لا تقاس أزمة التعليم في قطاع غزة بعدد المدارس المدمرة أو الأيام التي توقفت فيها الدراسة، بل بحجم الفاقد التعليمي الذي تراكم على مدى ما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية. وتشير أحدث بيانات اليونيسف إلى أن نحو 700 ألف طالب وطالبة حرموا من التعليم الحضوري النظامي منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فيما تعرض 98% من المباني المدرسية لأضرار، ويحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل كبيرة أو إعادة بناء كاملة. كما أن نحو 420 ألف طفل ما زالوا محرومين من أي تعليم وجاهي منتظم.
وتكشف هذه الأرقام أن الأزمة تجاوزت حدود تدمير البنية التحتية، لتتحول إلى أزمة تنموية تمس رأس المال البشري الفلسطيني. فكل شهر يقضيه الطلبة خارج بيئة تعليمية مستقرة يعني خسارة في المهارات الأساسية، واتساع الفجوة المعرفية، وارتفاع كلفة التعافي في المستقبل.
ويعد العام الأول للحرب الأخطر في تاريخ التعليم الفلسطيني الحديث؛ إذ توقفت العملية التعليمية النظامية بصورة شبه كاملة، وتعذر على الجهات المختصة إعادة تنظيمها بسبب استمرار العمليات العسكرية، والنزوح الجماعي، وتحول معظم المدارس إلى مراكز إيواء، فضلاً عن تدمير مئات المدارس أو تعرضها لأضرار جسيمة. ونتيجة لذلك، فقد عشرات الآلاف من الطلبة الاتصال المنتظم بالمعلمين والمناهج، وهو ما أدى إلى تراكم فاقد تعليمي يصعب تعويضه بالحلول التقليدية.
ولا يقتصر الفاقد التعليمي على عدم دراسة المناهج، بل يشمل تراجع مهارات القراءة والكتابة والحساب، وضعف التفكير التحليلي، وتراجع الدافعية للتعلم، وارتفاع احتمالات التسرب المدرسي. كما أن الانقطاع الطويل عن التعليم في المراحل الأساسية يترك آثاراً ممتدة على المراحل الثانوية والجامعية وسوق العمل، لأن المعرفة تراكمية، وأي انقطاع طويل ينعكس على جودة التعلم اللاحق.
أمام هذا الواقع، اتجهت وزارة التربية والتعليم وشركاؤها إلى التعليم الإلكتروني باعتباره استجابة طارئة للحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية العملية التعليمية. وفي الوقت نفسه، واصلت الأونروا تشغيل برنامجها للتعليم عن بُعد، الذي استفاد منه مئات الآلاف من الطلبة بإشراف آلاف المعلمين، رغم الانقطاعات المتكررة في الكهرباء والاتصالات.
إلا أن التعليم الإلكتروني، رغم أهميته، لم يكن قادراً على تعويض التعليم الوجاهي. فالبيئة الرقمية في غزة تعرضت لانهيار واسع؛ إذ عانت الأسر من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وضعف خدمات الإنترنت، ونقص الأجهزة الذكية، إلى جانب النزوح المتكرر واكتظاظ مراكز الإيواء. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الوصول إلى المنصة التعليمية تحديًا يوميًا، بينما تتحول متابعة الدروس إلى مهمة ثانوية أمام أولويات البقاء وتأمين الغذاء والمياه.
كما أن التعليم الإلكتروني لا يوفر التفاعل الصفي المباشر، ولا الأنشطة العملية، ولا التقويم المستمر، وهي عناصر أساسية لاكتساب المهارات، خصوصًا لدى طلبة الصفوف الأولى. لذلك، فإن نجاحه اقتصر على الحد من الانقطاع الكامل، لكنه لم يمنع اتساع الفجوة التعليمية بين طلبة غزة وأقرانهم في البيئات التعليمية المستقرة.
ومع استمرار الأزمة، برزت المساحات التعليمية المؤقتة والخيام التعليمية بوصفها بديلًا إنسانياً لتوفير الحد الأدنى من التعلم. وتشير أحدث البيانات إلى توسع هذه المبادرات بدعم من وزارة التربية والتعليم، والأونروا، واليونيسف، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بما في ذلك إنشاء 100 مساحة تعليمية جديدة خلال عام 2026 لإعادة إتاحة التعليم للأطفال المتضررين.
كما أن استهداف الجامعات يحمل دلالة تتجاوز تدمير البنية التحتية، إذ يمثل استهدافاً لمراكز إنتاج المعرفة والبحث العلمي. فالجامعات ليست مجرد قاعات تدريس، وإنما مؤسسات لإعداد الأطباء والمهندسين والمعلمين والصحفيين والمحامين والباحثين. وعندما تتوقف هذه المؤسسات أو تُدمر، فإن المجتمع يفقد القدرة على تجديد نخبه العلمية والمهنية، ويصبح أكثر اعتماداً على المساعدات الخارجية وأقل قدرة على قيادة عملية التعافي وإعادة الإعمار.
