في التاسع من شهر مارس (آذار) عام 2004 توفي في ظروف لم تتكشف بعد , أمين عام جبهة التحرير الفلسطينية محمد عباس (أبو العباس) في سجون قوات الاحتلال الأمريكية في العراق .التي مكث فيها منذ اعتقاله في بغداد يوم 15\4\2003,وبرحيله المفجع فقدت الجبهة قائدها ,كما خسرت منظمة التحرير الفلسطينية واحداً من ابرز الرجالات الذين دافعوا عن قرارها المستقل ووحدانية تمثليها لشعبنا الذي رزء بهذا الفقدان.كان لرحيله غير المتوقع بالغ الأثر على نفوس رفاقه ومحبيه الذين جمعهم معه علاقة ود وألفة وحكايات عن الوطن والإنسان وروابط من الإخوة الكريمة وصدق الكلمة.
دفع أبو العباس ثمن أخلاصه ومحبته للعراق الذي قدم لشعبنا الكثير من الدعم البشري والمادي والسياسي,وقدم الملاذ الآمن لأبو العباس حينما ضيق الخناق الأمريكي على جبهة التحرير الفلسطينية في عام 1985 , ولم تجرؤ الدول العربية على تحدي العدو الأمريكي باستثناء العراق, (عراق ما قبل الاحتلال الأمريكي ) , فأمن له الإقامة والعمل بحرية والمساعدة متنوعة الأشكال ,لقناعة العراقيين بأن مشكلة فلسطين هي هم وطني عراقي , وتحريرها يرفع من شأن العرب ويغزز الكرامة الوطنية.
كان أبو العباس عشية التحضير للعدوان الثلاثيني الذي قادته واشنطن على العراق,في بلده فلسطين حينما عزم علي الرحيل ألي العراق للوقوف إلى جانب الذين لم يبخلوا على شعبنا بشيء من الكرم النضالي, وللتعبير عن الوفاء لمواقف شعب وحكومة العراق إزاء جبهة التحرير الفلسطينية والتي حظيت منذ بدايات عملها العسكري ضد الاحتلال الصهيوني بترحيب العراق عبر فتح مكتب لها وتقديم مساعدات مادية ومالية كان مقاتلونا في أمس الحاجة إليها . كما سمح لنا باستقبال الشباب العراقي وإلحاقه بمعسكرات التدريب ومن ثم بالقواعد ليخوضوا المعارك داخل الأرض المحتلة. وسجلات الجبهة حافلة بعشرات الشهداء من القطر العراقي الذين نفذوا عمليات منها الاستشهادية والنوعية,وحاربوا دفاعا عن الثورة الفلسطينية في أكثر من موقع .
أبو العباس كان على قناعة مطلقة بأن العراق كان وطنه الثاني . أقام فيه أكثر من إقامته في أي بلد عربي آخر باستثناء سوريا التي عاش فيها طفولته وشبابه المبكر .
منذ العام1985, واثر عملية السفينة (أكيلي لاورو) الشهيرة فرضت واشنطن حصارا على الجبهة مما حال دون تواصل قادتها مع الأمين العام الذي أقام في بغداد في ظرف سري مؤقتا قبل أن يتمكن من التحرك بعد بضع سنوات وبقي في العراق مقيما حتى العام1996 حينما جاء إلي ارض الوطن لحضور جلسات المجلس الوطني الفلسطيني ومن حينها دأب على اقتسام إقامته بين فلسطين والعراق و الحصة الكبيرة كانت للثانية .
وفي وطنه فلسطين كانت إقامته تعج بالفعاليات الاجتماعية والسياسية والتنظيمية ,يمر الوقت دون أن يتمكن من تلبية العديد من دعوات الأصدقاء وقادة العمل الوطني لتناول الطعام والسهر ولقاء الجماهير هنا وهناك .
كان يثابر لأن يكون للجبهة باع في مجريات السياسية الوطنية ,ومشاركة الرئيس الراحل عرفات همومه وطموحاته,وكان لا يكل من السعي لتحسين أوضاع رفاقه العاملين داخل السلطة الوطنية عبر الضم في الأجهزة المختلفة أو تحصيل ترقيات أو منح .
وفي فترات إقامته في العراق لم تنقطع توجيهاته لقائدي الجبهة في ارض الوطن : د/ واصل أبو يوسف في الضفة وأبو أحمد حلب في القطاع . وكان راض عن أدائهما , ولم تتأثر الجبهة عندما آثر بعض الرفاق في القيادة الانسحاب وترك الجبهة , لان هذين القائدين المناضلين قاما بدورهما على أفضل وجه .
أبو أحمد حلب تولى الأمانة العام للجبهة بعد رحيل أبو العباس ولمدة زادت قليلا عن الأربع سنوات , فرحل بدوره مريضا بالقلب , ليخلفه د/ واصل أبو يوسف , الأمين العام الحالي والأكثر نشاطا وحيوية وعطاءا .
نفتقد أبو العباس وعيننا على العراق الذي أحبه , لقد خرج الاحتلال الأمريكي من العراق تاركا إياه أشلاءً وطوائف : الطائفة الكردية لديها دولة غير معلنة والأحزاب الشيعية تتقاسم الحكم والفساد , والطائفة السنية التي حكمت البلاد منذ بداية العهد الإسلامي ,تعاني من الاضطهاد والاغتراب ,والمسيحيون وغيرهم من الطوائف الصغيرة يلاحقهم الحقد والتشرد , والديناميت يقتل باسم الطائفة وضحاياه عراقيون ,الجالية الفلسطينية فقدت الأمان والعيش الكريم وهاجمها التشرد الثاني والحاقدون .
أما في فلسطين فالحمد لله لا أكثر ولا أقل ... الصورة غير واضحة بعد الانقسام ,فالقتامة طاغية ,ونحن على وشك الاحتفال بانتهاء جولة مفاوضات دامت تسعة أشهر عرضت خلالها أفكار إسرائيلية أمريكية عنوانها الاستسلام ,وفقدان الهوية ,وضياع الوطن ,وقد تأتي أو لا تأتي أفكار اللحظة الأخيرة التي قد تغير المسار وتستجيب لبعض المطالب الوطنية وليس كلها بالقطع .
وضاع الأمل المبتغى من ( الربيع العربي ) الذي لفحتنا نسماته بنار جهنمية ضاعفت من ضعفنا .
في الذكرى العاشرة لرحيل قائدنا الكبير لازال لدينا الأمل والإصرار رغم كل المحبطات ,وقضيتنا تعيش فينا ونحن على العهد .
نفتقد أبو العباس كثيرا وعزاؤنا في رفيق دربه والمقرب إليه الرفيق الأمين العام د/ واصل أبو يوسف الذي يواصل العمل على دربه بكل دراية ومثابرة .
*المسئول الأسبق للإعلام المركزي لجبهة التحرير الفلسطينية