تاريخ النشر: 2018-12-01 | 12:39
تاريخ النشر: 2018-12-01 | 12:39
نبض الحياة
إستوقفني لقاء إذاعي مع أحد أعمدة الرأي في المشهد السياسي والإعلامي الفلسطيني يوم الأربعاء الماضي الموافق 28 تشرين ثاني / نوفمبر 2018 عندما سأله المذيع عن هجوم التطبيع الرسمي العربي مع دولة الإستعمار الإسرائيلية، فجاءت الإجابة غريبة وبعيدة عن الدقة، حيث إعتبر صاحب الرأي، عدم وجود تطبيع بالمعنى الدقيق للكلمة، وكل ما هنالك لا يعدوعن محاولات إختراق مع النظام الرسمي، وهي قنوات ضيقة ومحدودة. وأضاف صاحب الرأي، ان الساحات العربية المرتبطة بإسرائيل في علاقات ديبلوماسية وعلنية لم ينجح فيها التطبيع. ومازال الرأي العام العربي لا يقبل التطبيع مع إسرائيل.
ما تقدم من جواب يتناقض مع الواقع في النظام الرسمي العربي، الذي يتسابق قادته ومؤسساته الحاكمة بشكل علني وسري على إقامة علاقات تطبيعية مع إسرائيل إستجابة لإملاءات إدارة ترامب المتصهينة، ونتيجة ضعف وتهالك النظام الرسمي العربي، وعدم تمكن أقطابه من الدفاع عن أنظمتهم بقواهم الذاتية، مما دعا العديد منها إلى الركض في دوامة التطبيع مع دولة الإستعمار الإسرائيلية. والتطبيع هنا لا يعني مستوى وحجم النجاح بين هذا النظام أو ذاك في العلاقة مع إسرائيل المارقة، وإنعكاس هذا النجاح في الأوساط الشعبية. لإن التطبيع كأي علاقة تطبيع بين دولتين في حالة عداء يبدأ أولا بالعلاقات الرسمية ثم يتحول فيما بعد للإطار الأشمل. وبالتالي التطبيع مع العرب يبدأ في العلاقة الرسمية بين دولة العدو وبين الأنظمة العربية المتهافتة، كمقدمة لإختراق مزاج الجماهير الشعبية الرافض لمبدأ العلاقة مع دولة التطهير العرقي الإسرائيلية.
وهنا دلالة التطبيع تكمن وتتمثل في كسر التابو العربي السياسي والديبلوماسي والإقتصادي والتجاري والأمني والإعلامي والثقافي والرياضي، الذي تسعى من خلاله الإنظمة العربية المتورطة في عملية التطبيع المجانية إلى خلق ميكانيزمات ومناخ إيجابي يهيء لتوسيعه، ونقله من الحيز الرسمي المحدود إلى الحيز الشعبي العام، والتأصيل له. وبالتالي الحديث عن التطبيع، وبغض النظر عن حجمه، وطبيعته، والجهة المتورطة به، لا يمكن إختزاله، أو التقليل من شأن ما يجري على الأرض، ولا يجوز ربطه بمدى إنتشاره وتعميمه في أوساط الجماهير العربية. لإن ما تريده دولة الإستعمار الإسرائيلية، هو العلاقات الديبلوماسية والسياسية والإقتصادية والأمنية بهدف ترسيخ القبول الرسمي بها كدولة "شرعية" في المنطقة العربية، وإستثمار ذلك على أكثر من مستوى وصعيد في المشهد الداخلي، وفي العلاقة مع الشعب العربي الفلسطيني، ومع الشعوب العربية والإسلامية ومن ثم مع المجموعات القارية والأممية.
وما تقدم يحقق أكثر من هدف وغاية لدولة الإستعمار الإسرائيلية، منها: أولا قلب معادلة الصراع رأسا على عقب؛ ثانيا شطب وتصفية عملية السلام، أو على أقل تقدير إحالتها لمسألة ثانوية غير ذات شأن؛ ثالثا إحداث نقلة نوعية في طبيعة العلاقات مع الدول العربية، وتحويلها لعلاقات طبيعية، لا تحمل أية أبعاد عدائية؛ رابعا إقامة تحالفات إسرائيلية عربية رسمية ضد قوى إقليمية؛ رابعا تسيد إسرائيل على رأس الإقليم الشرق أوسطي الكبير، وليس فقط على الوطن العربي، وهو ما يعني تغيير السيناريو، الذي طبق سابقا مع نهاية 2010 بالإعتماد الأميركي الإسرائيلي على جماعة الإخوان المسلمين لإحداث التغيير المطلوب، إلى الإعتماد على الأنظمة العربية الرسمية المتهالكة والمهزومة والتابعة للغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا؛ خامسا إجهاض أي عملية تحول ديمقراطي في الوطن العربي، وضرب المشروع القومي النهضوي في مقتل؛ سادسا فتح المجال أمام إسرائيل لإختراق الدول الإسلامية والقارات الأفريقية والأسيوية واللاتينية الأميركية، ومن ثم المنظمات القارية والأممية؛ سابعا تغيير قواعد العمل السياسي والديبلوماسي في الإقليم لصالح إسرائيل.
وعليه فإن التقليل من عملية التطبيع، والخلط غير المتعمد بينه وبين مستوى إختراقه للجماهير الشعبية العربية فيه نكوص، وتسطيح وتبسيط لما يجري، وكأنه أمر ثانوي ليس ذات شأن هام وخطير. وهنا تكمن الثغرة العميقة في قراءة التطبيع وتداعياته وأبعاده. وهو ما يفرض على أصحاب وجهة النظر التبسيطية إعادة نظر فيما ذهبوا إليه، وقراءة اللوحة بالشاكلة الصحيحة والواجبة.
[email protected]
[email protected]