سريعاً والبحث الجدي في تحرير الأسرى عاجلاً.
أخيراً؛ لابد من التذكير بأنه مع الوقت والشروع في العملية التفاوضية ستزداد شراسة الطرف المقابل لذا علينا أن نكون جاهزين بكل معنى الكلمة وبكل ما يحقق النصر والحرية لشعبنا.