لا تكشف العودة المفاجئة للحديث عن وقف النار وفتح مضيق هرمز واستئناف المفاوضات عن تحول حقيقي في سلوك نظام الملالي، بقدر ما تكشف حاجته إلى هدنة تمنع انتقال الضغوط الخارجية إلى انفجار داخلي. فالمبادرات التي تتحرك عبر باكستان وقطر وعُمان لا تأتي في لحظة استقرار، بل بعد مرحلة أظهرت أن النظام عاجز عن حسم المواجهة، كما أنه غير قادر على تحمل كلفتها الاقتصادية والسياسية إلى ما لا نهاية.
المقترح الذي تحدثت عنه صحف «آرمان امروز» و«شرق» و«دنياي اقتصاد» يقوم على وقف للهجمات لمدة عشرة أيام، وفتح مؤقت لمضيق هرمز، والعودة إلى مواقع ما قبل الثامن عشر من يوليو تمهيداً لإحياء التفاهم السابق. في الظاهر، يبدو الأمر مبادرة لخفض التصعيد. لكن دلالته الأعمق أن الطرفين يبحثان عن مخرج من مواجهة لم تحقق أهدافاً نهائية، بينما يحتاج نظام الملالي بصورة خاصة إلى وقت يعيد خلاله ترتيب أجهزته واحتواء تداعيات الحرب في الداخل.
ليس مصادفة أن تتزامن هذه التحركات مع انقسام واضح داخل مؤسسات الحكم. فتيار يدفع نحو التفاوض لتخفيف العقوبات وحماية ما تبقى من الاقتصاد، في حين تتمسك مراكز القوة المرتبطة بالحرس الإرهابي بخطاب التصعيد، لأنها بنت نفوذها وامتيازاتها على استمرار العداء والحروب الإقليمية. ولهذا يجمع الخطاب الرسمي بين قبول الوساطة والحديث عن «الجاهزية» و«الردع»؛ وهي لغة لا تعكس استراتيجية متماسكة، بل محاولة لتغطية التراجع ومنع ظهوره كعلامة ضعف أمام المجتمع.
كما أن مضيق هرمز ليس مجرد ورقة تفاوضية. فكلما استخدمه النظام أداة للابتزاز وتهديد الملاحة، دفع دول المنطقة والقوى الدولية إلى تسريع البحث عن ممرات بديلة وتقليص الاعتماد عليه. وبذلك تتحول الورقة التي يراها النظام مصدر قوة إلى عامل يستنزف قيمتها بمرور الوقت. إنه الأسلوب نفسه الذي اتبعه في ملفات أخرى: تعظيم الأزمة للحصول على مكاسب مؤقتة، ولو أدى ذلك إلى خسارة استراتيجية بعيدة المدى.
أما الحديث عن وساطة ناجحة أو اتفاق أكثر استدامة، فيتجاهل أن أصل الأزمة لم يكن غياب قناة اتصال، بل طبيعة النظام نفسه. فالسلطة تستخدم المفاوضات حين تحتاج إلى التنفس، ثم تعود إلى التصعيد عندما تشعر بأن الخطر الداخلي تراجع. لذلك لم تؤد الاتفاقات السابقة إلى سلام مستقر، لأنها عالجت النتائج ولم تمس المصدر الذي ينتج التوتر والتدخلات والتهديدات باستمرار.
القلق الحقيقي لدى النظام لا يتعلق فقط بحجم الضربات أو مصير العقوبات، بل باحتمال التقاء الانهيار الاقتصادي مع الغضب الشعبي واتساع نشاط وحدات المقاومة. فالمجتمع يرى أن ثرواته تُستهلك في الحروب والمشاريع العسكرية، بينما تتراجع معيشته وتزداد البطالة والانقطاعات والأزمات. ومن هنا تصبح أي هدنة خارجية محاولة لحرمان الاحتجاج الداخلي من ظرف سياسي أكثر تفجراً.
وتكشف المقاومة الإيرانية المنظمة هذا المعنى بوضوح: لا يمكن تحقيق استقرار دائم عبر منح النظام فرصة جديدة لإعادة بناء أدوات القمع والحرب. فالبديل الحقيقي ليس الاختيار بين القصف والمساومة، بل دعم إرادة الشعب ووحدات المقاومة لإحداث تغيير ديمقراطي من الداخل.
لهذا، فإن عودة الدبلوماسية لا تعني أن النظام أصبح أكثر اعتدالاً، بل أنه أصبح أكثر احتياجاً إلى الوقت. والسؤال الذي سيحدد مصير أي تفاهم جديد ليس كم يوماً ستصمد الهدنة، بل ما إذا كان المجتمع الإيراني سيمنح السلطة فرصة أخرى لشراء بقائها.