تاريخ النشر: 2022-04-23 | 10:54
تاريخ النشر: 2022-04-23 | 10:54
نحن وأروبا الأكثر تأثرا بالأزمة الأوكرانية رغم أن بعضنا يحاول التغطية.. فما هو حجم الخسائر وأي خرائط سياسية قادمة نتيجة الصراع الدائر بين أمريكا وحلفائها من جهة وروسيا من جهة أخرى فيما يشبه حربا عالمية بإيقاع بطيء؟.. نعم هكذا مباشرة نعلن مجال بحثنا وتحليلنا مدركين ان نتائج الصراع هناك تصب في منطقتنا بكل قوتها وشظاياها تصيب عواصمنا واحدة تلو الاخرى كما انها ستمنح التغيير فرصته في اوربا.
فليس من ترف المعرفة ولا من عمل النوافل ان نتابع أحداث أوكرانيا وماله من علاقة بنا بل إنه من صميم الفرض لضرورة الإعداد لمستقبل محمل بالمخاطر على شعوبنا وطموحها، وذلك لما لها من علاقة مباشرة بدفع تطور الأوضاع في العالم وفي منطقتنا بشكل خاص.
لهذا فإن حديثنا عن تطورات الأزمة هناك وتشابك مستوياتها وتعدد أطرافها وحقيقتهم وماله من علاقة باستراتيجيات الدول الكبرى ورصد نتائجها تماما كما لوكنا نتحدث عن الاشتباكات في ساحة المسجد الأقصى.. فالعالم جسد واحد مترابط العلاقات تأثرا وتأثيرا، بل ان نتائج تلك الاشتباكات ستنعكس على ساحة الأقصى وكنيسة القيامة وعلى مستقبل فلسطين والعرب والاسلام.
العالم جسد واحد إذا اصاب الظلم منطقة فيه فإن هذا سيؤذيه جميعا ولا يستفيد من ذلك الا الجراثيم والطفيليات الرأسمالية والعنصرية وأصحاب تجارة الحروب ومصانع السلاح.. و من لا يدرك أهمية قراءة ما يحدث في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة في العالم وتلمس طريق نجاة لشعبه وأمته ظنا منه بأنه في منجاة فإنه سيساق الى المقصلة مغمض العينين.
استمرار الازمة الأوكرانية يمثل ضغطا مستمرا على الاقتصاد الأوربي وعلى المجتمعات الاوربية فإلى متى ستصمد اوربا؟ وما هي بدائلها وطرائق التعويض لما ستخسر؟
كما أن استمرار الأزمة يشكل ضغطا على حياة دول العالم الثالث وشعوبها "الوطن العربي والعالم الاسلامي وافريقيا. " وستجد نفسها أمام استحقاقات إجبارية فهل بإمكانها الإفلات من المنحدر العنيف؟
وهنا تطرح الأسئلة التاريخية: هل تتحرك اوربا جنوبا لحل ازمتها كما حصل اكثر من مرة؟ ماهي قدرة دول الجنوب على مواجهة التحديات التي لن تقتصر على الجوع وماهي حاجة دول الجنوب الملحة الآن؟
نحن في دوار العاصفة:
في لحظات الحقيقة تتكشف الأوضاع على طبيعتها بدون تزييف لنكتشف ان دولنا الوطنية كانت تتلهى بشعوبها وتهدر طاقتهم وثرواتهم ولا تستفيد من الزمن والإمكانات في توفير الحدود الدنيا من الاكتفاء الذاتي.. لقد استقلت بلداننا شكليا فيما ظلت مقاليد الاقتصاد بيد الأعداء يتحكمون في مصائرنا فيكفي القاء نظرة على اعتمادنا على القمح والزيوت وحجمه الرهيب لنكتشف اننا قضينا عشرات السنين نلهو وعندما جاءت ساعة الحقيقية كما هو حاصل اليوم في الازمة الأوكرانية حيث يتم تهديدنا في اكثر الأشياء حاجة في خبزنا وقوتنا اليومي.. ان عشرات ملايين الاطنان من القمح والحبوب التي نستوردها كل عام مباشرة من روسيا وأوكرانيا او عن طريق وساطة دوليين استعماريين تؤكد ان انظمتنا لم يكن وارد في تفكيرها أي مشروع سيادي واستقلالي.. الا يؤكد ان احتياج بلد غني بثرواته الطبيعية كالسودان الى قمح أوكرانيا وروسيا الى اننا فعلا نسير بلا رؤية ولا منهج.. هنا تبرز أسباب ضعفنا وهواننا وعجزنا عن الدفاع عن مقدساتنا لان المستهدف الان بطون الشعوب وقوتها.
