تاريخ النشر: 2018-01-19 | 12:12
تاريخ النشر: 2018-01-19 | 12:12
أمد/غزة: اغتيل محمود المبحوح وهو أحد أعضاء كتائب عز الدين القسام في 19 يناير 2010, بفندق في مدينة دبي عن عمر يناهز الـ50 عاما, بصعقةٍ كهربائيةٍ داخل غرفته ومن ثم جرى خنقه حتى لفظ أنفاسه دون أن تظهر أي اصابات على جسده، لكن تشريح الجثة كشف عن آثار للسم في جسده
المبحوح الذي وصف بـ "شخصية قيادية عسكرية"، عاش لسنواتٍ طوال في العاصمة السورية "دمشق", اتهمته اسرائيل بشكلٍ رئيسي بتهريب الصواريخ إلى حماس في قطاع غزة وأنه كان عنصرا استراتيجيا بالنسبة للحركة فيما يتعلق بالتسليح من إيران، حيث تتهم إيران بتزويد حماس بالأسلحة بحرا وبرا من خلال السودان ومصر.
كان المبحوح "المطلوب الأول للجيش الإسرائيلي" وحاول الموساد اغتياله, اتهمه الاحتلال الإسرائيلي بوقوفه وراء تهريب صواريخ ووسائل قتالية أخرى من إيران إلى قطاع غزة، زاعمة أن شاحنة السلاح التي قصفها الطيران الإسرائيلي في السودان قبل نحو عام، كان هو من يقف خلفها، على اعتبار أنها كانت تتجه لغزة. كما ساهم في تشكيل كتائب عز الدين القسام، وأسر وقتل جنديين إسرائيليين.
ليست هذه أول مرة يتم فيها تعقب المبحوح, فقبل ذلك ببضعة أشهر جاءوا للتحقق من أن الحديث عن الشخص الذي يبحثون عنه وكي يدرسوا تحركاته, ابلغ الفريق الذي أُرسل إلى دبي انه قد جرى التعرف على "شاشة البلازما" والتيقن بأنه محمود المبحوح, بعد ذلك بأشهر كما تزعم شرطة دبي، وقعت محاولة اغتيال المبحوح الأولى, فبحسب عرض داخلي أعدته شرطة دبي، زار تسعة اشخاص رُبطت جوازاتهم بعملية الاغتيال دبي على نحو مركز بين السادس والثامن من نوفمبر/تشرين الثاني 2009.
تعقب ذلك الفريق المبحوح وحاول اغتياله بإدخال سُم في جسمه, وما زال من غير الواضح كيف نُفذت هذه المحاولة الأولى, وبحسل تخمينات شرطة دبي أن السم أُدخل في شراب قُدم اليه أو بطريق مس قطعة اثاث في حجرته. كان يفترض ان يتغلغل السُم في دم المبحوح وان يقتله في ساعات معدودة. يعتقدون في شرطة دبي ان اختيار طريقة العمل هذه ينبع من الرغبة في تنفيذ "اغتيال هادئ"، يتبين بعد أن يكون المغتالون خارج الدولة بكثير. أما "الاغتيال الضاج" بتفجير أو بنار قناص فسيفضي فورا إلى اغلاق المطارات والموانئ ومطاردة واسعة للمغتالين.
تبين بعد ذلك ان المبحوح مرض حقا في تشرين الثاني. يصف أخوه انه شعر في ذلك الوقت انه ليس على ما يرام بل فقد وعيه ساعات طويلة. لم يتابع مخططاته كالعادة بل عاد إلى دمشق حيث التقى طبيبه الذي شخص غيبوبته العجيبة باعتبارها "مرض القُبلة". تلقى المبحوح التشخيص ولم يفسر الحادثة بأنها محاولة اغتيال. وتقدر شرطة دبي ان محاولة الاغتيال الهادئة بغير اتصال مباشر بالهدف جعلت الفريق يُغير خطة العملية بأن تكون "اغتيالا هادئا" لكن من قريب وان تشتمل على "تأكد من القتل"، كي تطفأ "شاشة البلازما" نهائيا هذه المرة.
وصل المبحوح يوم اغتياله إلى دبي قادما من دمشق بجواز سفر عراقي أو فلسطيني مزور باسم محمود عبد الرؤوف محمد حسن، وكان ينتقل من دولة إلى دولة تحت غطاء تاجر دولي ونزل فندق البستان روتانا ثم ذهب لحضور اجتماع في القنصلية الإيرانية, وعاد بعده إلى غرفته حيث كمن له القتلة وصعقوه الكهرباء وحقنوه سما قبل أن يخنقوه بالوسادة ليلقى حتفه, قام الجناة بعدها بترتيب الغرفة لتظهر الوفاة كما لو كانت طبيعية ومن ثم غادروا دبي متوجهين لمدن أوروبية وآسيوية.
