تاريخ النشر: 2018-10-07 | 09:57
تاريخ النشر: 2018-10-07 | 09:57
■ الدولة الديمقراطية في فلسطين الانتدابية، ليست مشروعاً جديداً يتم طرحه على جدول الحركة الوطنية الفلسطينية. إذ سبق للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين أن طرحته في نهاية الستينيات هدفاً للثورة الفلسطينية. قدمت رؤية ديمقراطية لدولة فلسطينية يتعايش فيها الجميع، دون تمييز في العرق أو الدين وفي ظل العدالة الاجتماعية، بحيث تقوم الديمقراطية على قدمين اثنتين: ديمقراطية سياسية يصونها دستور وقوانين ديمقراطية، وديمقراطية اجتماعية تعزز الكرامة الوطنية للمواطنين، وتفتح الباب نحو أفق اشتراكي يلغي الاستغلال ويضمن العدالة للسكان. نظام ديمقراطي يصون حرية الكلمة والانتظام والضمير، يقدم أفضل ما أنتجته الحضارة الإنسانية في خدمة المجتمع، سياسياً، وفكرياً، واقتصاديا ومعرفياً.
غير أن هذا المشروع، شكل مشروعاً للحل الناجز للصراع مع المشروع الصهيوني، القائم على التمييز العنصري، وشكل حلاً شاملاً لكل قضايا الصراع وعناصره. لكن توضح بالممارسة أنه حل للمرحلة البعيدة من الصراع، ولا يشكل مفتاحاً للمرحلة الراهنة وأن الحالة القائمة بمكوناتها الفلسطينية والإسرائيلية والعربية، لا تحمل إجابات شافية على العديد من الأسئلة التي يطرحها هذا المشروع على أصحابه.
السؤال الأول والرئيس هل بالإمكان تحقيق مشروع ديمقراطي على أيدي قوى غير ديمقراطية. إنه سؤال عن الروافع التي سوف تحمل هذا المشروع، وعن نفوذها في الشارع.
على الصعيد الفلسطيني لم تكن القوى الديمقراطية هي القوى الوازنة في الحالة الوطنية. ومازال الوعي القومي والوطني العام، الموزع بين القومي، والإسلامي (بجذوره) هو الوعي الأكثر انتشارا، وبالتالي كان الحديث عن الدولة الديمقراطية، على أهميتها باعتبارها استشرافاً للمستقبل البعيد للصراع، يعبر في جانبه الأعظم عن رؤية إيديولوجية، تقفز عن الواقع الراهن، وتتجاوزه، ولا تتفاعل معه، ولا تجيب على أسئلته.
وعلى الصعيد العربي كان الحديث عن مفهوم الدولة الديمقراطية يشي بالحديث عن الدولة الاشتراكية التي تقودها قوى وأحزاب إشتراكية يسارية. خاصة وأن الأنظمة العربية كانت موزعة بين تقدمية، ورجعية، للدول الرجعية نفوذها المالي والمستمد من ثرواتها النفطية، وبالتالي قدرتها على التدخل في الشأن الفلسطيني من بوابة «دعم القضية الفلسطينية»، إلى جانب نفوذها السياسي المستمد من حالة التبعية لواشنطن والسياسة الأميركية في المنطقة. أما على الصعيد الإسرائيلي فالحديث عن الدولة الديمقراطية معناه، كما تروج الحركة الصهيونية. بيمينها ويسارها دعوة لإزالة إسرائيل من الوجود ورمي اليهود في البحر، في إستقلال فاقع لما كان يردده بعض الإعلام العربي في الصراع مع إسرائيل.
على الصعيد الدولي كانت هذه الدعوة تفتقر إلى الوضوح، خاصة وإن الحرب العدوانية في حزيران 67 ساقت إلى ولادة القرار 242، الذي دعا إلى الاعتراف بدول المنطقة كلها (بما في ذلك إسرائيل) وأن يكون لها حقها في حدود آمنة ومعترف بها. أي أن القرار رسخ وجود دولة إسرائيل وتجاهل الشعب الفلسطيني، واقتصر حديثه عن اللاجئين. وكانت م.ت.ف، تلك اللحظة غير معترف بها إلا من بعض الدول باعتبارها تعبيراً عن حركة تحرر وطني، لكنها لم ترق إلى موقعها الحالي ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وجزءاً من معادلة الصراع الإقليمي والدولي.
