الأحزاب الصهيونية تقوم بتدمير واقع منذ عام 1948 لفرض واقع يتوافق وسلوك الإبادة والتطهير العرقي

الديمقراطية في مواجهة صُنّاع التوحش ترامب ونتنياهو بين هزيمة المشروع وتقويض الديمقراطية

الديمقراطية في مواجهة صُنّاع التوحش  ترامب ونتنياهو بين هزيمة المشروع وتقويض الديمقراطية

تاريخ النشر: 2026-11-05 | 14:35

م. تيسير محيسن
م. تيسير محيسن

في النقاش الدائر حول نتائج الانتخابات الأمريكية والتحولات في المشهد السياسي الإسرائيلي، ثمة ميل إلى التعامل مع تراجع موقع ترامب ونتنياهو باعتباره مؤشرا على هزيمة سياسية محتملة للثنائي البغيض، أو بداية انحسار الشعبوية اليمينية والتطرف الصهيوني. وتذهب بعض القراءات إلى أن الرجلين قد يلجآن إلى التصعيد الخارجي لتعويض خسائرهما الداخلية والهروب من استحقاقات سياسية باتت تضيق عليهما. هذه القراءة، على أهميتها، تظل أسيرة الأشخاص وتكتيكاتهم السياسية، ولا تنفذ بما يكفي إلى طبيعة الظاهرة التي يمثلونها. فنحن لا نواجه مجرد رئيس أمريكي متهور ورئيس حكومة إسرائيلية متطرفة، بل تعبيرين سياسيين عن تحولات عميقة في بنية الرأسمالية المعاصرة، وفي طبيعة المشروع الصهيوني، وفي أزمة الديمقراطية الليبرالية ذاتها. فلو لم يكن ترامب، لربما أنتج النظام الأمريكي شخصية أخرى تحمل ملامح أكثر أو أقل تطرفا، ولو لم يكن نتنياهو، لوجدت الصهيونية السياسية من يمثل انتقالها نحو مزيد من العنصرية والاستيطان والتوسع والإبادة.

 

إن عدوانية الرجلين ليست انحرافا شخصيا عن طبيعة النظامين بقدر ما هي تعبير عن مسارين تاريخيين يتقاطعان عند نقطة أساسية؛ رأسمالية متوحشة تتخلى تدريجيا عن قيودها الاجتماعية والسياسية، وصهيونية استعمارية تكشف الحرب على غزة عن طبيعتها الإبادية، وعن عجزها عن التعايش مع وجود فلسطيني يمتلك إرادة البقاء والحقوق الوطنية. ومن هذه الزاوية، فإن اختزال الأزمة في شخصيتي ترامب ونتنياهو يحجب القوى والمصالح والبنى التي أنتجتهما، ويجعل التغيير السياسي مرهونا برحيلهما، دون أن يمس بالضرورة شروط إعادة إنتاج الظاهرة.

 

الديمقراطية بوصفها ساحة التناقض

من هذه الزاوية، أفضل استخدام مقولة "الديمقراطية" كمقولة تحليلية لفهم ما يجري وما يمكن أن يحدث تاليا. فالديمقراطية التي أتاحت صعود ترامب ونتنياهو ومنحتهما شرعية انتخابية، هي ذاتها التي تتيح ظهور قوى اجتماعية وسياسية تنازعهما السلطة والشرعية. في الولايات المتحدة، تكشف نتائج الانتخابات عن قدرة قطاعات واسعة من المجتمع على مقاومة الشعبوية اليمينية وإعادة إنتاج توازنات سياسية تحد من سلطة ترامب. وفي إسرائيل، تكشف المشاركة السياسية العربية وتنامي الأصوات المناهضة للحكومة وسياساتها عن تناقض متزايد بين قطاعات من المجتمع الإسرائيلي وتوجهات الائتلاف الحاكم، وعن وجود قوى لا تقبل اختزال مستقبل الدولة في المشروع اليميني الصهيوني.

 

لكن الديمقراطية لا تعمل في فراغ، ولا تعني بالضرورة انتصار القيم الإنسانية أو العدالة أو المساواة. إنها تعكس، في أحد وجوهها، موازين القوى الاجتماعية والسياسية، وقد تتحول إلى أداة لإنتاج الهيمنة وإعادة إنتاجها، تماما كما يمكن أن تصبح ساحة لمقاومتها. فصناديق الاقتراع ليست ضمانة كافية لمنع العنصرية والتطرف، كما أن حصول قوى اليمين المتطرف على شرعية انتخابية لا يمنحها تفويضا مفتوحا لتقويض المؤسسات والتعددية وحقوق الآخرين.

