في يوم الثلاثاء 14 أيلول (سبتمبر) عام 1982م, سمع دوي انفجار هائل في بيروت الشرقية, إذ انفجرت شحنة من الـ "تي. أن. تي" موصولة بجهاز تفجير ياباني الصُنع ومسيّر عن بُعد, وضعت في مقر حزب الكتائب اللبنانية, وأسفر الانفجار عن مقتل الرئيس اللبناني بشير الجميّل, الذي انتخب قبل ثلاثة أسابيع فقط, هو وعدد من كبار قادة الكتائب بينما كانوا يعقدون اجتماعهم الأسبوعي للحزب.
كان اغتيال بشير ضربة مُوجعة لإسرائيل, فالجميل كان العدو اللدود للفلسطينيين, فهو لم يتردد مثلاً, في القول أثناء مقابلة أجرتها معه إحدى المجلات الفرنسية قبل انتخابه, "في الشرق الأدنى شعب زائد, هو الشعب الفلسطيني", بينما كان خصومه يعتبرونه الرئيس الذي حملته الحراب الإسرائيلية إلى السلطة". لقد كان بشير الجميّل يتعاون بالفعل مع إسرائيل منذ بداية الحرب الأهلية في لبنان, لكن ذلك التعاون ظهر إلى العلن عندما اندلعت الحرب الفلسطينية – الإسرائيلية, وكان بيغن وشارون يعتبران بشير الرجل الذي سيوقع على معاهدة سلام مع إسرائيل.
كان انتخاب بشير الجميّل أول انتصار سياسي وصريح لشارون في حربه بلبنان, إلاّ أن ذلك النصر لم يدم طويلاً, إذ سرعان ما اغتيل ذلك العميل, دون أن يقدم لإسرائيل شيئاً مما كان وعد بتقديمه, وإزاء ذلك لم يجد شارون أمامه سوى استخدام العنف لتحقيق أهدافه التي لم تتحقق بعد من غزو لبنان. وصل نبأ الاعتداء علي بشير الجميل إلى مكتب الجنرال شارون بعد وقت قليل من حدوثه, وقرر شارون فوراً انتهاز الفرصة ليدخل إلى بيروت الغربية, فقد كان احتلال القسم الغربي من بيروت أمنيته منذ بداية الحرب, وحسب الخطة الموضوعة أصلاً, كان على القوات الكتائبية أن تدخل إلى بيروت الغربية في نهاية الأسبوع الأول من الحرب, عندما تكون إسرائيل قد وصلت إلى مشارف المدينة, غير أن الحلفاء الكتائبيين, لم ينفذوا حصتهم في العقد, عن ضعف أو لأسباب سياسية, وكانت القوات الفلسطينية والتقدمية اللبنانية في تلك الأثناء قد نظمت وتحصنت في بيروت الغربية, وباتت تهدد بإلحاق خسائر بالغة في صفوف الإسرائيليين في حال الهجوم على بيروت, لكن ذلك لم يكن ليردع شارون, فقد أكد عدد من كبار الضباط الإسرائيليين الذين شاركوا في حصار بيروت, أن الاستعدادات للهجوم اتخذت بالفعل أثناء الحصار الطويل, وأنه لم يبق سوى إصدار الأمر بالتنفيذ, وكانت قد حددت مهمة كل وحدة عسكرية باحتلال حي معين أو مجموعة من الأبنية, وكانت الوحدات قد تدربت على تلك المهمات.
في تلك الأثناء نشطت الأسرة الدولية, وتواصلت إلى حد يقضي برحيل قوات منظمة التحرير والقادة الفلسطينيين من بيروت بحماية قوة تدخل أمريكية – فرنسية – إيطالية, وفي 21 آب (أغسطس) نزلت طليعة القوات الفرنسية في مرفأ بيروت, وبات دخول الإسرائيليين إلى بيروت الغربية أمراً مستحيلاً, على الأقل ما دامت وحدات القوة الدولية مرابطة في المدينة.
