الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الزيدي: توازنات هشة وولاءات متضاربة

الزيدي: توازنات هشة وولاءات متضاربة

تاريخ النشر: 2026-04-29 | 11:07

لم يكن تكليف علي فالح الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية حدثًا عابرًا، ولا نتاج اختيار فردي، بل تعبيرًا دقيقًا عن منطق النظام السياسي العراقي بعد 2003. ففي بنية تقوم على المحاصصة الطائفية–الإثنية، لا يُنتج القادة بقدر ما تُفرز شخصيات وظيفية.
وتخضع هذه العملية لمعادلة مزدوجة: مقبولة داخليًا بالحد الأدنى لتمرير الكتلة الأكبر، وغير مرفوضة خارجيًا بما يضمن استمرار التوازن الدولي.

يأتي الزيدي برصيده الاقتصادي والقانوني وخبرته السياسية المحدودة كحصيلة شبه حتمية لهذه المعادلة. فبعد استبعاد شخصيات ذات ثقل سياسي بفعل اعتراضات أميركية ودولية، اتجه الإطار التنسيقي إلى خيار أقل صدامية وأكثر قابلية للتكيّف. وهنا، ينزاح دور رئيس الوزراء من موقع القيادة إلى وظيفة إدارة الأزمة؛ لا بوصفه صانع دولة، بل كحارس مؤقت لتوازنات دقيقة.

غير أنّ المعضلة الأعمق ليست في الشخص، بل في البنية. فالمواطنة، باعتبارها رابطة قانونية وسياسية جامعة تهدف إلى ربط الفرد بالدولة على أساس الحقوق والواجبات المتساوية، لم تتبلور كإطار ناظم للعلاقة بين المواطن والدولة، بل تراجعت أمام منظومات ولاء أكثر رسوخًا: مذهبية، حزبية، ميليشياوية، وعشائرية. وهذه الولاءات المتضاربة لا تعمل كعوامل هامشية، بل كمرتكز فعلي للنظام السياسي وإعادة إنتاج السلطة.

وعندما تتقدّم هذه الانتماءات على رابطة المواطنة، تتحول الدولة من كيان جامع إلى ساحة تنازع مفتوح، وتغدو المؤسسات أدوات لتوزيع النفوذ لا لبناء قرار سيادي. هنا يتبدّى الخلل البنيوي: نظام لا يواجه الاختلال بل يديره، ويخشى كسر توازناته أكثر مما يسعى إلى إصلاحها.

ضمن هذا المنطق، لا يُعد غياب القيادة الحاسمة خللًا طارئًا، بل نتيجة طبيعية. فالنظام يُفضّل شخصيات مرنة قادرة على المناورة والتسوية، على حساب إنتاج قيادة قادرة على إعادة تعريف قواعد اللعبة. وهكذا يصبح: "التوافق" بديلًا عن القرار، و"إدارة الأزمة" بديلًا عن بناء الدولة.

غير أنّ استمرار هذا النمط يحمل مخاطر تراكمية. فإعادة إنتاج التوازنات نفسها تُضعف شرعية الدولة تدريجيًا، خاصة لدى جيل يرفض منطق المحاصصة، وتزيد من قابلية الانفجار الاجتماعي كما شهدت احتجاجات تشرين 2019. كما تُبقي العراق مفتوحًا أمام التأثيرات الخارجية، وعاجزًا عن معالجة أزماته البنيوية: من البطالة وتردي الخدمات، إلى شح المياه والتحديات المناخية. ومع أي صدمة كبرى مثل انخفاض حاد في أسعار النفط أو تصعيد إقليمي قد تنزلق الفوضى المُدارة إلى فوضى منفلتة.

في هذا السياق، يقف الزيدي داخل مفارقة حادة: يُكلّف بتشكيل حكومة في دولة يفترض أنها مركزية، فيما تتوزع السلطة الفعلية خارج مؤسساتها—بين قوى سياسية، وفصائل مسلحة، وتوازنات إقليمية. وعليه، فإنّ أي محاولة جادة لتعزيز المواطنة ستُقرأ كتهديد لهذه البنية، ما يدفع إلى احتوائها أو إجهاضها مبكرًا.

خلاصة الأمر، لا يمثل تكليف الزيدي نقطة تحوّل، بل إعادة تدوير لنمط الاستقرار عبر الفوضى: دولة لا تنهار بفعل مواردها وتوازناتها الخارجية، لكنها لا تُبنى لأنها محكومة ببنية تمنع الحسم وتُبقيها في توازن هش ومعطوب.

العراق، بهذا المعنى، ليس استثناءً بل نموذجًا وظيفيًا لاستراتيجية أوسع في إدارة الشرق الأوسط: ضبط الفوضى بدل إنهائها، وإبقاء الدول في حالة لا حرب ولا سلام، بما يحول دون تشكّل سيادة مكتملة أو قرار وطني مستقل. إنها معادلة تُنتج استقرارًا هشًا يكفي لمنع الانهيار، لكنه لا يسمح بالنهوض.

ولا يقتصر هذا النمط على العراق وحده، بل يتجاوز حدوده ليطال ساحات أخرى. ومن هذه الزاوية، لا يبدو ما يُطرح في غزة بعيدًا عن هذا المنطق، بل امتدادًا له: إدارة للصراع عبر إبقائه مفتوحًا ومجزّأً، واستنزافه زمنيًا بدل حسمه سياسيًا. الفوضى هنا ليست عرضًا جانبيًا، بل أداة.
وإذا كان العراق قد مثّل خلال العقدين الماضيين مختبرًا عمليًا لهذا النمط، فإنّ تعميمه على ساحات أخرى لا يعني سوى إعادة إنتاج الحلقة ذاتها بأدوات مختلفة.
لذلك، ما دام هذا النموذج قائمًا، سيظل العراق عالقًا في حلقة مفرغة، وستبقى شخصيات مثل الزيدي—مهما حسنت نواياها—مجرد واجهات لإدارة التوازن، لا لتغييره.

×
أخبار
باكستان تؤكد "المضي الى أبعد مدى" في الدفاع عن السعودية صحيفة تتساءل: صمت "حماس" على الاغتيالات التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟ القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط