تاريخ النشر: 2018-10-05 | 19:47
تاريخ النشر: 2018-10-05 | 19:47
كعادته عند كل غروب، يجلس ببابه محتضنا عقوده السبع، مذياعه الصغير، علبة سجائره وهاتفه النقال، يقلب المحطات دون اعتبار للمارة الذين ألفوا المشهد وحفظوه، يرسو على ضالته وهي تشدو بوجع ينز من كلماتها " أروح لمين"، يسند ظهره على الحائط الملاصق للمقعد، بارتياح يبدو واضحا على محياه، ثم ينادي بملء فيه: القهوة يا حليمة.
يخرج لفافة من علبة التبغ الفاخرة، يشعلها بعد جهد ولأي، ينفث دخانها بشكل متتابع للتأكد من اشتعالها، فتغمر المكان رائحة الهيشة القاتلة، يتبعها بسعال متصل تحمر له عيناه، ثم يعيد النداء مرة أخرى: القهوة يا حليمة.، فتطل بتجاعيدها الغائرة وثقل السنين الذي تنوء تحته ، تضع دلة القهوة أمامه وتأخذ لها مجلسا على العتبة المجاوره، تتابع الوجوه التي تمر من أمامها، ترد التحية أحيانا وأحيانا كثيرة تساله مستفسرة: مش بنت خضرة ولا انا مش شايفة؟
- لا ..مش شايفة. ويعود إلى فنجانه من جديد، يرتشف منه عدة رشفات، يتبعها بنفس جديد، يغطي المكان بسحابة دخانه الداكنة، يحاول مجاراة الست في أدائها، فيخنقه السعال والبلغم المحتقن في صدره، يحاول التخلص منه، دون أدنى التفات للمارة، الذين تحاصره نظراتهم بالابتسام حينا والازدراء في أحيان كثيرة، خصوصا من أولئك المتخمين بالتجهم والصلف، يبصق متعمدا لحظة مرورهم وربما اصطنع لحظة مشابهة ، لكن الامر اختلف هذه المرة مع كثرة النداءات التي تدعو الناس من أماكن متعددة ، فلملم أشياءه على عجل وصاح في عجوزه على مسمع الجميع : ادخلي يا حرمة باين هالليلة ما لهاش آخر.