ولعل تفاهة منطق ارتفاع أسعار النفط تقود البعض الى الشعور بالثراء المحدث وهنا ندور في دوامة الرذيلة السياسية والاقتصادية من جديد.. أي ارتقاع هذا لاسعار النفط ونحن نواجه جوعا محتملا فالحرب لن تتوقف غدا وان أمريكا لن تتنازل عن حربها الامر الذي سيفتح ابوبا جديدة من التحديات علينا.. والسؤال الأخطر من هذا كله هل سنكون في مأمن من عدوان خارجي اذا اشتدت الازمة عالميا لاسيما على اوربا المصنعة التي تقف في وجه العاصفة؟ الم يدلنا التاريخ ان اوربا الاستعمارية كانت تحل مشكلاتها على حساب شمال افريقيا وهنا نرفع الإشارة الجمراء فهل من منتبه ومن متدبر ومن غيور على امته.
الاقتصاد العالمي في الواجه:
الاقتصاد هو المتأثر المباشر من الأزمة الأوكرانية وتأثره سيهيء الظروف الملائمة لتغييرات عميقة في بنية الاقتصاد العالمي الذي يستدعي تدخلات في تعديل السياسات والخرائط والعلاقات الدولية..
بعد أسابيعها المتتالية دفعت الازمة الأوكرانية بمنظمة التجارة العالمية إلى أن تخفض توقعاتها للنمو الخاصة بالعام الجاري بمقدار النصف تقريبا، من 4.7 في المئة إلى 2.5 في المئة، حسب ما افادت د نغوز أوكونجو، رئيسة منظمة التجارة العالمية.. التي اضافت: إن العوائق سوف تزيد أسعار المواد الغذائية.. فلقد تأثرت إمدادات القمح والذرة بسبب غزو روسا لأوكرانيا.. فلقد انعكس ذلك على السوق الأوربي مباشرة فلقد حذرت قطاعات صناعية في اوربا من نقص زيت عباد الشمس حيث يأتي 80 بالمائة منه من روسيا وأوكرانيا حسب منظمة S&P Global ، ويدفع إغلاق الموانئ الأوكرانية الى صعوبات في التصدير.
وفي هذا السياق قالت أوكونجو "أنا في غاية القلق بسبب موجة الجوع القادمة، خصوصا في الدول الفقيرة وهي الأقل قدرة على مواجهة ارتفاع التكاليف".. حيث ان 35 دولة من مجموع 55 دولة في القارة الافريقية تستورد القمح والحبوب الأخرى من روسيا وأوكرانيا و22 دولة تستورد الأسمدة من البلدين.. وهذا ما دفع بدراسات بثها بنك التنمية الافريقي الى القول بان ارتفاع السلع الغذائية سيتراوح بنسبة ثلث الأسعار في معظم دول افريقيا.
وأضافت أنه يتضح من الدراسات التي يجريها حاليا بنك التنمية الإفريقي أن أسعار المواد الغذائية سوف ترتفع بنسبة 20-50 في المئة في الكثير من البلدان.. وسترتفع تكلفة مواد أساسية كمعدن البلديوم المهم في صناعة السيارات والذي تنتج روسا منه 40 بالمائة من مجموع الإنتاج العالمي الامر الذي يعني مستويات قياسية في الارتفاع بسبب فرض عقوبات على روسيا حيث يضرب الخلل عملية التوريد
المعركة التجارية مع روسيا تبدو انها ستكون مرتدة على الاقتصاد العالمي لاسيما الدول الفقيرة بل وحتى الدول الاوربية الصناعية والامر لا يتوقف عند ظاهر الازمات توريد سلع أساسية بل يتمثل بصدمات في الاسواق المالية العالمية.. ولن يفلت من الازمة أي طرف سواء أولئك الذين يسيرون في ركاب الدول الغربية او أولئك الذين يعتمدون بعلاقات اقتصادية مهمة مع روسيا كتركيا وبولندا. حيث تستورد بولندا وتركيا معظم حاجتهما النفطية من روسيا.. وستكون أمريكا في منأى على المدى المنظور من الاضرار حيث لا تمثل التجارة الروسية مع أمريكا أي رقم بالمائة.. وكذلك الصين رغم علاقاتها المتينة مع روسيا فهي لا تتمتع بمعدلات مخلة للوضع الاقتصادي الصيني ولكن اوربا بشكل مباشر ستكون اقتصادياتها عرضة لهزات عنيفة بعد موجة الركود والضعف التي رافقت مرحلة كورونا.
