أعلن الفلسطينيون تمردهم على مرحلة شهدت تراجعا كبيرا في واقعهم السياسي، وكنتيجة للقهر المتراكم وتلبية لدوافع الفطرة الإنسانية الحرة، آثروا الوقوف وجها لوجه أمام آلة الظلم والفاشية الإسرائيلية سعيا للتحرر والخلاص. إلا أن الانهيار التراجيدي للذات الوطنية يبقى حتميا إذا ما غاب الوعي الوطني والضمير الجمعي عند مختلف المشاركين في هذا الحراك.
وأخطر ما يمكن أن تلحقه موجة الغضب الشعبي هذه أن تنتهي دون تحقيق أهداف تسجل تقدما للقضية الفلسطينية، فتكون بمثابة حراكٍ عارٍ لا يحقق إلا استنزافا للشعب وتراجعا في قضيته.
وتشهد الذات الوطنية انهيارا عندما يغدو الأفراد أصحاب القضية عاجزين عن تحقيق خطوات عملية تخدم قضيتهم. فالتضحية المستمرة بدون مقابل لربما تخلق وعيا استسلاميا وبهذا تتغير القناعات ويبدأ الحس الوطني بالاختفاء تدريجيا. ومع تكرار الحالة ذاتها تصل الذات الوطنية إلى حالة من الانتكاس. “فهل أصبح لزاما على كل جيل فلسطيني أن يجرب انتكاسته على طريقته؟”.إذا ما طال اضطهاد الشعب، وسلبت حقوقه فان مساره الطبيعي على خط المقاومة والكفاح، وهذا يكون حال الطامحين للحرية والاستقلال وبعث العدالة على أرض سُلبت من أصحابها قسرا. لكن الخطر يبقى قائما إذا ما تم تفريغ الغضب الشعبي الناتج في غير مساراته الطبيعية على شكل هبات عفوية لربما تعود عليهم بالضرر. وهذا بأضعف التقديرات يجب أن لا ينطبق على الحراك القائم.
لن يجني الفلسطينيون أي فائدة إذا ما كان حراكهم هذا بصيغة التعبير عن الغضب فقط، بل يمكن أن يشكل ضررا على القضية، خاصة إذا طالت فترة استنزاف الشعب والقوى الشبابية تحديدا. لان ما يترتب على حالة “الفوضى” من نتائج تكون دائما في صالح الاقوى على الصعيد الداخلي والخارجي. فإن تكرار خروج الطاقات المحركة واستنزافها نتيجة لهذه الحراكات يجعل من القضية ذات سقف متدن من جهة، ويفتح الطريق أمام الاحتلال كي ينفذ استراتيجياته القصيرة وطويلة المدى من جهة أخرى.وهنا يفترض أن يترتب على هذا الحراك نتائج تنهض بالواقع الفلسطيني وترفع من سقف المطالب الوطنية. اذ تحتم الضرورة على الفلسطينيين امتلاك استراتيجية قوية تساهم في إخراج الحالة الفلسطينية هذه من دائرة العبث والمطالب المزيفة وتسخير هذا الحراك لإنجازها.
إن أهم ما يمكن أن تتضمنه هذه الاستراتيجية يتمثل في التالي:
أولا: التخلص من مشروع التسوية وإنهاء الحالة الأمنية القائمة في الضفة الغربية، بالإضافة إلى تسييد نهج المقاومة والكفاح بكل أشكاله كنطاق مركزي لعملية التحرر؟
ثانيا: فرض واقع فلسطيني قوي عسكريا وسياسيا يكون مقتدرا على طريق انتزاع حق تقرير المصير وفق قرارات الشرعية الدولية بما فيها تحرير الأراضي الفلسطينية المعترف بها من قبل المجتمع الدولي، وإجبار الاحتلال على تقديم تنازلات كبيرة لصالح القضية الفلسطينية.
ثالثا: إعادة تنظيم المجتمع وترتيبه على أساس قيم تحررية غير متسممة أو مشوهة بالإضافة إلى الخروج بنخبة سياسية واجتماعية جديدة من افرازات المقاومة والفعل التحرري.
وبالعودة إلى الحراك، فإن هناك عدة عوامل تساعد على استمراريته وتطويره:
أولا: وجود ضمير جمعي يساهم في خلق حواضن اجتماعية مؤسسة على قيم التحرر ومبنية على الثوابت الأساسية التي تجمع كل فئات الشعب.
ثانيا: إشراك كافة الجهات الفلسطينية المعنية ضمن برامج عملية وواقعية ذات مضامين ووعي جمعي.
ثالثا: تركيز وسائل الإعلام وتوجيه الخطاب السياسي على جوهر القضية وتخطي حالة الردح الداخلي ولغة الاتهام المتبادل، وبما ينهي “إلى حد ما” الفئوية المقيتة التي تسود أجواء الشارع القلسطيني.
رابعا: تعزيز الأنشطة الكفاحية المختلفة مثل الطعن وتنظيمها والثناء عليها إعلاميا بهدف إحداث خلل في المنظومة الأمنية في القدس والداخل بشكل أساسي.
خامسا: إشراك كافة القطاعات الشعبية والأطر المنظمة بما فيها المجتمع المدني في الأرياف والمدن والمخيمات، بالإضافة الى تشكيل لجان شعبية مقاومة على خطوط التماس مع المستوطنين.سادسا: البناء التراكمي والتدرج في العمل الشعبي وصولا إلى استخدام الأساليب الأكثر فتكا في إيذاء العدو. بحيث أن يتحول هذا المعطى الكفاحي إلى مطلب شعبي ولا يشكل أي خطر أمني على المجموعات أو العناصر ذات الرؤى العسكري، فلربما الإسراع في امتشاق السلاح الناري يشكل مدخلا لانقضاض الأجهزة الأمنية عليها أو أن يكون بمثابة كمين لاستدراج الخلايا النائمة.
سابعا: تسخير كافة وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية لخدمة الأهداف الوطنية لهذا الحراك.