وتكشف الإحصاءات المتعلقة بالكوادر التعليمية عن خسارة لا تقل خطورة. فقد استشهد مئات المعلمين وأساتذة الجامعات، وأصيب آخرون، بينما اضطر كثير منهم إلى النزوح أو فقدان مساكنهم ومصادر دخلهم. وتمثل هذه الخسائر استنزافاً مباشراً لرأس المال البشري الذي يحتاج بناؤه إلى سنوات طويلة من التأهيل والخبرة، ولا يمكن تعويضه في فترة قصيرة، خصوصاً في ظل القيود المفروضة على الحركة والسفر واستمرار الظروف الإنسانية الكارثية.
أما على المستوى النفسي والاجتماعي، فإن حرمان الأطفال والشباب من التعليم لفترات ممتدة يفاقم آثار الصدمات النفسية التي خلفتها الحرب، ويضعف شعورهم بالأمان والاستقرار، ويزيد من احتمالات التسرب، وعمالة الأطفال، والزواج المبكر، والانخراط في أنماط سلوكية سلبية. ولذلك تنظر المنظمات الدولية إلى التعليم في حالات الطوارئ باعتباره تدخلاً منقذاً للحياة، وليس خدمة يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الحروب.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن تدمير التعليم يعني إضعاف قدرة المجتمع على التعافي مستقبلاً. فإعادة بناء المدارس والجامعات قد تستغرق سنوات، أما إعادة بناء الإنسان فتتطلب زمناً أطول واستثمارات أكبر. وتشير تقارير التنمية إلى أن الدول التي تتعرض لانقطاع طويل في التعليم تواجه تراجعاً في الإنتاجية والنمو الاقتصادي لعقود لاحقة، لأن خسارة رأس المال البشري تتراكم آثارها جيلاً بعد جيل.
كما أن استمرار الأزمة يهدد بحدوث فجوة معرفية غير مسبوقة بين طلبة غزة وأقرانهم في بقية أنحاء العالم. ففي الوقت الذي تتجه فيه الأنظمة التعليمية نحو الذكاء الاصطناعي، والتعليم الرقمي، والمهارات المستقبلية، يناضل طلبة غزة للحصول على مكان آمن للدراسة أو مصدر كهرباء أو اتصال بالإنترنت. وهذا الاتساع في الفجوة الرقمية والمعرفية ستكون له انعكاسات عميقة على القدرة التنافسية للخريجين وفرصهم في سوق العمل الإقليمي والدولي.
ولذلك فإن مرحلة ما بعد الحرب يجب ألا تقتصر على إعادة إعمار المباني التعليمية، بل ينبغي أن تنطلق من رؤية شاملة لإعادة بناء المنظومة التعليمية ورأس المال البشري. ويتطلب ذلك وضع خطة وطنية تتضمن إعادة تأهيل المدارس والجامعات، وتعويض الفاقد التعليمي، وتوفير برامج للدعم النفسي والاجتماعي، وإعادة تأهيل المعلمين، وتوسيع التعليم الرقمي، وتوفير منح دراسية داخلية وخارجية للطلبة الذين تعطلت مسيرتهم التعليمية، إضافة إلى إنشاء صندوق دولي مخصص لإعادة إعمار التعليم في قطاع غزة.
وفي الوقت ذاته، تبرز أهمية توثيق الانتهاكات التي تعرض لها قطاع التعليم باعتبارها جزءاً من منظومة المساءلة القانونية الدولية. فاستهداف المؤسسات التعليمية والكوادر الأكاديمية وحرمان المدنيين من حقهم في التعليم يشكل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني وللاتفاقيات الدولية التي تكفل حماية التعليم أثناء النزاعات المسلحة، الأمر الذي يفرض على المجتمع الدولي الانتقال من مرحلة الرصد والتوثيق إلى اتخاذ إجراءات عملية لضمان عدم الإفلات من العقاب.
إن ما شهده قطاع التعليم في غزة لا يمثل أزمة تعليمية عابرة، بل يشكل تهديداً وجودياً لمستقبل المجتمع الفلسطيني بأكمله. فالمعركة لم تعد على المباني فقط، وإنما على الإنسان، وعلى المعرفة، وعلى قدرة الأجيال القادمة على بناء وطنها واستعادة مسار التنمية. ومن هنا، فإن الاستثمار في إعادة بناء التعليم يجب أن ينظر إليه بوصفه استثماراً في الأمن والاستقرار والتنمية، وليس مجرد استجابة إنسانية مؤقتة. فكل مدرسة يعاد افتتاحها، وكل جامعة تستأنف رسالتها، وكل طالب يعود إلى مقعده الدراسي، يمثل خطوة حقيقية نحو استعادة الحياة، وحماية الهوية الوطنية، وصناعة مستقبل أكثر قدرة على الصمود في مواجهة محاولات التجهيل والإقصاء.