أعلنت حماس يوم 20 يناير 2010 أن المبحوح توفي نتيجة مرض عضال , ولم يعلن أي من أطراف القضية سواء حماس أو شرطة دبي أو الموساد أن الوفاة ناجمة عن اغتيال, حتى وجهت حماس بعد عشرة أيام من وفاته اتهاما للموساد باغتياله في دبي, استنادا إلى معلومات من شرطة الامارة قالت فيها أن أوربيين كانوا خلف جريمة الاغتيال.
يوم الـ 18 من يناير 2010, قدم 27 شخص في رحلات جوية من ست دول مختلفة في أوروبا يحملون جوازات سفر غربية (12 منهم بريطانيون و6 أيرلنديون و4 أستراليون و4 فرنسيون و1 ألماني) واجتازوا التفتيشات بسهولة.
هبط ثلاثة منهم في ساعات الصباح و"تقاطر" الباقون حتى ساعات الليل في جماعات صغيرة تبلغ الواحدة ستة اشخاص. انتظر الأشخاص الـ 27 شخصا واحدا. كانوا يسمونه باسمه الشيفري "شاشة البلازما"، والمقصود هو الضحية المبحوح.
طوال ساعات الصباح وصل اعضاء الفريق الـ 24 دبي، والثلاثة الآخرون هم قادة العملية. في الساعة 2:09 بعد منتصف الليل هبط اثنان منهم: "غيل بوليرد" و"واين دابرون". وسافرا إلى فندقيهما وسُجلا في الاستقبال. طُلب اليهما أن يبرزا جواز سفر أثناء التسجيل وبطاقة الاعتماد لتغطية نفقات الغرفة. وجد كلاهما تعليلا ما للدفع نقدا.
بعد عشرين دقيقة من هبوطهم، هبط في دبي أيضا من هو في تقدير الشرطة المحلية قائد العملية الميداني: "بيتر الفنغر".
في الحال بعد أن اجتاز فحص جوازات السفر قام بما يسمى باللغة المهنية "مسارا" وهو حيلة للكشف عن التعقب وبلبلة المتعقِب. يبدو "المسار" الذي يقوم به "بيتر" كمأخوذ من دورة في مدرسة للتجسس: فهو يخرج من باب المطار ويقف وينتظر ثلاث دقائق وينقلب على عقبيه ويعود من الباب نفسه للقاء مخطط له سلفا مع رجل آخر من الفريق جاء قبل ذلك في سيارة. استمر الحديث بينهما أقل من دقيقة وغادرا في اتجاهين مختلفين. سافر بيتر في سيارة أجرة إلى فندقه. 27 شخصا ينتظرون على اهبة الاستعداد قدوم "شاشة البلازما".
يوم الثلاثاء 19 يناير 2010.. في الواحدة والنصف ظهرا ترك "كواين دابرون" منفذ "المسار" الحجرة في فندقه وبعد ذلك بربع ساعة دخل فندقا ثاني. دخل كواين المرحاض أصلع وخرج منه مع باروكة. ثم سببان لتنفيذ "المسار": الأول التحقق من أن أحدا لا يتعقبه؛ والثاني تبديل الشخصيات بين المراحل المختلفة في العملية (التنكر في هذه الحالة).
ينتقل كواين في تنكره الجديد من "الفندق الثاني" إلى فندق ثالث. يجلس وينتظر اثنين آخرين من اعضاء الفريق يلتقيان به هناك. تم في هذا الفندق اللقاء الثاني مع اعضاء الفريق المتقدمين في حين كانوا ينتظرون ظهور "شاشة البلازما".
في تلك الأثناء انتظروا الساعة الثالثة. اعضاء الفريق يعلمون ان "شاشة البلازما" في الرحلة الجوية لكنهم لا يعلمون أي فندق يختار النزول فيه. هذه معلومة حاسمة من اجل العملية بطبيعة الأمر لان كل فندق تختلف حراسته عن الآخر وطرق الهرب منه مختلفة.
هبط المبحوح في نهاية الامر، وفي الساعة 15:35 وقع الجواب عن السؤال الحاسم "في أي فندق سينزل" فـ "شاشة البلازما" ينزل في فندق البستان روتانا. يتلقى اعضاء الفريق الموزعون على الفنادق الأخرى النبأ ويغادرون. دخل اثنان من أفراد الفريق انتظرا في فندق البستان يلبسان ملابس تنس المصعد وراءه كي يفحصا في أي طبقة ينزل وأي غرفة يدخل. صورت عدسة تصوير واحدا منهما يمر به في الممر ويفحص عن رقم الغرفة 230 ويعود إلى المصعد.
في تلك الأثناء نفذت "غيل بوليرد" أيضا "مسارا". تترك الفندق الذي أمضت فيه الليلة وتذهب إلى "الفندق الثاني"، تدخل نفس المراحيض وتُبدل باروكة ازاء عدسة التصوير نفسها مثل "كواين". ومن هناك تمضي إلى "فندق الثالث" حيث تلتقي كواين وبيتر وآخرين من اعضاء الفريق.
