الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الغلابة بلا طبيب

الغلابة بلا طبيب

تاريخ النشر: 2020-07-29 | 14:46

شريف حسني الشريف
شريف حسني الشريف

برحيل الدكتور المصري محم مشالي الذي عرف بـ «طبيب الغلابة»، تنطوي صفحة مؤثرة من صفحات العطاء، التي عملت في خدمة الإنسانية، من خلال تخديم إطارها المجتمعي على المستوى الصحي، والرعاية الطبية في صمت وقناعة، خفية، وبعيداً عن الأنظار وبريق الشهرة، ونجومية مواقع التواصل الاجتماعي، التي سطع نجم الراحل الكبير عبرها في الفترة الأخيرة، بعد أن لفتت إنسانيته الأنظار، وقيام وسائل الاعلام  بتسليط الضوء على مساهمته. بعد فترة طويلة تجاوزت أربعين عاماً من العمل في صمت، في  ظل سعي حثيث لتحقيق قناعة صاحبها، بأن خير العمل ما كان في السر، وما كان خالصاً لوجه الله بعيدا عن الأضواء، وبريق الشهرة.

تعرفت على طبيب الغلابة رحمه الله، من خلال برنامج تلفزيوني يقدم في رمضان بعنوان قلبي اطمأن، يركز على دراسة الحالات الانسانية الصعبة، ويسعى لمسح الألم وتقديم جانب من المساعدة، لتخفيف المعاناة. مما يعيد قليلاً من ألق الفرح لحياة صاحبها. لكنه رفض وبإصرار عجيب قبول أي نوع من المساعدة، أيا كان نوعها وقيمتها، واكتفى بقبول سماعة طبيبة، مع توجيه الدعوة بتقديم المساعدات للجمعيات التي تعتني بتلبية حاجات الفقراء والمعوزين. ورغم العروض المقدمة إليه على تنوعها في سعي لاستثمار ربما يكون له بعداً اعلامياً، وغايات أخرى، أصحابها أعلم بها، وبالمرامي من وراء تقديمها. لم يرض بقبول أي منها، معتمداً على مخزونه المعروفي، وخبرته، في السعي لإضفاء ابتسامة صغيرة بحجم العالم لكل قلب، و لكل محتاج إليها.

يقول دوستويفسكي إذا كانت سعادة العالم متوقفة على قتل طفل، فإن العالم لا يستحق هذه السعادة. وما فعله الراحل الكبير، كان السعي الدؤوب لإنقاذ كل طفل، وتقديم العون لكل محتاج. في إعلاء لقيمة الإنسان المقهور، وفي محاولة لتخفيف القليل، من أنين المعذبين في الأرض.

رثاء طبيب الغلابة هو احتفاء بقامة إنسانية سامقة، شكلت مثلاً يفتقر إليه الأكثرية، في إطار مجتمعي منهار بشكل فعلي، أو هو على شفير الانهيار، بفعل عوامل كثيرة ومتداخلة.

قيامه بتطبيب الفقراء والمساكين على امتداد أكثر من نصف قرن هو تجسيد حي لقناعاته، ووضعها موضوع التطبيق العملي، تاركاً التحليق في فضاء الوهم، لأصحاب الطوباويات. مع الإدراك الكلي بأن الصعوبة لا تكمن في الوصول إلى البداية، والقيام بالخطوة الأولى، والتي كثيراً ما قادت في أحوال شتى أصحابها للتراجع، بسبب حسابات الربح والخسارة. بل في الاستمرار والمتابعة، برغم كل العقبات والإغراءات التي قد تكون دافعا قوياً للنكوص.

الاخلاص للقناعة ووضعها موضع التطبيق العملي، هو إيمان مطلق بالإنسان وبضرورة السعي لتخفيف آلامه، في ظل طغيان القيم المادية، وتسيد الشعارات التي تخفي خلفها، العجز والخواء الروحي.

 عمل الراحل منفرداً، رصيده الإنساني يبلغ عشرات الآلاف من دعوات الغلابة الذين عاش من أجلهم ولهم، حتى اللحظات الأخيرة. في ظل صبر وزهد عجيب، وعاش فقيراً كما الفقراء، لم يتوقف عند مظاهر الأبهة، ومقتضيات اللقب العلمي الذي بحوزته، حتى أن الرائي لا يكاد يميز بيننه، وبين أبسط ساكن من سكان الحي، في المكان الذي يمارس فيه عمله، في ظل اتحاد لا يكاد ينفصل عن روحية المكان، وكينونة الناس البسطاء الذين عاش بينهم، وسعي لمداوتهم، وتقديم الدواء لهم، والاكتفاء بالأجر الزهيد الذي كان يتقضاه منهم، والذي كثيراً ما كان يتغاضى عن قبوله، حين يكون الدفع متعذراً أو غير متاح في، ظل ظروف خانقة تكاد تطحن الحجر قبل البشر لمن لا يكاد يملك سوى الوجع، فأي مأساة أكبر من أن يغدو الإنسان متسولاً في وطنه؟ لا يكاد يجد الفتات كي يتقوت به، حيث يسود التغول كافة مظاهر الحياة، ويطبع بميسمه كل شيء.

المشالي هو احتفاء بالطيبة وبالإنسانية المجردة، عن الأهواء، والمصالح، بأسمى بأشكالها، وتكريس لنموذج يصلح دون غيره ليكون مثالاً، وقدوة يتم التطلع إليها، و السير على هداها، بعيداً عن مفهوم الصدقة والإحسان، حين لا يصبح عمل الخير وسيلة إلى غاية بل، يصبح هو غاية بحد ذاته. في إطار قيمي يصبح الإنسان المغلوب على أمره هو المحور، لا مجرد مساق لتحصيل أية مكاسب، سوى زيادة الرصيد الإنساني لمخزون السعادة، بالعمل على تخفيف الألم.

حين تحيا قناعاتك بشكل صادق وتضعها موضع التطبيق، تكون قد بدأت بمقاربة نموذج إنساني يكاد يكون فريداً، وبدأت بالخطوة الاولى في السير على درب الآلام. ولا تكون محاولات الراحل قد ذهبت في جزء منها سدى، حين كرس نفسه لخدمة قضيته الإنسانية ذات البعد الأخلاقي، مستعيناً بسماعة صغيرة لكنها تكفي لإيصال خفقات كل القلوب المتعبة إليه. وتمهد لإيصال لمسته لكل من يحتاج إليها.

ختاماً يمكن القول بأن الراحل من خلال إنسانيته المرهفة، وعمله المؤثر قد أضحى أيقونة تشع، داعية لاستمرار رحلة العطاء، ولكن المخاوف تكمن في تأطير هذا النموذج في شكلانية فجة، تحتفي بذكرى الراحل، ولا تتبع خطاه.

×
أخبار
القرن الأفريقي ساحة تنافس جديدة: النفوذ المتكامل لتركيا يقابله الحسابات البحرية لإسرائيل خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر الشيخ يطالب بروكسل بالضغط على إسرائيل لتسهيل الانتخابات واحتجاز «المقاصة» تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط