تاريخ النشر: 2018-11-06 | 13:36
تاريخ النشر: 2018-11-06 | 13:36
التحديات والمشاكل التي يواجهها العراق تتطلّب وجود حكومة قوية ومستقلة وسيدة في قراراتها وقادرة على تلبية مصلحة البلد وشعبه، بعيداً عن الحسابات السياسية والاعتبارات الأيديولوجية
منح البرلمان العراقي (24/10)، الثقة لـ14 وزيراً قدّمهم رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، فيما لا تزال هناك ثماني حقائب شاغرة، وذلك بعد موافقة 220 نائباً حضروا الجلسة من أصل 329.
وذكرت مصادر عراقية أن كتلتي «سائرون» بزعامة مقتدى الصدر، و«النصر» بزعامة حيدر العبادي، هما من عملا على حصول التصويت على جزء محدد من الفريق الوزاري، بما يضمن موافقة البرلمان على مرشحي تحالف «الإصلاح»، مع تأجّيل التصويت على وزراء «تحالف البناء» الذي يضم منظمة بدر بزعامة هادي العامري و«دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، و«عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي. واستناداً إلى الدستور العراقي، فإن حكومة عبد المهدي استوفت النصاب القانوني والشرعية الدستورية، وباتت تمتلك صلاحيات تنفيذية كاملة.
وحسب المصادر نفسها، فإن الصدر نجح في دفع البرلمان إلى التصويت على جميع المرشحين الذين تبناهم، من دون أن يكونوا على صلة تنظيمية معه، وفي مقدمتهم وزير النفط ثامر الغضبان، وهو شخصية مستقلة يحمل شهادات عليا من جامعات بريطانية في مجال النفط، وسبق له أن شغل الحقيبة نفسها في الحكومة المؤقتة عام 2005. إضافة إلى وزير الكهرباء لؤي الخطيب، الباحث المعروف في مجال الطاقة، والذي يحمل شهادات عليا من جامعات بريطانية أيضاً.
ودعم الصدر أيضا ترشيح الطبيب البارز علاء العلوان لحقيبة الصحة. والعلوان هو المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط في منظمة الصحة العالمية. وسبق له أن شغل حقيبتي التربية والصحة بين 2003 و2005.
وبمعونة العبادي، مرّر الصدر مرشح حقيبة الخارجية، محمد علي الحكيم، الذي يحمل شهادات عليا في الإحصاء والتكنولوجيا من بريطانيا والولايات المتحدة، وهو مندوب العراق الدائم لدى الأمم المتحدة حتى 2017.
وبدا أن الكتل البرلمانية كانت حريصة على إرضاء الزعيم الكردي مسعود البارزاني، عندما مررت اثنين من المقربين منه، لحقيبتي المالية والإعمار. حيث نال فؤاد حسين، الذي خسر أمام برهم صالح في انتخابات رئاسة الجمهورية، ثقة البرلمان لحقيبة المالية السيادية، فيما صوت البرلمان على منح الثقة لبنكين ريكاني وزيراً للإعمار والإسكان.
ومثل تولي حسين حقيبة المالية، في نظر المراقبين، مؤشراً إيجابياً لبرزاني ولإقليم كردستان الذي يعيش أزمة اقتصادية حادة بسبب التوتر بين بغداد وإربيل، وخصوصاً بعد الاستفتاء على الاستقلال، وخلافات حول الميزانية المخصصة للإقليم الذي يعيش حكم ذاتي منذ عام 1990.
ترحيب أميركي
وسارعت واشنطن إلى الترحيب بحصول حكومة عبدالمهدي على ثقة البرلمان، وخصّت أربعة من وزرائه بالإشادة.
وفي تغريدات على «تويتر»، هنأ مبعوث الرئيس الأميركي إلى العراق، بريت ماكغورك، رئيس الوزراء العراقي الجديد على أداء اليمين الدستورية مع 14 وزيراً جديداً، خاصاً بالذكر الوزراء ثامر الغضبان ولؤي الخطيب، وفؤاد حسين، ومحمد علي الحكيم، معتبراً أنّهم «مرشحون استثنائيون لمساعدة العراق على التعافي السريع».
ولفت مراقبون إلى أنّ هذا «يمثل تطابقاً نادراً في وجهات النظر بين الصدر (الذي دعم ترشيح هؤلاء الوزراء) والسفارة الأميركية»، مشيرين إلى أن الوزراء الذين تمّ منحهم الثقة، في معظمهم كانوا عملوا تحت إشراف الحاكم المدني الأميركي، بول بريمير!.
«عقدة» الوزراء الثمانية
ويبقى أمام عبد المهدي تجاوز «عقدة» الحقائب الثمانية المتبقية، التي يتعين عليه تقديم المرشحين لشغلها بحلول السادس من الشهر الجاري، وسط خلافات حادة بشأن بعض الحقائب.
ولعل الخلاف الأهم في هذا الشأن هو المتصل بحقيبتي الدفاع والداخلية، فمع إصرار كتلة «الفتح» بزعامة هادي العامري، على ترشيح فالح الفياض، (رئيس هيئة «الحشد الشعبي» ورئيس جهاز الأمن الوطني السابق)، للداخلية، فإنّ «سائرون» بزعامة الصدر، أكدت على عدم رضاها على هذا الترشيح. ورأى محللون أنه إذا ما تم اختيار الفياض لهذا المنصب، فإن «هذا وحده يكفي لإحباط كل الآمال في فتح عدد من ملفات الفساد والبدء بمشروع مصالحة حقيقية»!. أما وزارة الدفاع، فإن «هناك مرشحين لهذا المنصب، ولم يحسم الخلاف بشأنهما بعد داخل الكتل السنية»، كما نقلت مصادر نيابية.