في 14 أيلول (سبتمبر) عشية مقتل الجميّل ودخول القوات الإسرائيلية إلى بيروت الغربية, غادرت بيروت الدفعة الأخيرة من القوات الدولية من المظليين والمشاة, وذلك قبل عشرة أيام من انتهاء مدتها في بيروت, وقد صرح مساعد رئيس الأركان الإسرائيلي, الجنرال "موشيه ليفي" بعد يومين من الدخول إلى بيروت الغربية, كان من الواضح لنا أننا مضطرون لأن نذهب ونتحقق بأنفسنا من أن جميع الإرهابيين غادروا بيروت الغربية.
قبل أسبوعين من دخول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت الغربية, نفى شارون أن يكون قد فكر بالهجوم, وأضاف في حديثه لصحيفه إيطالية: " لو كنت مقتنعاً بأن علينا الدخول إلى بيروت الغربية, لما منعني أحد في العالم, وكنت دخلت إلى بيروت حتى ضد رأي حكومتي, غير آبه إذا كان هذا العمل قانونياً أم لا ", وقد كان لذلك التصريح وقع القنبلة في إسرائيل, واضطر شارون لنفي تلك الأقوال والتأكيد بأن حديثه تعرض للتشويه, ولكنه بالفعل تصرف كما جاء في التصريح الذي نفاه.
منذ اللحظة التي أعلن فيها مقتل بشير الجميّل, بدأ شارون باتخاذ كافة الاستعدادات للدخول إلى بيروت الغربية, وأوفد إلى بيروت الشرقية رئيس أركانه, وفيما بعد كشف النقاب عن وجود جسر جوي إسرائيلي بدأ يعمل يومها في منطقة مطار بيروت الدولي منذ الساعة السادسة من مساء 14 أيلول (سبتمبر), وقالت وكالة الصحافة الفرنسية التي نقلت النبأ أن إنزال الدبابات والرجال بدأ في تلك الساعة, وعندما أعلن رسمياً عن مقتل الجميّل, اتصل شارون برئيس الوزراء وقررا سوياً, دون الرجوع إلى الحكومة, اقتحام بيروت, والوحيد الذي علم بهذا الموضوع كان اسحق شامير وزير الخارجية, وقد وافق على ذلك.
في مكتب الجنرال شارون في وزارة الدفاع بتل أبيب, بسطت خريطة عسكرية رسمت عليها مسبقاً عملية اقتحام بيروت الغربية, وكتب في أعلى الهامش الاسم الرمزي للعملية "الدفاع الحديدي", وأخيراً تلقت هيئة الأركان العليا في الجيش الإسرائيلي الأمر المنتظر, ولم يتبلغ أعضاء الحكومة, مثلهم مثل سائر أفراد الشعب الإسرائيلي بقرار الدخول إلى بيروت الغربية وتنفيذه إلاّ في اليوم التالي, عندما أعلنت عنه إذاعة إسرائيل.
في يوم الأربعاء 15 أيلول(سبتمبر), عهد إلى الجنرال "أمير دروري" بالسيطرة على جميع النقاط الحساسة في بيروت الغربية, وقبل أن يبدأ الهجوم, كان يدور اجتماع بالغ الأهمية في المقر العام "للقوات اللبنانية", وهي الميليشيات الموحدة لليمين المسيحي التي ترأسها بشير الجميّل, وحضر الاجتماع عن الجانب الإسرائيلي الجنرالان "رفائيل ايتان" و "أمير دروري", وتمثلت الميليشيات الكتائبية بأهم رؤسائها العسكريين وعلى رأسهم "فادي افرام", و "إيلي حبيقة", ورسموا مجتمعين تفاصيل مشاركة هذه الميليشيات في عملية السيطرة على بيروت الغربية, وكشف شارون في 22 أيلول(سبتمبر), أمام الكنيست الإسرائيلي, أن مبدأ دخول الكتائبيين إلى مخيمات اللاجئين في بيروت نوقش في هذا الاجتماع, وفي نهاية الاجتماع أسرّ أحد العسكريين الكتائبيين للإسرائيليين: "منذ سنوات ونحن ننتظر هذه اللحظة".
