قد يتساءل البعض عن ما آل اليه الربيع العربي , مشككين في كونه ربيعا من حيث المبدأ , مستندين في ذلك الى الاخفاقات التي مر بها , والى الحروب والانقسامات التي ولدها في أكثر من قطر عربي .
هي أربع سنوات حبلى بالأحداث الجسام مرت على انطلاقة الربيع العربي , بدأتها ثورة الياسمين في تونس , لتتبعها ثورة 25 يناير في مصر , التي انطلق بعدهما سيل عارم من الاحتجاجات والحراكات الشعبية التي شملت أجزاء واسعة من العالم العربي , منادية طورا بالاصلاح السياسي , والحرية والديمقراطية والنزاهة , ومحاربة الفساد والاستبداد , ونهج التوريث في الجمهوريات التي تحولت الى اقطاعات عائلية , وصولا الي الهتاف الشهير " الشعب يريد اسقاط النظام " .
نجحت الثورة الشعبية السلمية في اسقاط بن على وحسني ومبارك في تونس ومصر , وأدت التظاهرات المليونية في صنعاء الى تنحي الرئيس علي عبد الله صالح في اليمن , فيما سقط معمر القذافي في ليبيا بعد صراع دموي وتدخل للطيران الحربي الغربي في أجواء ليبيا . أما في سوريا فقد تحولت التظاهرات السلمية تدريجيا الى العمل المسلح نتيجة قمع النظام لها ,واستخفافه بها , مما ادخل البلاد والعباد في دوامه حرب أهلية انجرت اليها أطراف عربية واقليمية .
في مصر لم يزهر الربيع طويلا , اذ بعد انتخابات ديمقراطية فاز بها الرئيس محمد مرسي بأغلبية بسيطة , اثبتت الدولة العميقة قوتها ولم تتح للنظام الوليد فرصة لالتقاط أنفاسه . واعتقد الاخوان أنهم قادرون على احداث تغيير تدريجي في النظام عبر التحالف مع الجيش وشرائح من الدولة العميقة واقصاء القوى الأخرى , مكررين بذلك ذات الخطأ الذي ارتكبوه اثر ثورة 1952عندما وافقوا على قانون حل الأحزاب . اعتقدوا أن الاعتدال في مواجهة قوى الثورة المضادة والتحالف مع أجزاء منها , سيحمي ثورة 25 يناير التي انفض جزء من ثوارها عن النظام الجديد , حققت الثورة جزءا من أهدافها بالاطاحة بالنظام القديم ,لكنها لم تتمكن من بناء نظامها , ولم تستطع أن تشكل جبهة وطنية عريضة لحمايتها , ولا أن تحدث تغييرا جذريا في السياسات الخارجية والداخلية , ولا أن تستعيد الدور المصري في قيادة الأمة العربية والدفاع عن قضاياها وفي مقدمتها قضية فلسطين . أسقطت رياح الانقلاب العسكري زهور الربيع العربي في مصر قبل أن تتحول الى ثمار ناضجة , منهيا بذلك تجربة مصر الديمقراطية ودورها الاقليمي .
في تونس تمكنت النهضة من استخلاص بعض دروس التجربة المصرية , ولا شك أنه كان لقيادتها المتزنة والمستنيرة دورا هاما في المحافظة على الاستقرار الداخلي في تونس , لكن ذلك لم يمنع أركان النظام السابق من العودة الى الحكم عبر انتتخابات ديمقراطية تم فيها تداول السلطة بيسر وسلاسة . ولكن تبقى الأمور مرهونة بخواتيمها , وفيما اذا كان نداء تونس سيحافظ على سير العملية الديمقراطية أم سينقلب عليها .
يلاحظ أن الربيع العربي اتخذ طابعا دمويا في الدول التي تعاني من انقسامات مذهبية أو جهوية وقبائلية , كما هو الحال في سوريا واليمن وليبيا . اذ أن هذه الانقسامات تفسح المجال للحروب الأهلية ولتدخلات القوى الاقليمية في الصراع وتحرف افاق الصراع عن اهدافة الحقيقية بالثورة والاصلاح . وتنتج بيئة خصبة لنمو حركات تكفيرية أو مذهبية تسرق الثورة من أصحابها الحقيقين . ولعل الدرس المستخلص هنا يتمثل في ضرورة الحل السياسي للصراعات في هذه الدول , والخروج من دوامة القتال او التلويح به . ان ارادة التغيير في مثل هذه الدول يجب أن تقترن بضرورات التوافق بين مكونات المجتمع المختلفة على قاعدة من رفض المغالبة والاقصاء ومحاربة الفساد والاستبداد والحفاظ على وحدة الوطن .
الربيع العربي هز مفاهيم الاستبداد والفساد , ورسخ قيم الحرية والديمقراطية والتحرر , وتمكن من اسقاط أنظمة وهز أنظمة أخرى , وحمل الجميع على التفكير بأن الواقع العربي المرير لايمكن أن يستمر , وأن الشعب قادر على التغيير حين تتوفر الظروف الداخلية والاقليمية المناسبة , أما النخب في عالمنا العربي فانها لم تكن على مستوى الثورة التي حدثت , و ادى انقسامها والنزاع القومي الاسلامي الى تمكن الثورة المضادة من تحقيق غاياتها .
على أن هذا كله لا يضعف على الاطلاق من فرضية أن الربيع العربي كان ثورة بحق تجاوزت الحدود القطرية , وانتقلت عدواها من قطر الى آخر , رافعه ذات الشعارات وحاملة لنفس الأهداف , بغض النظر عما حدث بعد ذلك من تراجعات واخفاق . وحسبنا أن نذكر أن العالم ما زال يحتفل حتى اليوم بذكرى الثورة الفرنسية التي اطاحت بالملكية , وشعارتها في الحرية والمساواة بالرغم من أخفاق هذه الثورة فيما بعد ,وتصفية قيادتها وتحولها الى امبرطورية .
اهداف الربيع العربي ما زالت ماثلة في ذهن الجمهور العربي الذي زادت التحديات التي يواجها امام اشعال منطقتنا بحرب قوات التحالف وقوات الخلافة , ألا أن الشعب ما زال يريد احداث التغيير وارادته حتما ستنتصر .َ