 

بين انتصار الديمقراطية وإلغائها

ثمة سؤال يفرض نفسه، هل "الديمقراطية" قادرة على تصحيح المسار الذي أسهمت في إنتاجه، أم أن القوى التي استفادت من آلياتها ستعمل على تقويضها عندما تصبح مهددة بفقدان السلطة. نحن أمام احتمالين تاريخيين متعارضين. يتمثل الأول في نجاح الديمقراطية في الدفاع عن نفسها، وتمكن القوى الاجتماعية والسياسية المناهضة للشعبوية والعنصرية والتطرف من تحويل اعتراضها إلى قوة سياسية منظمة، قادرة على استعادة المؤسسات وتقييد السلطة وإعادة الاعتبار للتعددية والمساءلة وسيادة القانون. وفي هذه الحالة، لن تكون هزيمة ترامب ونتنياهو مجرد خسارة انتخابية أو مغادرة للسلطة، بل بداية مسار أوسع لمواجهة المصالح الاقتصادية والسياسية والاستعمارية التي تغذي مشروعيهما، وتفكيك البيئة التي أنتجتهما، وإعادة بناء قواعد ديمقراطية تحول دون إعادة إنتاجهما بأشكال جديدة.

 

أما الاحتمال الثاني، فيتمثل في أن تدرك القوى اليمينية المتطرفة أن استمرارها في السلطة لم يعد مضمونا عبر المنافسة الديمقراطية، فتعمل على تغيير قواعد اللعبة ذاتها. وعندها لن يكون المطلوب بالضرورة إلغاء الانتخابات بصورة مباشرة، وإنما إفراغها من مضمونها، وتقويض استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية، وتسييس أجهزة الدولة، ونزع الشرعية عن الخصوم، وتحويل الاختلاف السياسي إلى تهديد وجودي للأمة والدولة، وتغذية العنصرية والانقسام المجتمعي، وصولا إلى توظيف العنف السياسي أو الدفع نحو صدامات أهلية تعيد تشكيل المجال السياسي وتبرر فرض سلطات استثنائية.

 

إن أخطر ما في هذا المسار أنه قد يجري باسم الديمقراطية نفسها، وباستخدام أدواتها وإجراءاتها القانونية. فالشعبوية اليمينية لا تحتاج دائما إلى إلغاء الانتخابات، بل قد تكتفي بتحويلها إلى آلية شكلية لتجديد شرعية سلطة تحتكر تعريف الوطنية، وتحدد من يستحق المواطنة ومن يمثل خطرا على الدولة، ومن يحق له المشاركة ومن ينبغي إقصاؤه. وهكذا تتحول الديمقراطية من نظام لإدارة الاختلاف وتداول السلطة إلى أداة لإنتاج الإقصاء والهيمنة. وبذلك يصبح الصراع الحقيقي حول مضمون الديمقراطية وحدودها، وحول ما إذا كانت ستظل إطارا للتعددية والمواطنة المتساوية وتداول السلطة، أم ستتحول إلى غطاء لسلطة شعبوية وعنصرية تحتكر الدولة والمجتمع.

 

خصوصية التناقض في الولايات المتحدة وإسرائيل

يتخذ هذا التناقض أشكالا مختلفة في الحالتين الأمريكية والإسرائيلية. ففي الولايات المتحدة، تجري المواجهة بين الديمقراطية والشعبوية اليمينية داخل نظام رأسمالي يمتلك تقاليد مؤسسية عريقة، لكنه يشهد استقطابا اجتماعيا وسياسيا حادا، وتفاوتا اقتصاديا متزايدا، وتراجعا في الثقة بالمؤسسات، وصعودا لتيارات ترى في التعددية والرقابة المؤسسية عوائق أمام ممارسة السلطة. ولذلك فإن خسارة ترامب الانتخابية، حتى إن تحولت إلى هزيمة سياسية متراكمة، لن تعني تلقائيا نهاية الترامبية التي أصبحت ظاهرة سياسية واجتماعية تتجاوز شخصه.