ويشير باحثون متخصصون في مجال التنبؤ العالمي والتحليل الكمي ان استمرار الصراع لأجل طويل سيؤثر بسوء واضح في الاقتصاد العالمي لأنه سيكون تضخما مصحوبا بركود.
الاقتصاد الروسي في المعركة:
لقد تحركت أمريكا والدول الاوربية -تبعا لها- منذ الأيام الأولى للازمة بإعلان حرب على دعامات الاقتصاد الروسي ولقد ترافقت تلك الحرب بالبروبوغندا والتهييج الإعلامي والحرب النفسية على اعتبار ان روسيا ستسقط اقتصاديا خلال اشهر قليلة جراء العقوبات المتتالية وبعد مضي أسابيع طويلة من الازمة التي يبدو ان الروس في مهل من امرهم فيها وهم يعرفون ان الحرب تستدعي حربا ارتدادية قد يكون لها من الاثار ما هو اقصى من الحرب نفسها وتجلى هذا في التأثير على أسعار النفط، والذي سبب فعلياً اضطرابات في الأسواق. فوفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تعد روسيا ثالث أكبر منتج للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة والسعودية.. وكانت نصف صادراتها إلى أوروبا، وقد شهد سعر النفط ارتفاعا مذهلا بمجرد أن قالت الولايات المتحدة وأوروبا في بداية شهر مارس أنهما تدرسان حظر واردات النفط الروسي.. فلقد حظرت الولايات المتحدة استيراد النفط الروسي في 8 مارس/آذار، وكان هنا بمثابة قرار دعائي سياسي لان المستورد أمريكيا من النفط الروسي لا قيمة له، فيما تعهدت المملكة المتحدة بفعل الشيء نفسه بحلول نهاية عام 2022 أي بعد انتهاء متوقع للازمة!!
وردا على القرار الامريكي ذهب رئيس الوزراء الروسي إلى أبعد من ذلك وقال: "إن ارتفاع الأسعار سيكون غير متوقع. سيصل إلى 300 دولار للبرميل إن لم يكن أكثر".."من الواضح جداً أن حظر النفط الروسي سيؤدي إلى عواقب وخيمة على السوق العالمية".
ومن المعلوم ان للزيادة تأثرات واسعة على عدة قطاعات اقتصادية فالزيادات في أسعار النفط لا تؤدي إلى رفع سعر الوقود فحسب، بل إلى زيادة أسعار كل الأشياء.. وهذا يدفع الى ازدياد التضخم لأن الوقود والطاقة من التكاليف الأساسية في تصنيع ونقل البضائع. بمعنى ان العقوبات الامريكية الاوربية ستحدث صدمة "تضخمية مصحوبة بركود" وفقاً لاقتصاديين في بنك باركليز البريطاني،
كما اشارت مراكز تنبوء دولية ان عنوان المرحلة القادمة سيكون "التضخم المصحوب بالركود" وذلك لأن اقتصاد الدولة سيشهد ارتفاعاً في الأسعار وركوداً في نفس الوقت.
وتظل روسيا تمسك بخطام الاقتصاد العالمي وتتصرف حسب معادلات في غاية الدقة ومحسوبة تماما حيث ان الازمة في حال استمرارها يمكن أن ستؤدي أيضاً إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، لأن كل من روسيا وأوكرانيا من كبار منتجي المواد الغذائية القمح وزيت الذرة وزيت عباد الشمس.. ستؤثر الاضطرابات في إمدادات الحبوب على المستوردين في اوربا الغربية وفي الوطن العربي وأفريقيا وتركيا.. فلبنان يشتري معظم قمحه من روسيا أو أوكرانيا، وكذلك مصر وتركيا.. ويعتمد السودان ونيجيريا وتنزانيا والجزائر وكينيا وجنوب إفريقيا على الحبوب المستوردة ومواد التسميد من روسيا وأوكرانيا حيث تعتبر روسيا اكبر مصدر للأسمدة المستخدمة في الزراعة الامر الذي يعني ان انخفاضا كبيرا سيلحق بمنتوجات العالم الزراعية التي تعتمد على الأسمدة الروسية ويتوقع خبراء ان منتوجات العالم الزراعية ستنخفض بنسبة 50 بالمائة.. الامر الذي يعني ان الحديث الان لا يجري عن وقوع ازمة بل عن حجمها.
كما ان الصادرات الآسيوية ستتعرض لضربة.. وستشح أبواب الأسواق العالمية امام منتوجاتها.. بسبب تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين وبمتابعة الاستيراد من منطقة اليورو مثلا فيمكن ملاحظة انه يتراجع بشدة بسبب الحرب، مع تضرر القدرة الشرائية بسبب ارتفاع أسعار النفط.
