بداية نحتسب العقيد عماد فياض شهيدا ولا نزكي على الله أحدا ، ولأن عماد فياض هو حالة من حالات التي يجبر فيها الإنسان على الرحيل عن الوطن نتيجة قهر أو خوفا أو رعبا .
مازال اللوح الأسود للانقسام ومؤثراته يخترق خاصرة الوطن وخاصرة غزة ، بالأمس القريب ذهبت أرواح مئات الشباب الفلسطينيين من غزة في عرض المحيطات والبحار ، تلك الظاهرة التي تتكرر وبمشاهد أخرى .
العقيد عماد فياض رحمه الله هو أحد ضباط أمن السلطة الذين ارغموا على الرحيل نتيجة معطيات ونزاعات وخلافات أخذت الشكل الدموي ، فما كان إلا طريق الرحيل عن أرض الوطن ومسقط الرأس إلى جمهورية مصر الشقيقة ، مئات الشباب رحلوا نتيجة ضغط حيث تغيب الأبعاد المدمرة عن هذه الظاهرة التي تقسم الوطن وتأخذ مؤثرات اجتماعية وسياسية وأمنية نأمل أن تنتهي في أسرع وقت ممكن .
لا نريد هنا أن نجتر الماضي ، ومن المسؤول وكيف حدث مأساة هؤلاء المشردين عن مسقط رأسهم في مصر العربية ودول أوروبية ودول أخرى في العالم ، هل من المنطق أن يشرد هؤلاء الأبناء ببعد عن أهلهم وذويهم وعائلاتهم وترابهم تحت معطى الحسم والحسم ضد من ومن أجل من ، في حين أن جميع الأوراق السياسية متحركة في الساحة الفلسطينية ، فاللامعقول أصبح معقولا ، ومن كان بالأمس متنازلا ووصل في الوصف على حد العمالة من الطرف الآخر يمدون إليه يد الشراكة والثقة التفويض في تشكيل الحكومة الجديدة ، ربما يقول هؤلاء أن هذا انسجاما مع المرحلة وما تطلبها ، وهنا نستطيع القول مادامت هكذا الأمور والمنظور لماذا يتمترس هؤلاء على تشريد مئات الشباب الفلسطيني بتهمة انتمائهم إلى جهاز الأمن الوقائي والأخ عضو اللجنة المركزية محمد دحلان ! أليس جهاز الأمن الوقائي هو جهاز تنفيذي يخضع للتوجهات السياسية لرأس الهرم الفلسطيني ، وهل يمكن أن نقول أن أفراد جهاز الأمن الوقائي هم مسؤولين عن سيناريوهات سياسية يعدها هذا الطرف أو ذلك ، أم اصبحوا شماعة لتنفيذ برامج انقسامية وتباينات في البرنامج ما بين سلطة رام الله وسلطة حماس ، بالتأكيد أن هؤلاء وقعوا ضحية للوح أسود من الخلاف والاهتزاز والتذبذب وربما التصلب في الماضي الذي يجب أن يتجاوزه الجميع من أجل خلق حالة وطنية متكاملة في قطاع غزة لتواجه التحديات القائمة والمستقبلية .
من الضروري أن تعيد حماس حساباتها تجاه أبناء حركة فتح في الخارج ولأن حماس تفهم وتعرف أن غزة لا يمكن أن يقودها فصيل لوحده ولا يمكن أن يعيش فيها فصيل لوحده ، وذلك لمعطيات متعددة ، تنازلت عن الحكم أو لم تتنازل ، وتنازلت لمن ؟! أهي الشرعية كما يقولون ، فلا شيء شرعي في الساحة الفلسطينية وإن أردنا أن نفهم مفهوم الشرعية فالشرعية هي لأبناء فلسطين وشبابها في داخل الوطن وخارجه .
لا يمكن السكوت على ظاهرة أن يدفع شباب فلسطين ضريبة الانقسام السياسي والأمني ما بين سلطة رام الله وبين سلطة حماس ،فشباب فتح هم شباب فلسطين كما شباب القسام ، هم أوفياء لأرضهم وترابهم ولفلسطين ، آن الأوان أن ترتب جميع الأوراق من جديد على الأقل في داخل غزة ، وأن يعود كل أبناء فلسطين الذين خرجوا رعبا وخوفا من البطش ، فلقد تجاوزنا هذه المرحلة بآلامها بانقساماتها بادعاءاتها ، ولا يمكن أن تبقى غزة وأبنائها محل نظرة فئوية تقود السلطة ونظرة حزبية تقود حماس ، فمن الأجدر وطنيا الآن أن تقسم المرحلة وأين كان الخطأ وأين كان الصواب وماذا نصنع فنهاء الإنقسام وظواهره.
هذا اللوح الأسود في تاريخ الشعب الفلسطيني يجب أن ينتهي فورا ، لا بروتوكلات ولا تفاهمات ولا غيره ، فهي كلها أصبحت مدونة في اللوح الأسود في تاريخ الشعب الفلسطيني ، ومن أراد الوحدة فليتجاوز كل الحلو التقليدية وأن يجمع أبناء الوطن .
إن مقتل عماد فياض برصاص الجيش المصري بالخطأ يمكن أن يتكرر ويدفع ثمنه الشباب ليس في الزمان وليس في المكان المطلوب كما قال القائد الفتحاوي محمد دحلان ، فالدم الفلسطيني يدفع في مواجهة العدو وليس أن يذهب هدرا سواء بالخطأ برصاص الأشقاء أو أن يهدر دمهم ولحمهم افتراسا لأسماك القرش .
لا أريد هنا أن أسرد الحالة المأساوية لمغادرة الشهيد عماد فياض منذ مغادرته أرض الوطن فهي مأساة ولوح أسود في وجه كل من افتعل هذا الانقسام وحضّر له منذ أكثر من شهر من تاريخه وكل من اتخذ قرارا تجاوبا مع هذا الإنقسام ومع هذه الدراما الدموية التي حدثت في 2007 .
فلنتنبه جميعا بأن ظاهرة مقتل العقيل عماد فياض قد تنبش الجروح إذا لم تعالج وطنيا وموضوعيا ولتكون المحصلة يجب أن يعود هؤلاء كلهم إلى أرض وطنهم في غزة بكامل الحقوق والواجبات وبالتالي قد نغلق مربع من مربعات الإنقسام البغيض والاحداث الدموية المؤلمة للشعب الفلسطيني والتي لن يمحيها التاريخ الفلسطيني من ذاكرته ، فعلى الأقل لنخفف على الأجيال القادمة سيرة هذه المأساة بعمل إيجابي يجب أن تقوم به حماس فورا .