ويقول شارون أيضاً, أن القائد الإسرائيلي للجبهة الشمالية تلقى يومها التعليمات التالية: "يحظر على قوات جيش الدفاع الإسرائيلي الدخول إلى مخيمات اللاجئين, فعملية تمشيط هذه المخيمات وتطهيرها سيتولاها الكتائبيون أو الجيش اللبناني", وقد أبلغ دروري لجنة التحقيق الإسرائيلية أنه ظل على اتصال دائم بالكتائب من أجل الإعداد لدخولهم إلى المخيمين.
بدأ التقدم الإسرائيلي عند الفجر, وبعد إشراق الشمس بقليل حلقت الطائرات الإسرائيلية تكراراً فوق بيروت على ارتفاع منخفض, في مناورات صاخبة القصد منها التخويف دون المشاركة في المعارك, ثم استولى الإسرائيليون على عدد من النقاط الحساسة التي كان قد احتلها جنود القوات الدولية خلال وجودهم في بيروت, وهي نقاط سلمتها تلك القوات إلى الجيش اللبناني قبل مغادرتها بيروت, وتراجع الجيش اللبناني فوراً أمام التقدم الإسرائيلي, محتمياً وراء المباني الآمنة وفي أماكن بعيدة لمتابعة ما يحدث.
تقدمت القوات الإسرائيلية على خمسة محاور, فطوّقت بيروت الغربية ابتداء من الضاحية الجنوبية وحتى المرفأ في شمال المدينة وكانت المقاومة التي جوبهوا بها ضعيفة جداً. وجاء أرئيل شارون في الساعة التاسعة صباحاً ليدير بنفسه مواصلة الاقتحام الإسرائيلي لبيروت, فنزل في مقر القيادة على سطح إحدى البنايات الكبيرة, على مفرق السفارة الكويتية, ومن هناك, كان يستطيع مراقبة بيروت ومخيمي صرا وشاتيلا مراقبة دقيقة, ثم اتصل بمناحيم بيغن وقال له: "قواتنا تتقدم نحو أهدافها, أستطيع أن أراها بأم عيني".
وخلال النهار أرسلت قوات جديدة إلى بيروت, ونقلت أفواج جديدة من لواء "جولاني" من إسرائيل إلى مطار بيروت الدولي بالهليكوبتر, وتبعتها دبابات الأفواج المدرعة, وفي هذه الأثناء ذهب شارون إلى بكفيا لتقديم تعازيه إلى عائلة الجميّل, الذين استقبلوه بفتور كبير. ومنذ بداية دخولهم إلى بيروت الغربية, راح الإسرائيليون يبحثون عن مستودعات الأسلحة التي بقيت بعد مغادرة المقاتلين الفلسطينيين, الذين غادروا جميعهم لبنان بناء على الاتفاق الذي وقع من أجل إنهاء الحرب في لبنان, لا سيما وأن إسرائيل منعت الفدائيين من نقل أسلحتهم الثقيلة معهم, وبالفعل وجد الإسرائيليون أعداداً كبيرة من مستودعات الأسلحة الثقيلة, ولتبرير دخولهم إلى بيروت أمام العالم المحتج خاصة أمريكا, قالت الحكومة الإسرائيلية إن ذلك يهدف إلى الحفاظ على النظام في المدينة بعد اغتيال بشير الجميّل, وقال شارون أن جيشه اضطر لاقتحام بيروت الغربية لأن "الإرهابيين", أي الفدائيين, خلّفوا وراءهم آلاف الرجال وكميات من السلاح وقيادات عامة وقياديين.