تناول تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية التداعيات للعقوبات الأوروبية على روسيا وأوضح أن العقوبات والتوترات وأسعار الطاقة المرتفعة ستؤثر بشكل سلبي على الشركات والأسر في الوقت الذي يتباطأ فيه النمو ويتزايد التضخم.
وهكذا يتضح حضور الاقتصاد الروسي في المعركة وانه ليس الأضعف حتى الان وان العقوبات المتتالية عليه لا تستطيع قتله بمقدار ما تملك من قوة ارتدادية على الوضع الاقتصادي العالمي في اوربا والعالم جملة حتى أولئك الذين يظنون انهم منأى عنه فالعملية متراكبة وهكذا تغدو الإجراءات العقابية عبارة عن مغامرة وطلقات طائشة لتصبح ضربة قوية يتلقاها الاقتصاد العالمي ممثلة في تفاقم أزمة الطاقة، وتوسع أزمة الغذاء العالمي وانهيار سلاسل الإمداد بسب تعطل الموانيء والحظر، الامر الذي يقود العالم للدخول في موجة جديدة من التضخم.
وواضح ان الروس يعتمدون النفس الهاديء في إدارة الازمة مما يعني ادراكهم ان التحرك الهاديء غير المتسرع سيلحق اضرارا فائقة بالاقتصاد العالمي لاسيما الأوربي فهم يدخلون معركة تغيير النظام الاقتصادي العالمي وشروط صناعة القرار الدولي.. ولن تستطيع أمريكا بكل نشاطها الأمني والسياسي تعويض العجز الذي سببه تواصل العقوبات على الاقتصاد الروسي.
لصدمة الأسعار تأثيرعلى الأسر الفقيرة التي يشكل الغذاء والوقود نسبة أكبر من إنفاقها. ولكن الدول الصناعية الغربية ستكون اكثر تضررا نظرا لطبيعة التشابكات التجارية بين طرفي النزاع الى درجة ان ذهبت مراكز علمية بحثية الى القول ان الاقتصادات الناشئة ستكون اقلل ضررا من تداعيات الحرب على الاقتصادات المتقدمة فروسيا تزود أوروبا بالكثير من موارد الطاقة التي تستخدم في تشغيل الأعمال التجارية، وتدفئة المنازل، بالإضافة إلى المعادن، وسلع أخرى لصناعة الأسمدة الزراعية، كما تصدر أوروبا لروسيا البضائع المصنعة وخاصة الآلات ومعدات النقل..و تستورد روسيا ما يقارب خمس واردات الآلات من ألمانيا. وإذا تصاعد الصراع، فسيكون الضرر الاقتصادي أكثر تدميرا مما يضفي مزيدا من التعقيد على مشهد السياسات .. وتنبأ المعهد الوطنى للبحوث الاقتصادية والاجتماعية بالمملكة المتحدة بتراجع الناتج المحلي الإجمالى للعالم بنسبة 1 في المئة بحلول العام 2023، بما قيمته تريليون دولار وارتفاع معدلات التضخم عالميا بنحو 3 نقاط مئوية فى العام 2022 ونقطتين مئويتين فى العام 2023. وقال يورج كرايمر كبير الاقتصاديين في كومرتس بنك، إنه حتى بدون قطع روسيا لإمدادات الطاقة، صمن المرجح أن ترتفع فاتورة الطاقة في ألمانيا بمقدار ما يعادل 1.25% من الناتج الاقتصادي.
وباعت صناعة الآلات الألمانية، التي يعمل بها حوالي مليون شخص، معدات تبلغ قيمتها 5.5 مليار يورو إلى روسيا العام الماضي، وشملت الصادرات الرئيسية الآلات الزراعية مثل الحصادات ومعدات صناعة النفط والغاز ومعدات البناء، بينما بلغت مبيعات أوكرانيا مليار يورو.
وقالت الخبيرة الاقتصادية في شركة VDMA مونيكا هولاشر، إن الشركات تشعر بالقلق بشأن عقودها الحالية في روسيا، وأضافت أن العديد من شركات الآلات الألمانية تعمل في روسيا بدون تأمين على الصادرات.. إن المصدرين الألمان قلقون من العقوبات قد تمنع عمليات التسليم أو المدفوعات وإن العملاء الروس يمكن أن يقوموا بإلغاء العقود.
انها معركة لن تسير كما ارادت أمريكا رغم كل دعمها الأمني والعسكري للحكومة الأوكرانية لان روسيا لن تنهزم عسكريا والمعركة في حقيقتها اقتصادية ولكن يظل السؤال الكبير اين نحن من هذا كله السؤال هنا بلاشك موجه للخبراء والساسة وأصحاب القرار