تاريخ النشر: 2026-01-13 | 15:42
تاريخ النشر: 2026-01-13 | 15:42
لم يعد النهج الأميركي في عهد دونالد ترمب قابلًا للقراءة بأدوات السياسة التقليدية، ولا يصلح لفهمه "خطاب القيم" أو "منطق التحالفات الثابتة"، فنحن أمام مقاربة صلبة ترى العالم كسلسلة ملفات مفتوحة على طاولة تفاوض واحدة، معيارها الوحيد هو "العائد الاقتصادي وتقليص المخاطر"، حيث تُعاد هندسة السياسة الخارجية بوصفها امتداداً مباشراً لإدارة المصالح، لا ساحة للمواعظ أو الاستنزاف طويل الأمد؛ وياتي "السلام بالقوة" في هذا السياق ليس كدعوة أخلاقية، بل آليةً لفرض الشروط، و"الصفقة" ليست تنازلاً، بل تسوية محسوبة الكلفة.
قضية فنزويلا مثلاً تكشف هذا المنطق بأوضح صوره؛ سنوات من العقوبات لم تُسقط الدولة، لكنها شلّت الاقتصاد، وخنقت العملة، ودفعت البلاد إلى حافة الانهيار المالي رغم امتلاكها أحد أكبر احتياطات النفط عالميًا، ومع اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قصره، لم يكن المشهد إعلان انتصار سياسي بقدر ما كان رسالة تفاوضية قاسية؛ لا قداسة للسلطة إذا تعطّلت الصفقة، ولا حصانة لمن يعطّل إعادة إدماج مورد استراتيجي في سوق الطاقة.
الولايات المتحدة، التي تراقب اضطرابات الإمدادات عالميًا، لا ترى في استمرار العداء مصلحة خالصة، بل تراها عبئاً، وعليه يصبح السيناريو الأكثر عقلانية هو إعادة ترتيب المشهد عبر صفقة؛ شروط أميركية واضحة، تنازلات محسوبة، تخفيف تدريجي للعقوبات، وفتح مسار نفطي واستثماري يعيد فنزويلا إلى السوق من بوابة "الاستقرار مقابل الالتزام"، هنا، حتى مصير " الرئيس مادورو" ذاته لا يُقرأ بوصفه نهاية أو بداية، بل ورقة ضمن رزمة تفاوضية أوسع، تُغلق الملف بدل إبقائه مفتوحاً على كلفة لا ضرورة لها.
إيران تسير على المسار ذاته وإن اختلفت السرعات، العقوبات لم تُصمَّم لإسقاط النظام، بل لإجباره على الجلوس إلى الطاولة بشروط أسوأ، الاقتصاد الإيراني يعاني اختلالات بنيوية؛ تضخم مرتفع، عملة متآكلة، وقدرة محدودة على امتصاص صدمات طويلة، في منطق ترمب، لا توجد عداوات أبدية، بل ملفات قابلة للبيع والشراء السياسي، الصفقة مع إيران ليست مسألة "هل"، بل "متى" وتحت أي ميزان قوة، المطلوب : ضمانات، ضبط نفوذ، وترتيبات تُطمئن السوق قبل أن تُرضي الخطاب؛ السياسة هنا تُدار كإدارة مخاطر سيادية، لا كصراع شعارات.
أما الشرق الأوسط، فقد جرى تحويله من ساحة حروب مفتوحة إلى سوق صفقات مؤجلة، التطبيع، إعادة الإعمار، الأمن، والاستثمار، كلها بنود في دفتر حساب واحد، لا مبادرات سلام بالمعنى الكلاسيكي، بل تسويات قائمة على معادلة بسيطة؛ الاستقرار يساوي تدفقات، والفوضى تساوي كلفة، من لا يدخل هذه المعادلة يُهمَّش، ومن يعطّلها يُعاقَب اقتصادياً قبل أي شيء آخر.
وفي قلب هذا التحوّل، يبرز انقلاب لافت في معادلة العلاقة الأميركية – الإسرائيلية؛ للمرة الأولى بوضوح، واشنطن هي من يقود، يضبط الإيقاع، ويضع السقوف، فيما تُدار الحركة الإسرائيلية ضمن هامش محسوب، ليس لأن إسرائيل فقدت قدرتها، بل لأن الإدارة الأميركية باتت ترى أن أي اندفاع غير منضبط قد يهدد مشروع الصفقات الكبرى في المنطقة، ويرفع منسوب المخاطر بما ينعكس مباشرة على الأسواق والاستثمارات، الاقتصاد هنا هو الحكم الأخير، وهو من يقرّر متى يُسمح بالفعل وإلى أي حد ومتى يُكبح، أتتذكرون القصف الإسرائيلي على الدوحة ؟ كيف تمت معالجته ؟ ومن ولماذا ؟
الخلاصة أن العالم يدخل مرحلة تُدار فيها الجغرافيا السياسية بلغة الأرقام، وتُقاس النزاعات بمؤشرات المخاطر، وتُحلّ الأزمات بعقود مشروطة لا بخطب رنّانة، "السلام بالقوة" هو توصيف دقيق لعصر تُستخدم فيه القوة لفرض الصفقة، ويُستخدم الاقتصاد لضمان استدامتها، في هذا العصر، من لا يمتلك ورقة اقتصادية لا مكان له على الطاولة، ومن يراهن على الزمن وحده يكتشف متأخرًا أن الصفقات لا تنتظر.