ومع مرور الساعات أخذت وسائل الإعلام الإسرائيلية والدولية تكشف عن ضخامة الحدث وأهميته, ولم تعد المسألة محصورة بعملية تهدف إلى فصل الأطراف المتقاتلة, تجنباً لوقوع اضطرابات ومذابح, وإنما المسألة هي مسألة السيطرة الكاملة على المدينة, وعندما اتضح ذلك, استدعى وزير الخارجية الأمريكي "جورج شولتز", السفير الإسرائيلي "موشيه آرنز", واستوضحه الأهداف الحقيقية التي ترمي إليها حكومته والمهلة المحددة لإخلاء بيروت.
لقد ارتعب زعماء منظمة التحرير الفلسطينية عندما بلغهم نبأ دخول القوات الإسرائيلية إلى بيروت الغربية, مع أنهم حصلوا على ضمانات مكتوبة وموّقعة بيد المبعوث الأمريكي "فيليب حبيب", من أجل تأمين سلامة عائلاتهم بعد رحيل المقاتلين, وهذا يعني أن إسرائيل خانت وامتهنت كلمتها.
ظهر يوم الأربعاء 15 أيلول (سبتمبر) عام 1982, طوّقت الدبابات الإسرائيلية مخيمي صبرا وشاتيلا اللذين لا تفصلهما عن بعضهما حدود واضحة وصوّبت مدافعها عليهما, وبعد قليل أقام الجنود الإسرائيليون حول المخيمين حواجز تسمح لهم بمراقبة المداخل والمخارج, وبدأ القلق يتصاعد داخل المخيم, ولجأ السكان إلى بيوتهم واعتصموا فيها, فالفدائيون الذين كانوا يدافعون عنهم رحلوا, ولم يبق في المخيمات سوى الشيوخ والنساء والأطفال وقلة قليلة من الشباب, ومع حلول المساء أطلقت القوات الإسرائيلية عدداً من القنابل تجاه المخيمين.
جاء الليل وانقطعت الكهرباء عن بيروت الغربية بشكل مفاجئ, وغرقت المدينة في ظلام دامس, وروى جندي إسرائيلي أن وحدته تلقت الأمر حوالي الساعة العاشرة بالبدء بإطلاق الصواريخ المضيئة فوق المخيمين بعد منتصف الليل.
في ثلاثين ساعة فقط, أنجز الجيش الإسرائيلي مهمته وسيطر على بيروت الغربية كلها, ولأول مرة في تاريخها احتلت إسرائيل عاصمة عربية, وفي تل أبيب اغتنم شارون فرصة الاحتفال بعيد رأس السنة اليهودية فأعلن نجاح العملية وشرب نخب ذلك النجاح.
في فجر السادس عشر من أيلول(سبتمبر), استيقظ سكان مخيمي صبرا وشاتيلا على صوت هدير الطائرات المحلقة على ارتفاع منخفض, والقوات الإسرائيلية تطوق المخيمين, ورجال القناصة المتمركزون حول المخيم بدأوا رمايتهم على أهداف في الشوارع الضيقة, وبعد قليل أخذت تنهال القنابل الآتية من التلال والمرتفعات المحيطة, وطوال النهار ظل الجرحى يتوافدون إلى مستشفى غزة بأعداد كبيرة.
في تلك الأثناء انصرفت الميليشيات الكتائبية إلى إنجاز استعداداتها لاقتحام المخيمين, وبعد أن اتصل الجنرال "رفائيل ايتان", بوزيره "ارئيل شارون", طلب من "دروري" أن يتحقق بنفسه من أن الكتائبيين جاهزون.
في الساعة الثامنة من صباح ذلك اليوم, عقد اجتماع هام بمقر القيادة العامة الإسرائيلية, تولّى فيه الجنرال "ايتان", شرح مهمات الكتائبيين في المخيمين, واشترك في ذلك الاجتماع رئيس المخابرات العسكرية, الجنرال "ساغي", وأحد كبار موظفي "الموساد", ورئيس "الشين بيت", وعند الظهر استقبل الجنرال "دروري" في قيادته العامة رئيس "القوات اللبنانية" "فادي أفرام", وسأله إذا كان رجاله على استعداد للدخول إلى صبرا وشاتيلا, فأجابه المسؤول الكتائبي: "نعم, وحالاً", وعندئذ أعطاه الضوء الأخضر.
غادرت القوات الكتائبية – حوالي 1500 رجل – قواعدها لتتجمع قرب المطار الدولي, وانطلقت من هناك باتجاه المخيمين متتبعة الأسهم والإشارات التي رسمت على جدران المدينة للدلالة على طريقهما, وعند الساعة الثالثة التقى الجنرال "عاموس يارون", آمر القوات الإسرائيلية بلبنان "إيلي حبيقة" و"فادي أفرام", ووضعوا بواسطة الصور الفوتوغرافية الجوية التي قدمتها إسرائيل, اللمسات الأخيرة على مخطط اقتحام المخيمين, وأكد يارون, أن قواته ستقدم للكتائبيين كل الدعم اللازم من أجل "تطهير المخيمين من الإرهابيين".
ثم اتصل دروري بالوزير شارون وقال له: "أصحابنا يتقدمون في المخيمين, لقد نسقنا عملية دخولهم", فأجابه شارون: "تهانينا, الموافقة على عملية أصحابنا". ثم تلقى الجنود الإسرائيليون الذين أقاموا الحواجز على مدخل شاتيلا الأوامر بواسطة أجهزتهم اللاسلكية, بأن يتركوا القوات الكتائبية تدخل إلى المخيم, عند المغيب, سكان مخيم بئر حسن القريب من ثكنة "هنري شهاب", ذكروا أن الوحدات الكتائبية الأولى (25 جيب), مرت أمامهم عند الساعة الرابعة عصراً, وتوجهت نحو السفارة الكويتية, هرع عدد من سكان المخيم إلى مقر القوات العامة الإسرائيلية, فقالوا لهم في القيادة أن لا يخافوا وأن يعودوا إلى بيوتهم, لم يأخذ المدنيون بنصيحة الضباط الإسرائيليين وفضلوا قضاء الليل في مبنى قريب من الشاطئ, على أن يلجأوا في الغد إلى ثكنة هنري شهاب, ويقول الناجون من مخيم شاتيلا أن عدة فرق أدخلت إلى المخيم قبل الساعة السادسة, وأن أولى المجازر بدأت قبل حلول الظلام في حي "عرسال", المواجه للقيادة العامة الإسرائيلية.
أخذت العصابات المسلحة تزرع أرض المخيم على متن سيارات الجيب الإسرائيلية, وعلى الفور بدأت المذبحة واستمرت 40 ساعة دون انقطاع, وتمكن الإسرائيليون من مراقبة العمليات من أسطح المنازل التي يحتلونها لا سيما وأنهم مزودون بمناظير تقرّب المسافات وتسمح بالرؤية في الظلام.
يقول الناجون من القتل, إن المجزرة اتخذت من اللحظة الأولى لبدايتها حجماً كبيراً, ففي الساعات الأولى وحدها قتل الكتائبيون مئات الأشخاص, كانوا يطلقون النار على كل من يتحرك, وكانوا يحطمون أبواب البيوت ويجهزون على عائلات بكاملها وهي تستعد لتناول العشاء, كثيرون قتلوا في أسرتهم وفي ثياب النوم, أطفال في الثالثة والرابعة من أعمارهم قتلوا في "حراماتهم" وأغطيتهم, وأحياناً لم يكتف المجرمون بالقتل, بل كانوا يقطعون أعضاء ضحاياهم قبل أن يجهزوا عليهم, ويحطمون رؤوس الأطفال والرضع على الجدران, ويغتصبون النساء والفتيات الصغيرات قبل أن يقطعوهن إرباً, وأحياناً يجرون الرجال إلى خارج المنزل ويطلقون عليهم النار وسط الشارع.