 

أما في إسرائيل، فالتناقض أكثر عمقا وتعقيدا، لأن الديمقراطية الإسرائيلية التي طالما جرى تقديمها باعتبارها ديمقراطية متقدمة في محيطها، قامت تاريخيا على تناقض جوهري بين المساواة المفترضة داخل المجتمع اليهودي، وبين بنية الدولة الاستعمارية الاستيطانية القائمة على الامتياز القومي والتمييز بحق الفلسطينيين. ولذلك فإن الصوت العربي الذي يشارك في الانتخابات ويطالب بالمساواة والحقوق لا يمثل مجرد إضافة عددية إلى التوازنات البرلمانية، بل يضع الصهيونية أمام تناقضها التأسيسي: كيف يمكن لدولة تعرف نفسها بوصفها دولة يهودية أن تستوعب مواطنة فلسطينية كاملة ومتساوية دون أن تتخلى عن بنيتها التمييزية؟

 

ومن ثم، فإن التحدي الذي يمثله هذا الصوت لا يقتصر على إضعاف ائتلاف نتنياهو أو تغيير موازين القوى البرلمانية، بل يتصل بالسؤال عن طبيعة الدولة ذاتها، وحدود ديمقراطيتها، وإمكانية التوفيق بين المواطنة المتساوية والبنية الصهيونية القائمة على الامتياز القومي. والأمر نفسه ينطبق على نتنياهو؛ فالمسألة لا تتعلق بمستقبله الشخصي وحده، بل بمشروع سياسي ومجتمعي اتجهت إليه قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، وتغذيه منظومة الاستيطان والعسكرة والعنصرية، وتدعمه مصالح اقتصادية وسياسية وأمنية. ومن ثم، فإن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير المشروع، كما أن سقوط الائتلاف اليميني لا يعني تفكيك البنية التي أنتجته.

 

من هزيمة الأشخاص إلى هزيمة البنية

إن قراءة هذه التحولات تقتضي التمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة، كثيرا ما يجري الخلط بينها في تقييم الأزمات السياسية والانتخابية: المستوى الأول هو هزيمة الشخص، أي خسارة ترامب أو نتنياهو السلطة أو الانتخابات، أو تراجع قدرتهما على المناورة السياسية. وهذا المستوى هو الأكثر وضوحا وسرعة في الظهور، لكنه لا يعني بالضرورة تغيرا في طبيعة السياسات أو المصالح التي يمثلها الحاكمان. والمستوى الثاني هو هزيمة المشروع، أي تراجع الشعبوية اليمينية ومشروعها السياسي في الولايات المتحدة، وانحسار التطرف الصهيوني الاستيطاني والعنصري في إسرائيل. وهذا يتطلب تفكيك التحالفات والمصالح والبيئة الاجتماعية والسياسية التي تمنح هذه المشاريع قوتها، وليس مجرد استبدال قياداتها بأخرى. أما المستوى الثالث والأعمق فهو هزيمة البنية، أي تغيير الشروط الاقتصادية والسياسية والمؤسسية والتاريخية التي تسمح بإعادة إنتاج المشروع نفسه، حتى بعد سقوط رموزه أو تراجع نفوذه. فالرأسمالية الأمريكية لن تتخلى عن نزعتها الإمبريالية لمجرد تقييد حرية ترامب في اتخاذ القرارات. والصهيونية لن تتخلى عن طبيعتها الإبادية بمجرد رحيل نتنياهو. وما لم تتغير موازين القوى والمصالح والبنى التي تنتج هذه السياسات، فإن البدائل قد تكون نسخا أخرى من الظاهرة ذاتها.

 

في ظل هذه المعادلة، يرجح أن يلجأ ترامب ونتنياهو إلى مزيج من المناورة الداخلية والتصعيد الخارجي، كلما ضاقت أمامهما هوامش الحركة السياسية. فقد يجد ترامب في استعراض القوة الأمريكية وتوسيع نطاق الضغوط والمواجهات الخارجية وسيلة لاستعادة صورة القيادة القادرة على فرض الإرادة الأمريكية، وتعويض تراجع نفوذه الداخلي، بينما قد يرى نتنياهو في استمرار الحرب والتوتر الإقليمي فرصة لتأجيل استحقاقاته السياسية، وإعادة إنتاج الحاجة إلى قيادته، وإبقاء المجتمع الإسرائيلي في حالة تعبئة أمنية دائمة. غير أن تصدير الأزمة إلى الخارج، عبر استمرار الحروب أو توسيعها، لا يشكل مخرجا حقيقيا من مأزق الرجلين، ولا يعالج أزمتهما البنيوية؛ بل قد يوفر لهما فسحة مؤقتة لإدارة تناقضاتهما الداخلية، على حساب تعميق الأزمات الإقليمية ورفع كلفة المواجهة. فالحرب قد تؤجل لحظة المساءلة، لكنها لا تلغي أسبابها، وقد تتحول، إذا خرجت عن السيطرة أو فشلت في تحقيق أهدافها، إلى عامل إضافي في إضعافهما وتسريع أزمتهما. لذلك، فإن التصعيد الخارجي يظل احتمالا مرجحا في حساباتهما، لكنه ليس ضمانة للنجاة السياسية، مثلما أن تراجعهما الداخلي لا يعني بالضرورة انحسار المشروعين اللذين يمثلانهما.