فضلاً عن ذلك افتقر مشروع الدولة الديمقراطية إلى القدرة على الإجابة على أسئلة أخرى. منها قضية اللاجئين، والعلاقة مع حكومة الأردن الذي مازال يقدم نفسه معنياً باستعادة الضفة الغربية كجزء محتل من المملكة. وما هي موازين القوى التي يجب أن تتراكم لصالح هذا المشروع ليشق طريقه.
طرح مشروع الدولة الديمقراطية في ظل تجارب دولية منها التجربة الفيتنامية التي أوحت لكثيرين بضرورة قيام هانوي عربية، (على غرار هانوي فيتنام الديمقراطية) تكون قاعدة ومنطلق الثورة نحو تحرير الأرض المحتلة بشن حرب التحرير الشعبية. أما النهاية فباتت معروفة حين أحدثت حرب أيلول 1970 إنقلاباً دراماتيكياً في الحالة الفلسطينية، وضعتها أمام موقع جديد، انتصب أمامه السؤال التاريخي: ما العمل؟ ما أدى إلى العودة إلى البحث في حقائق الوضع الراهن، في إطار وعي جديد يدعو إلى عدم إسقاط برنامج الدولة الديمقراطية بإعبتارها الحل الناجز للمسألة الفلسطينية، لكن بات من الضروري الخروج من العام إلى الخاص والإجابة على السؤال الإستراتيجي الراهن: «ما هي الحلقة المركزية للمرحلة الراهنة»، بعدما ثبت استحالة الوصول إلى الحل الديمقراطي دفعة واحدة، وبقفزة واحدة ودون المرور بمراحل نضالية، لكل مرحلة خصوصياتها، وفي ظل وضع فلسطيني منتشر في أرجاء العالم، ولكل تجمع خصوصياته.
الذين يطرحون الحل الديمقراطي الآن، بديلاً لأوسلو، ورداً على «مشروع القومية» العنصري، مازالوا يقفزون عن هذا السؤال، ولا يملكون آليات نضالية ولا شعارات توضح محاور هذا البرنامج . هي محاولة لإستعادة الماضي، والعمل على إلباسه حلة جديدة، لكن شكلها لم يغادر مظاهر الماضي. فضلاً عن أن هذا الأمر من شأنه أن يحدث انقلابات سياسية واسعة، تعود بالنضال الوطني الى نقطة الصفر، وكأنها تريد أن تعلن ليس فشل اتفاق أوسلو، بل حتى فشل البرنامج الوطني (البرنامج المرحلي) الذي أعاد تقديم القضية الفلسطينية الى العالم باعتبارها قضية شعب له حقوقه الوطنية المشروعة المعترف بها، وكرس م.ت.ف ممثلاً شرعياً ووحيداً له، وأزاح من الطريق وأسقط كل محاولات الإلحاق والهيمنة والتذويب، إسرائيلياً وإقليمياً.
(7)
يحمل البرنامج الوطني (البرنامج المرحلي الذي اعتمدت م.ت.ف نقاطه العشر عام 1974) في طياته إجابات، إلى حد كبير، وافية للرد على الأسئلة التي تطرحها قضية العودة عن أوسلو وبرنامج أوسلو.
• فهو يعيد الاعتبار لمنظمة التحرر الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، بعد أن كادت المنظمة أن تذوب في السلطة الفلسطينية، إما بتهميش دور المنظمة، أو من خلال شطب وظائفها وإحالة هذه الوظائف الى وزارات السلطة، بينما تتحول السلطة نفسها الى «سلطة بلا سلطة»، كما أقر مرة أخرى الرئيس عباس في خطابه في نيويورك.
• يعيد توحيد الشعب الفلسطيني في الوطن (48+67) وفي الشتات، من خلال صون حقوقه الوطنية المشروعة، الملخصة بالعبارة القانونية ــــ السياسية التي أسقطها اتفاق أوسلو من حساباتها نعني بذلك «تقرير المصير».
والمقصود بتقرير المصير هو النظر الى الحقوق الوطنية المشروعة بدوائرها الثلاث: في إسرائيل: حق الفلسطينيين العرب بالتمتع بالحقوق القومية رداً على «قانون القومية» العنصري. في المناطق المحتلة 67: رحيل الاحتلال والاستيطان وقيام الدولة الوطنية المستقلة كاملة السيادة، وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 4 حزيران 67، أما في الشتات فحق اللاجئين في العودة الى الديار والممتلكات التي هجروا منها منذ العام 1948،
• يعيد القضية الى أساسها باعتبارها قضية شعب تحت الاحتلال، وفي ظل نظام عنصري، أكثر من نصفه مهجر من وطنه. ما يوفر لها في الوقت نفسه غطاء الشرعية الدولية بسلسلة من القرارات، وصلت الى أكثر من 700 قرار تطال القدس، والاستيطان، وحقوق الإنسان، وعودة اللاجئين، وانتهاك القانون الدولي، وإدانة السياسات العنصرية داخل إسرائيل ضد الأقلية القومية.
• يقدم الإجابات الواقعية الثورية على أسئلة الحالة الراهنة. وصموده طوال هذه الفترة الزمنية (منذ 1974) وما دخل عليه من تطورات عكستها قرارات المجلس الوطني والمجلس المركزي في الدورات المتعاقبة أثبت مدى تماسكه برنامجياً، ومدى قدرته على رسم خط العمل الوطني في هذه المرحلة، ومدى قدرته على أن يكون أساساً متيناً لوحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وأساساً لوحدة ميدانية، وسياسية لقواه المنظمة.
فالمجلسان المركزي والوطني (15/1/2018+30/4/2018) ورداً على فشل أوسلو (باعتراف أصحابه) عادا بقراراتهما الى الاجتماع بالبرنامج المرحلي (الوطني) باعتباره في المرحلة الحالية القادر على صون الحقوق الوطنية، والسير بالقضية الوطنية الى الأمام. فقررا التحرر من اتفاق أوسلو، وسحب الاعتراف بإسرائيل، وفك الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي، ووقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، والتمسك بالدولة المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 4 حزيران 67، وحل قضية اللاجئين بموجب القرار 194 الذي كفل لهم حق العودة الى الديار والممتلكات التي هجروا منها منذ العام 1948، ونقل القضية والحقوق الوطنية الى المحافل الدولية في الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية.
ولعل الإضراب الكبير الذي عم المناطق الفلسطينية العربية في إسرائيل، والضفة الفلسطينية وقطاع غزة، والشتات، يؤكد مجدداً وحدة الشعب، من خلال وحدة حقوقه ووحد تمثيله. لقد انقلب اتفاق أوسلو على هذه الوحدة، حين تخلى عن الشعب الفلسطيني في إسرائيل وعن تمثيلهم واستبعدهم من جدول أعماله، كما تخلى عن حق العودة لصالح «حل متفق عليه مع إسرائيل»، وابدى استعداده لإعادة صياغة خط الرابع من حزيران ــ كل هذا يطويه جانباً البرنامج المرحلي (الوطني) الذي يقف الآن أمام تطور لا بد من أن يجيب عليه، وهو كيف يمكن توحيد النضال الوطني، في الوطن والشتات، في مواجهة «صفقة العصر» و«قانون القومية» العنصري باعتبارهما يتساوقان في محاولة شطب الحقوق الوطنية المشروعة لشعب فلسطين.
لقد تقدم محمد بركة رئيس الهيئة العربية العليا للمتابعة في مناطق الـ48 مشروعاً لعقد مؤتمر وطني يجمع كل أطياف الشعب الفلسطيني للتوافق على خطة وطنية شاملة. يشكل البرنامج الوطني (المرحلي) الأساس المتين ليكون مصدر اشتقاقها ما يؤكد أن هذا البرنامج يملك من الرؤية الإستشرافية والواقعية الثورية، والصلابة القانونية، والأبعاد التوحيدية لشعب فلسطين في وطنه وشتاته، هو الرد على السؤال: العودة إلى أين؟■