زرع رجال الميليشيا الرعب, قتلوا بالفأس, الفرّاعة, وبالساطور, ولم يفرقوا بين رجل أو امرأة أو طفل, وأحياناً كانوا يتركون واحداً من أفراد العائلة على قيد الحياة, ويقتلون أهله أمام عينيه كي يذهب ويخبر ما شاهد, كما لم يفرقوا أيضاً بين مسلم ومسيحي, ولا بين لبناني أو فلسطيني, فكل من عاش في المخيم يجب أن يلقى نفس المصير, وروت صبية شيعية أن والديها ركعا أمام القتلة يستحلفونهم "لأنهم لبنانيون", فكان جوابهم: "لماذا عشتم إذاً مع هؤلاء الأوغاد؟ سيكون مصيركما مثل مصيرهم " ثم قتلوا كل أفراد العائلة, ما عدا تلك الصبية. هذه واحدة من القصص المبكية التي تحدثنا عن مجزرتي صبرا وشاتيلا وأعمال القتل الوحشية التي جرت فيها, والتي تقشعر لها الأبدان, جرت أمام عيني شارون الذي راقبها بفرح وانتصار, وعندما كان الجنود الإسرائيليون يرفعون إلى قادتهم بأمر المجزرة الفظيعة التي تحدث في المخيمين, كانت ترد عليهم بقولها: "كل شيء على ما يرام".
عند فجر الجمعة 17 أيلول(سبتمبر), تابع الجنود والضباط والإسرائيليون من مراكز المراقبة ما يجري في مخيم شاتيلا بواسطة المناظير وشاهدوا أكواماً من الجثث, كما شاهدوا الرجال الذين يستعد الكتائبيون لإعدامهم رمياً بالرصاص, وروى جنود ينتمون إلى الوحدة المدرعة التي كانت ترابط على بعد 100 متر من المخيم, أنهم استطاعوا أن يشاهدوا بوضوح إعدام المدنيين على أيدي رجال الميليشيا, وقد رفعوا تقريرهم إلى السلطات العليا التي أمرتهم بعدم التدخل بما يجري وبعدم الدخول إلى المخيمين, والأدهى من ذلك أن حوالي 500 شخصاً كانوا قد لجأوا إلى باحة مستشفى غزة في مخيم صبرا ثم هرعوا فارين حين علموا أن رجال الميليشيا يقتحمون المستشفيات ويقتلون ويجرحون ويغتصبون كل من يصادفونه, وقد رفع هؤلاء المساكين الرايات البيضاء, وجدّوا في السير إلى أن وصلوا إلى كورنيش المزرعة على الطريق الذي يقطع العاصمة من الشرق إلى الغرب, حيث استوقفهم جنود إسرائيليون, فتقدم أحدهم وشرح لهم ما يجري, وقال: إن رجال "سعد حدّاد" يقتلون الناس, لكنهم تلقوا أمراً بالعودة إلى المخيم, وعندما أظهروا شيئاً من التردد جاءت دبابة إسرائيلية وصوبت مدفعها نحوهم وأجبرتهم على الرجوع.