وإلى ذلك، رفض الصدر، وفقاً للمصادر ذاتها، ترشيح قصي السهيل، عن دولة القانون بزعامة المالكي، لحقيبة التعليم العالي، وحسن الربيعي لحقيبة الثقافة، لأنهما كانا من القيادات البارزة في التيار الصدري، قبل انشقاق الأول والتحاقه بالمالكي، وانشقاق الثاني والتحاقه بـ«عصائب أهل الحق»، إحدى قوى الحشد الشعبي بزعامة قيس الخزعلي. كما يرفض الوسط الأدبي والفني تولي الربيعي وزارة الثقافة لأنه لا ينتمي إلى الوسط الثقافي.
وعلى الصعيد الكردي، فإن الوزارات الثلاث الباقية من حصتهم لا تزال تدور بشأنها معركة بين «الديمقراطي الكردستاني» وحزب «الاتحاد الوطني الكردستاني».
وفي ظلّ هذه الخلافات، خلص كثير من المراقبين إلى أن عبد المهدي «لم يكن حراً في اختيار فريقه الوزاري»، في وقت رأت فيه العديد من الأوساط السياسية بأنّ ليس أمامه «سوى أن يكون حازماً في اختياراته لأنه مدعوم بقوة من قبل الشعب العراقي الذي يريد حكومة قوية وقادرة على التغيير»!.
تحديات بالجملة
وفي حال تمكن عبد المهدي من تجاوز عقدة الوزراء، فإنه ستكون أمام حكومته جملة من التحديات الداخلية الخارجية الهائلة، تقف في مقدّمها قضية إعادة الإعمار بعد معارك ودمار كبير لحق بالعديد من المدن، إثر حرب استمرت قرابة ثلاث سنوات مع «داعش» لطرده من مناطق في شمال وغرب البلاد.
كما سيكون عليها معالجة آثار الاحتجاجات التي تصاعدت في الآونة الأخيرة، للمطالبة بخدمات عامة أساسية، مثل معالجة البطالة وتوفير الكهرباء وتأمين المياه الصالحة للشرب، التي أدّت لتعرض نحو مئة ألف شخص لحالات تسمّم في محافظة البصرة النفطية جنوب البلاد، في بلد يُعدّ من الدول الـ12 الأكثر فسادا في العالم!.
وعلى نحو متصل، ستواجه الحكومة الجديدة تحدياً بالغ الخطورة والحساسية، يتعلّق بمنسوب المياه في نهري دجلة والفرات اللذين ينبعان من تركيا، ويتغذى الأول على روافد طبيعية من إيران. وذلك بعد أن خفضت تركيا كمية المياه المتدفقة في النهرين خلال السنوات الفائتة، فيما حوّلت إيران مسار بعض الروافد بعيداً واستغلتها في مشاريع زراعية وصناعية، ما تسبّب في شحّ المياه، وقاد إلى زيادة المساحات المتصحّرة في الأراضي العراقية وأضرّ كثيراً بقطاع الزراعة.
وكان للسياسيات التركية والإيرانية في المجال المائي انعكاس مباشر على الداخل العراقي، إذ فجّر شحّ المياه احتجاجات عنيفة في البصرة جنوباً، يمكن أن تعود وتتجدد إذا لم يجري العمل على حلّها سريعاً.
ورأى محلّلون أنّ جميع المشاكل الأخرى لا تقارن بمشكلتي المياه والغذاء، اللتين يتطلّب حلّهما وجود حكومة قوية ومستقلة وسيدة في قراراتها، وقادرة تالياً على تلبية مصلحة البلد وشعبه، بعيداً عن الحسابات السياسية والاعتبارات الأيديولوجية!.
كما تواجه الحكومة أيضاً مهمة تأمين استقرار الأوضاع الأمنية في المناطق التي استعادتها القوات العراقية من المتطرفين، حيث يمثل ذلك أمراً أساسياً لنحو 1,9 مليون عراقي ما زالوا يعيشون في مخيمات النازحين.
وإلى ذلك، قال مراقبون إنّ ملف الحشد الشعبي، (الذي تحول من قوة مؤقتة تشكّلت بفتوى دينية لمواجهة اجتياح داعش لأجزاء واسعة من البلاد، إلى هيئة مُشرّعة من قبل البرلمان)، يُعدّ من بين أخطر التحديات الداخلية التي يواجهها عبد المهدي، لأنّ قوات الحشد أصبحت قوة موازية للجيش العراقي.
أهم التحديات الخارجية
أما أبرز التحديات الخارجية، فتتمثل في ملف العقوبات الأميركية على إيران، والكيفية التي ستتعاطى فيها حكومة عبد المهدي مع هذه العقوبات التي ستبدأ المرحلة الأشد منها في الرابع من الشهر الجاري.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية ألمحت إلى أن الولايات المتحدة لا يمكنها استثناء أحد من تنفيذ العقوبات، مشيرة إلى أن الدول والشركات التي ستخرق العقوبات ستواجه تبعات اقتصادية صعبة. وعليه، فقد لا يكون بمقدور حكومة عبد المهدي، كما رأى مراقبون، التمرد على واشنطن في هذا الشأن، لأنها بذلك قد تضع بلادها في مواجهة مخاطر جسيمة، لكن الالتزام التام بالعقوبات سيهدد الاقتصاد العراقي أيضاً، ما يستلزم مقاربة خاصة لهذا الملف الحسّاس.
وأضاف المراقبون، أن عبد المهدي يمكنه استثمار توازن علاقاته التقليدية بالولايات المتحدة وإيران، في التوصل إلى تسوية «لا تغضب الأميركيين ولا تستفز الإيرانيين أو تؤذي بلاده»، على خلفية حاجته الماسة إلى علاقة متوازنة مع كليهما.