في نفس اليوم الساعة 16.10 بعد الظهر, بعد أن أبلغ لاعبي التنس ان المبحوح موجود في الغرفة 230 ترك القائد بيتر الفندق الثالث وانتقل إلى فندق مجاور نفذ منه مكالمتين هاتفيتين الأولى إلى فندق البستان كي يحجز على الخصوص غرفة قريبة من ممر المبحوح (237). والمكالمة الثانية ليحجز رحلة جوية إلى ميونيخ عن طريق قطر.
بعد الساعة الرابعة بقليل يوزع اللقاء في الفندق الثالث ويسافر جميع الحاضرين في سيارات أجرة إلى فندق البستان. كان "شاشة البلازما" قد خرج في تلك الأثناء إلى مجمع تجاري قريب وسجل فريق التعقب التفاصيل عن السيارة التي ركبها.
خرج المبحوح من المجمع التجاري إلى سلسلة لقاءات في المدينة. تقول جهات خبيرة بالقضية أنه تمت هذه اللقاءات مع أناس اتصال محليين ومصرفي ساعدوا المبحوح على نقل الأموال الدولية التي أدارها.
في الساعة 16:45 ينزل كواين في الغرفة 237 مع المعدات التي كانت كما يبدو في حقيبة بيتر وبعد ذلك بدقائق معدودة تأتي "غيل" التي تصعد نحو الغرفة مباشرة. بعد ذلك بنصف ساعة تصور آلة التصوير مقاتلا آخر ينضم إلى كواين وغيل. ولسبب غير واضح دخل ردهة الفندق أصلع يلبس قبعة وبدأ بعد ذلك فورا وهو يصعد نحو الغرفة وعلى رأسه باروكة.
في 18:30 دخل رجلان الفندق. وكانوا جميعا مع قبعات بيس بول تخفي وجوههم وجميعهم يحملون الحقائب. تشك شرطة دبي بأنهم هم الأشخاص الذين نفذوا الاغتيال بالفعل برغم أن من المحتمل افتراض ان واحدا منهم على الاقل كان خبيرا باختراق الأبواب. توجهوا مباشرة إلى المصاعد وارتفعوا نحو الغرفة 237. في تلك الأثناء تبدلت فرق التعقب، وفي 18:43 بعد اربع ساعات من ظهور لاعبي التنس في ردهة الفندق لاول مرة غادروا الردهة آخر الامر.
في 19:30 غادر بيتر دبي وقد انتهى دوره في العملية. ومنذ تلك اللحظة تولى كواين وغيل زمام الامور.
الساعة 20 مساء.. تحل ساعات المساء وما يزال المبحوح في لقاءاته خارج فندق البستان، وفي الساعة 20:00 بدأت مرحلة التطبيق من العملية. خرج كواين وغيل من الغرفة 237 ينظران في الرواق. تقدم واحد من اربعة اعضاء الفريق الذين تخلفوا نحو باب غرفة المبحوح. تشهد تسجيلات النظام الإلكتروني في الفندق بأنه قد تم في هذه الساعة عملية اختراقية ما للقفل الإلكتروني للغرفة 230 للتمكين من دخول الغرفة بمساعدة المفتاح الإلكتروني الذي كان في أيدي فريق الاغتيال. تُمكن هذه العملية من دخول الغرفة والخروج منها من غير اختراق للقفل حقا. ولم تترك على باب المبحوح علامات خارجية. يتأهب الجميع للحظة فقد دخل سائح غافل الطبقة وتوجه نحو الرواق. توجه كواين اليه فورا وشغله بمحادثة سخيفة في حين كان فريق اختراق الغرفة يعمل.
في 20:24 عاد المبحوح إلى الفندق ودخل غرفته مباشرة وهناك في الداخل التقى فريق الاغتيال. غيل وكواين يروحان ويجيئان في الرواق ازاء عدسات التصوير للتحقق من أن الرواق فارغ. استمرت العملية كلها نحوا من عشرين دقيقة خرج بعدها اربعة اعضاء فريق الاغتيال (بدلوا بينهم لسبب ما القبعات) وغادروا الفندق. وتركوا باب غرفة المبحوح مغلقا من الداخل بقفل وسلسلة.
20 يناير 2010 في الصباح.. بعد محاولات مكررة من عاملة الفندق لدخول الغرفة لتنظيفها استدعت افرادالحراسة. اخترق الباب وظهرت جثة "شاشة البلازما" على السرير وهو يلبس سراويل سوداء قصيرة فقط. لم يُعرف في البدء (بسبب جوازه المزور) وظهر في البدء ان سبب الموت طبيعي. بعد ذلك بعشرة ايام بدأ الحديث عن اغتيال وبدأ التحقيق.