في بيروت بدأت تنتشر الشائعات الأولى حول مذبحة في مخيمي صبرا وشاتيلا, وتلقى كذلك الليوتنان كولونيل "موشيه هيروني" عضو مكتب رئيس المخابرات في هيئة القيادة العامة بتل أبيب تقريراً حول وقوع 300 قتيل في المخيمين, وقال وزير الدفاع "أرئيل شارون" في البيان الذي أدلى به أمام الكنيست في 22 أيلول (سبتمبر), " بمجرد أن راودنا الشك حول ما كان يجري في المخيمات, فقد بادر القائد الأعلى للجبهة الشمالية الجنرال "دروري" فوراً إلى اتخاذ إجراءاته لوقف عمل الكتائب في شاتيلا, وذلك بواسطة ضابط الاتصال مع الكتائب الذي كان موجوداً في مقر القيادة العامة لأحد ألويتنا, وقد وضع الجيش الإسرائيلي حداً لنشاط الكتائب اعتباراً من ظهر يوم الجمعة 17 أيلول (سبتمبر), وقمنا بإخلائهم نهائياً ظهر يوم السبت", غير أن الواقع هو أن المجزرة استمرت طوال النهار وطوال الليل وحتى صباح السبت, بل أن فرقاً كتائبية جديدة اقتحمت المخيمات خلال هذه الفترة, ولم تنته المجزرة فعلاً إلاّ يوم السبت في الساعة العاشرة صباحاً, وقد كتب المراسل العسكري لصحيفة "يديعوت احرونوت", "ايتان هابر" يقول: استمرت المجزرة ربما لأن أحدهم كانت لديه مصلحة في استمرارها.
قبل منتصف ليلة السبت 18 أيلول (سبتمبر), بقليل أصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بياناً رسمياً قالت فيه لأول مرة: "إن إسرائيل تدين المجزرة", وأضافت: "جرى تبادل إطلاق نار بين القوات الإسرائيلية وعدد من المتطرفين الكتائبيين الذين اشتركوا في ارتكاب الأعمال الإجرامية", أما كيف دخل "هؤلاء المتطرفون" إلى المخيمين؟ ومن خطط لوصولهم وسمح لهم بالدخول إلى المخيمين, فليس ثمة جواب على ذلك, ومساء ذلك اليوم تصدرت أخبار المجازر نشرات الإذاعات والتلفزيونات في العالم كله, وقال الصحفيون ما لم تقله الخارجية الإسرائيلية: "حدثت المجزرة تحت مرأى ومسمع جنود جيش الدفاع الإسرائيلي ولم يحركوا ساكناً, ولم يفعلوا شيئاً".
الفرق الطبية وفرق الإسعاف المكلفة بالبحث عن الضحايا وبالدفن الجماعي ضمت بالإضافة إلى الجيش اللبناني, أحد عشر تنظيماً وجمعية ومؤسسة منها الصليب الأحمر الدولي والصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني والكشافة, والتنسيق بين كل هذه الجمعيات محدود جداً, ولهذا السبب تختلف تقديرات عدد القتلى باختلاف المصادر, بل وتتناقض أحياناً, لذلك فإن معرفة الرقم الحقيقي لضحايا المجزرة يبدو صعباً, بسبب عدة عناصر, تحركات السكان بعد المجازر, والعدد الكبير من الضحايا الذين تركوا تحت الأنقاض, والضحايا التي دفنها الكتائبيون في القبور الجماعية التي حفروها, والعدد الكبير من المفقودين, تضافرت كل هذه العناصر لتجعل من الصعب جداً إجراء تقدير دقيق, وتقدر المعطيات التي أخذت بعين الاعتبار تلك المسائل عدد الضحايا الإجمالي بين 3000 و3500 رجل وطفل وامرأة قتلوا في حوالي 40 ساعة بين 16 و17 و18 أيلول (سبتمبر) عام 1982م, من أصل 20000 نسمة, كانوا في المخيمين عشية بدء المجزرة, وتقدر الإحصائيات أن ربع الضحايا كانوا من اللبنانيين, أما الباقون فهم من الفلسطينيين.
بدأت القوات الإسرائيلية التي دخلت بيروت الغربية تتحرك في عدة قطاعات باتجاه الانسحاب من الوسط إلى خارج المدينة, وفي غضون تسعة أيام أي بتاريخ 29 أيلول(سبتمبر) عام 1982م, أتمت انسحابها من بيروت بكاملها بما في ذلك المطار, وذلك تحت الضغط القوي الذي مارسته عليها الولايات المتحدة, وحلت محلها القوة الدولية متعددة الجنسيات.