تاريخ النشر: 2016-03-18 | 13:21
تاريخ النشر: 2016-03-18 | 13:21
ليس كل الإعلام العربي غثا، ومن يتجشم عناء البحث ويمتلك الصبر يستطيع العثور على قناة فضائية أو صحيفة تغرد خارج سرب التسطيح والأجندات المشبوهة والمضروبة والمشطوبة، ولا تسبح باسم الشيطان الطائفي ولا تتخندق في اليمين لتدافع عن الغلط.. وكل اليمين غلط.
وإذا تجاوزنا فارق المهنية، فإن حال الإعلام العربي لا يختلف كثيرا عن الإعلام العالمي، والغربي تحديدا، حيث تعمل المنابر القليلة المحترمة في زحام القنوات والصحف الخاضعة لرغبات شياطين الامبراطوريات الإعلامية مثل روبرت ماكسويل وروبرت ميردوخ في بريطانيا، والأثرياء اليهود في الإعلام الأمريكي، واليمين المحافظ الذي يملك أكبر الصحف الفرنسية والإيطالية.
نعود إلى إعلامنا العربي لنقرأ خبرين ملفتين نشرا قبل أيام، يقول الخبر الأول إن قناة العرب الفضائية التي يملكها الأمير السعودي الوليد بن طلال ستنتقل من قبرص إلى قطر لتبث من هناك، ولتكون الدوحة ثالث محطة لهذه المحطة التي كانت قد تأسست وانطلقت في البحرين، وتم وقف بثها بعد ثلاث ساعات فقط لأنها استضافت معارضا بحرينيا، بينما قالت السلطات المعنية في المنامة إن القناة لم تحصل على التراخيص القانونية اللازمة للبث.
بعد خروجها من البحرين توجهت قناة العرب إلى قبرص، وكانت تستعد للانطلاق من هناك قريبا، الا أن قرار مالكها بنقلها إلى الدوحة يعني تمديد فترة غيابها عن الفضاء الإعلامي العربي فترة قد تطول أو تقصر تبعا لمزاج السلطات القطرية وتقديراتها.
لكن هذا الغياب لا يعني الكثير للمتلقي العربي الذي تحاصره قنوات اليمين الإعلامي من كل الجهات، ولعل شراكة "العرب" في بعض خدماتها مع "فوكس نيوز" مثلا تكشف هويتها وتشير إلى إنها مجرد محاولة لتعزيز الخطاب الإعلامي لليمين المستتر بالليبرالية، وهو الخطاب الذي يتبناه عدد كبير من الفضائيات العربية الإخبارية والعامة. وهو أيضا خطاب الرجعيات العربية التي تعتقد أن الشمس تشرق من الغرب. ولا فرق في هذا التوجه بين قناة الوليد الوليدة وبين قناة "العربي الجديد" التي تحمل البشارة للعرب بأن المستقبل هو للعربي الربيعي الذي يرتدي عباءة الإخوان المسلمين ويتحالف سرا وجهرا مع الإخوان اليهود، ليعود عصر الدولة الدينية المؤمنة بأن أرض الله مشاع لكل الناس وأن نفط البلاد لكل العباد!
أما الخبر الثاني فإنه حمل بعض التفاؤل والأمل، حيث أعلنت صحيفة "لوموند ديبلوماتيك" الفرنسية المحترمة استئناف إصدار طبعتها العربية من تونس. ومن يعرف "لوموند" وموقفها المتميز بين قريناتها في الإعلام الفرنسي يدرك أهمية وجود طبعة باللغة العربية لهذه الصحيفة التي تتبنى قضايا الحرية والتحرر في العالم الثالث، وعلى الأخص في بلادنا المبتلاة بالتبعية العمياء للمشروع الغربي.
كما أن صدور "لوموند ديبلوماتيك" بالعربية قبل سنوات كان إضافة نوعية ليس للإعلام فقط ولكن للوعي التقدمي المنفتح على تجارب التغيير في العالم. ولعل قرار الصحيفة باستئناف الصدور في بلادنا وبلغتنا يرسخ القناعة بأن اليسار لم ينقرض في ربيع الظلاميين، وأن الوعي التقدمي لم يحترق في الصراعات الغبية والحروب الآثمة بين اليمين السياسي واليمين الديني.
بعيدا عن فتاوى شيوخ الظلام وهرطقات الديناصورات القومية وبيانات النظم الفاسدة في الإعلام العربي، يظل الأمل حيا في الحياة، ولو تسرب شعاعه من صفحات جريدة تطبع على ورق معجون بخبز التائقين إلى التغيير.