ما يجري في بغداد اليوم يتجاوز حدود حملة قضائية أو أمنية ضد متهمين بالفساد. فحين تتكشف ملفات تشمل مسؤولين ونواباً وشبكات مرتبطة بالنفط والمال العام، يصبح السؤال أبعد من أسماء الموقوفين: هل يملك العراق القدرة على تفكيك المنظومة التي حوّلت الدولة إلى مورد مفتوح للنهب والنفوذ؟
فالفساد في العراق لم يكن مجرد تجاوز إداري أو صفقة مشبوهة، بل أصبح خلال سنوات طويلة جزءاً من بنية سياسية معقدة، تداخلت فيها المحاصصة مع السلاح، والمال العام مع الولاءات الحزبية، والاقتصاد مع النفوذ الإقليمي. ومن هنا، فإن أي حملة لا تذهب إلى جذور هذه المنظومة ستبقى ناقصة، مهما كان عدد الأسماء التي تطالها.
لقد كشفت التحقيقات الأخيرة جانباً مما كان العراقيون يدفعون ثمنه يومياً: دولة غنية بثرواتها، لكنها منهكة بفعل النهب المنظم، وشعب يعيش أزمات الخدمات والبطالة والفقر، بينما تتحول عائدات النفط إلى مصادر قوة لطبقات سياسية وشبكات مسلحة. وهذه ليست أزمة مالية فقط، بل أزمة سيادة.
ولا يمكن قراءة هذا المشهد بعيداً عن الدور الذي لعبه نظام ولاية الفقيه في العراق بعد عام 2003. فقد عملت طهران، عبر الحرس الثوري وفيلق القدس والميليشيات المرتبطة بها، على بناء نفوذ يتجاوز العلاقات الطبيعية بين دولتين جارتين. كان الهدف إضعاف القرار الوطني العراقي، وربط جزء من مؤسسات الدولة وشبكات المال والسياسة بمصالح النظام الإيراني.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: من سرق؟ بل: من وفر الحماية السياسية والسلاحية لهذه السرقة؟ من جعل الفساد ممكناً ومحمياً؟ ومن حوّل بعض مفاصل الدولة إلى أدوات في شبكة نفوذ أوسع تخدم طهران أكثر مما تخدم بغداد؟
إن تزامن هذه التطورات مع زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بغداد يضيف بعداً سياسياً لا يمكن تجاهله. فالعراق يقف في لحظة يريد فيها، أو يُفترض أن يريد، استعادة جزء من سيادته ومحاسبة ناهبي ثرواته، بينما تحاول طهران أن تبقى حاضرة في كل ملف حساس يمس مستقبل نفوذها داخل العراق.
ومن هنا تبرز خطورة الحديث عن أي طقوس رمزية لجثمان خامنئي في المدن المقدسة العراقية. فكيف يمكن للعراق، وهو يكتشف حجم الخراب الذي صنعته شبكات المال والسلاح والولاء الخارجي، أن يتحول إلى منصة لتكريم الرجل الذي ارتبط اسمه بمشروع إضعاف الدولة العراقية وتمكين الميليشيات؟ هذا ليس اعتراضاً عاطفياً، بل موقف سيادي وأخلاقي.
فالمدن المقدسة في العراق ليست ملكاً للفصائل، ولا يجوز تحويلها إلى مسرح لتبييض تاريخ مشروع سياسي أضر بالعراق والعراقيين. احترام الجوار شيء، وتحويل أرض العراق إلى منصة لشرعنة نفوذ خارجي شيء آخر تماماً.
إن حملة الاعتقالات يمكن أن تكون بداية مهمة إذا امتدت إلى أصل المرض: منظومة المحاصصة، فساد النفط، السلاح خارج الدولة، ودوائر التهريب والتمويل المرتبطة بالنفوذ الإيراني. أما إذا توقفت عند بعض الأسماء، فإنها ستتحول إلى جولة جديدة من تصفية الحسابات، لا إلى بداية إصلاح حقيقي.
العراق لا يحتاج إلى تغيير وجوه داخل منظومة النهب، بل إلى استعادة الدولة من خاطفيها. وهذا يتطلب قضاءً مستقلاً، وشفافية كاملة، واسترداد الأموال المنهوبة، وحصر السلاح بيد الدولة، ومنع أي نفوذ خارجي من استخدام العراق كساحة سياسية أو اقتصادية.
الخلاصة أن معركة العراق ليست فقط ضد الفساد، بل ضد البيئة التي جعلت الفساد سلطة. وإذا كان لا بد من جنازة سياسية في العراق، فهي يجب أن تكون لمشروع الهيمنة والميليشيات والنهب، لا لمن أسسه وكرّسه.