 

 

 

×
أخبار
بالتنسيق مع توني بلير.. هرتسوغ يبحث إحياء خطط إعادة إعمار غزة وإدخال لجنة التكنوقراط مسؤولون أمريكيون يضغطون على ترامب لشن ضربات واسعة ضد إيران وإنهاء الحرب الأمن الأردني يكشف تفاصيل العمل الإرهابي في عمّان..ومقتل أحد عناصره الدون رونالدو يعلن الاعتزال الدولي بعد 234 مباراة بعد الهزيمة الانتخابية.. جمهوريون يصرخون: "اطردوا ترامب من الحزب" "بلاغات القنابل" تربك حركة الطيران في أوروبا..هبوط اضراري وتحويل مسارات مدفيديف: نتائج انتخابات أمريكا لا تؤثر على المصالح الروسية و س ج: السعودية تتواصل مع الحوثيين لوقف الهجمات والجماعة تشترط 51 مليار دولار في فلسطين التاريخية...دولتان و"حكم ذاتي"! بعد الهزيمة الساحقة.. تايم تضع ملصق "لقد صوّت" على فم ترامب في غلافها رويترز: الدعم الأمريكي لإسرائيل تحت المجهر بعد فوز الديمقراطيين الحرس الثوري: اندلاع حرائق في ناقلتين وقاطرة بحرية بمضيق هرمز تحذير فريد..مؤرخ: "أمريكا قد ننتظر إلى إسرائيل كدولة معادية في ظل حكم الديمقراطيين" أ ب: قادة عالميين مرتاحون بحذر إزاء الهزيمة الساحقة التي مُني بها الجمهوريون في انتخابات أمريكا استطلاع يرصد تراجع صورة إسرائيل عالميا.. ولا ثقة مطلقا بنتنياهو تقرير: صراع محتدم داخل اليمين الأمريكي حول حرب إيران والسياسة الخارجية استراتيجية «التحوط» الإيرانية.. دبلوماسية إقليمية رفيعة المستوى توازيها استنهاض للقدرات الصاروخية ترامب يحذر الديمقراطيين: إذا حاولتم عزلي سيلحق بكم الدمار والت: مقاربة كوشنر وويتكوف القائمة على "الصفقات العقارية" تفشل في حل الأزمات الدولية عبري: هزة في الموساد بعد إطاحة غوفمان برئيس قسم "قيصرية" أثر خلافات حادة سي بي إس: ترامب يدرس إقالة وزير الحرب هيغسيث على وقع هزيمة انتخابات الكونغرس خلال زيارة الشرع.. توقيع اتفاقية تعاون دفاعية بين سوريا والسعودية فضيحة «فونزي»: أزمة صناديق الاستثمار بـ 20 مليار دولار تهز تركيا والحكومة تحت الضغط إحاطة عسكرية: خيارات التصعيد الأمريكي ضد إيران وتداعياتها الإقليمية فانس يكشف أسباب الهزيمة الجمهورية: الحرب، الاقتصاد، وإعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل هرتسوغ يبدأ مشاورات تشكيل الحكومة وسط أزمة برلمانية وتحذيرات قضائية من التشكيك بنتائج الانتخابات مسؤولون أمنيون وقضائيون سابقون ينتقدون مطالبة زيني بالتحقيق مع قادة أحزاب عربية قرقاش: الأمن الجماعي الخليجي أثبت "خواءه" خلال الأزمة.. وإيران عبرت خطاً تاريخياً باستهداف جيرانها أيمن عودة: "تصويت العرب أفقدهم صوابهم... هذه ملاحقة سياسية" «ألمانيا تعيد التسلّح».. قراءة في تحولات برلين الاستراتيجية ونهاية أوهام الأمن الأوروبي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط