ليتها لا تكون كذلك!
ترى ما سرّ خلود الروائع!
لماذا نعود دائما للإبداعات الأدبية والسينمائية والفنية..؟
لو تأملنا في هذه الأغنية ربما نجيب..!
تعالوا واسمعوا، واسمعن، لنسمع ونتأمل..
كنا في صفوف الدراسة الثانوية وسنوات الجامعة مملوئين حماسا، وكنا نظن أننا قادرون على تحقيق الأمنيات وإنجاز ما نحلم به، في مجالات الحياة المختلفة الأكاديمية والسياسية والعاطفية وغيرها.
لكن اختبار الحياة ومعايشتها بشكل عملي وعن قرب جعلنا نحسّ بصعوبات التنفيذ، فكنا نكاد نستسلم لمشاعر الشباب الرومانسية في الوجدان قائلين لأنفسنا، إنما نحن مجرد حالمون . لذلك أحببنا الأغاني التي تتحدث عن انكسار الأحلام، والفراق، كما انسجمنا مع القصص والأفلام ذات النهايات الأليمة، لذلك استقبلنا أغنية محمد عبد الوهاب "من غير ليه" من زاوية هذه المشاعر، خصوصاً في حديث الأغنية عن القدر واختيارات الإنسان، وخوف الفراق..
ولم تكن فلسفة "من غير ليه" بعيدة عن فلسفة "الدنيا ريشة في هوا"
اللي بتسأل عن الحياة خدها كده زى ماهى
فيها ابتسامة و فيها ااه
فيها قاسية و حنية
ياما الحياة فيها
اللي بيشقيها
واللي بيرضيها
واللي يقاسيها
في مقتبل الحياة كنت كثيرا، ما أرى نفسي واقفا على المفارق، جمع مفرق، للاختيار، أكان الاختيار طوعا أو جبرا، في تفاصيل الحياة ومجملها، ما يتعلق بالتعليم والعمل والبيت والزواج، وما بين الأفكار والأيدلوجيات والعمل السياسي.
وعندما دخلنا الثلاثينيات، ظننا أن الحال تغيّر، لكنه استمر، واستمرت المفارق، وما زالت ونحن ننثني لوداع الأربعينيات. صحيح أنه خفّت لكنها لم تنته، ربما خفت بسبب العمر أو تغير الحياة نفسها، أو لأن ضغوط الحياة أصلا تسطو على الاختيارات..
لكن ظهور أمر مفاجئ كان يعيدنا إلى "الدنيا ريشة في هوا" .. فأترحم على سعد عبد الوهاب.
كنت أتذكر ما قاله الراحل عباس محمود العقاد حين قال : إننا مع القضاء والقدر حين نولد وحين نحب وحين نموت، لا شك أنها لعبة الأقدار والحظوظ، ولا تقل شئنا.. كما قال إبراهيم ناجي في كلماته الخالدة التي غنتها أم كلثوم.. لكن الحظ شاء.
وهكذا أرى نفسي أعود إلى تلك الأيام والمشاعر، حيث كنت أتغنى بكلمات أغنية "الدنيا ريشة في هوا" كلما أحسست بثقل الحياة، وجبرها لي على الاختيار، كنت قد عايشت إصدار محمد عبد الوهاب في آخر سنواته حين أصدر أغنيته الأخيرة من غير ليه، لكن لم أعايش "الدنيا ريشة في هوا" إلا من خلال الراديو والفيلم الذي غنى فيه سعد عبد الوهاب أغنيته الأشهر.
حين كبرنا قليلاً، وامتلكنا بعض الأشياء وحققنا بعض النجاح، كنا نحس إننا نختار وأننا أقوى،
مفاصل حياتنا، اختيار الدراسة، مكان الدراسة، العمل، الزواج، الإنجاب، إقامة بيت، الالتزام مع الأحزاب، الصداقة،... والحب، كل ذلك كان يتم عن طريق القدر.
قلت وأنا أستمع: لا يمكن أن نكون ريشة والدنيا..لكن أحببنا الأغنية!ّ
لينا الحب لينا
قبل الجراح ما تدق بابنا
جينا ومادين ايدينا
اللي يصيبنا اهو من نصيبنا
الدنيا بتلعب بينا ليه!
ايه راح ناخد من ده ايه!
ايه راح ناخد من ده إيه!
لقد عبّر الشاعر الغنائي مأمون الشناوي عما شعر به كإنسان، ولم يدر وقت كتابة الأغنية أنه يعبر عنا جميعا..
فما كنت أخطط له في أكثر ما خططت له، لم يؤتِ أكله كما ينبغي، ومعظم الأحداث التي وقعت في حياتي كانت صدفا ومفاجآت إلا ما هو قليل، لذلك فقد رحت أعيد النظر في نظريات الجبر والاختيار القدرية في التراث، ومذاهب الأدب، وكون الأديب والإنسان انعكاس لمجتمعه أو غير ذلك...كنا شبابا ونميل إلى فكرة التأثير والإرادة..الآن خفّ ذلك قليلا أو ما هو أكثر..شخصيا وموضوعيا عما نعيشه من قضية معقدة..وعما نعيشه نحن والعرب..وربما يتجلى ذلك في أفكارنا تجاه الحياة والإصلاح والنهوض، وكل في مجال عمله واهتمامه..التعليم والثقافة والفنون والفكر والزراعة..!
الدنيا ريشة في هوا، ما هي الريشة ؟ إنها شيء صغير خفيف الوزن تطير في الهواء، أو قل يطيرها الهواء، وهكذا طيرتنا الدنيا، وذهبت بنا كل مذهب، وقد كنا نحسب أننا نختار، فإذا بنا مجبرون على الاختيار.
إنها أجمل أغنية عبرت عن أجيال وليس فقط عن جيل واحد، فمشاعر الشباب في الخمسينات والستينات ليست ببعيدة عن مشاعرنا في الثمانينات والتسعينات والقرن الجديد...
فرديا وجماعيا، ما زالت أحلامنا على حالها، في الوحدة وتحرير فلسطين( وإن صرنا واقعيا نتمنى حلّ القضية)، والتنمية والعدالة الاجتماعية والحرية. وما زالت أحلام الأجيال الجديدة قريبة من امتلاك عمل وبيت وحب.. فلم تتحقق الأشياء الكبيرة، ولا الصغيرة.
الدنيا ريشة في هوا، طايرة بدون جناحين، إحنا النهاردة هنا، وبكرة حنكون فين في الدنيا... فى الدنيا.. فى الدنيا..
كلمات جميلة معبرة تستحق أن نعيد الاستماع لها..
لقد رافقتنا الأغنية وسترافقنا حتى النهايات، مهما كبرنا وحققنا من منجزات، ومهما بلغت مناصبنا، ستظل نكتشف ضعف الإنسان وأحلامه المستمره، وتتوقنا للانفلات من الحظ والصدفة والقدر. ولا شك أنها سترافق الجيل الجديد..والذي سيبدأ حياته بالأماني الكبيرة والشعور بالقدرة على تحقيقها..
الدنيا تدور مهما تدور
ماهي بتدور سواقينا
في عطشنا
في اللمنا
مبتنساش تداوينا
الدنيا ريشة في هوا أغنية إنسانية ذات سمة صوفية ووجودية تعلم الإنسان حجمه الحقيقي، وتدعوه ألا يحس بالغرور، وأنه سيظل يتحرك في دائرة القضاء والقدر.. وأنه مهما بلغ من قوة، سيظل ريشة يطيرها الهواء، وإن لم يكن ريشة فقد يكون أثقل قليلا!
ترى ما سرّ خلود الروائع!
ربما لأن الإنسان هو هو، وربما من قاس الغائب على الحاضر في التراث، وربما من انشغل طويلا بالمذاهب الأدبية التي أخذت مداها في الأيديولوجيات..
مشاعر ترد على الخاطر..كلما وقفنا على المفارق لنختار..
لماذا على الإنسان دوما أن يظل متعرضا للاختيارات..!
والاختبارات؟
وهل هذا هنا وهناك؟ لدى الشعوب الأخرى بالقدر نفسه؟
لكننا متسلحين ببعض الأمل، حاولنا وما زلنا نحاول أن لا نكون الريشة..