تاريخ النشر: 2026-03-24 | 13:33
تاريخ النشر: 2026-03-24 | 13:33
عندما يصبح الاغتيال أداة دولة،تغيب القوانين والأعراف الدولية،وتحل مكانها شريعة الغاب الوحشية، في تاريخ الصراعات الإنسانية، ظل الاغتيال سلاحاً هامشياً، تُستخدمه التنظيمات السرية والجماعات المتمردة في الظل. لكن مع قيام دولة إسرائيل عام 1948، تحول هذا السلاح إلى أداة مركزية في ترسانة الدولة، وأصبح الاغتيال الموجَّه سياسة رسمية تُنفذها أجهزة استخباراتية محترفة، وتُقرها أعلى المستويات السياسية، وتتطور عبر العقود لتواكب ثورة التكنولوجيا الرقمية.
الكاتب الصحفي رونين برغمان، الذي وصفه ديفيد ريمنيك محرر مجلة النيويوركر بأنه "أفضل مراسل استقصائي في إسرائيل بلا منازع" ، يقدم في كتابه الموسوعي "انهض واقتل أولاً، يتحدث عن التاريخ السري لعمليات الاغتيال الموجهة في إسرائيل" (Rise and Kill First: The Secret History of Israel's Targeted Assassinations) عملاً استثنائياً يمتد على أكثر من 750 صفحة، ويستند إلى آلاف الوثائق السرية ومئات المقابلات مع صناع القرار والمنفذين، بمن فيهم رؤساء وزراء إسرائيليون ورؤساء أجهزة استخبارات . هذا الكتاب ليس مجرد توثيق تاريخي، بل هو تحقيق معمق في فلسفة القتل الوقائي، وتحولاتها التكنولوجية، وثمنها الأخلاقي والسياسي الباهظ.
الإشكالية الرئيسية
كيف تحولت عمليات الاغتيال الموجهة من أدوات تقليدية محدودة إلى منظومة تكنولوجية متكاملة تعتمد على التكنولوجيا والتحول الرقمي. وما هو الثمن الأخلاقي والسياسي الذي دفعته إسرائيل - ولا تزال تدفعه- مقابل بناء "آلة الاغتيال" الأكثر كفاءة دوليا، وكيف أثر الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا في طبيعة القرار ومساءلة صناعه.
هذه التساؤلات تشكل المحاور الأساسية التي يعالجها كتاب برغمان، والتي سنسعى في هذا المقال إلى استعراضها وتحليلها قدر المستطاع على النحو الآتي:
المحور الأول: العنوان والتأصيل الفكري - "إذا جاءك أحد ليقتلك، فانهض واقتله أولاً"
يستمد الصحفي/ برغمان ،عنوان كتابه من مقطع في التلمود اليهودي المحرف يقول "إذا جاءك أحد ليقتلك، فانهض واقتله أولاً" . هذا المبدأ، وفقاً للمؤلف، ليس مجرد قاعدة دينية، بل هو غريزة متأصلة في الحمض النووي للمجتمع الإسرائيلي، تشكلت عبر قرون من الاضطهاد وصولاً إلى محرقة اليهود الهولوكست في الحرب العالمية الثانية، ثم تبلورت كعقيدة أمنية راسخة منذ تأسيس الدولة .
ويشير برغمان إلى أن نسبة عالية ممن أجرى معهم مقابلات من عملاء الأجهزة الأمنية الاسرائيلية استشهدوا بهذه المقولة التلمودية لتبرير أفعالهم، كما استخدمها المستشارون القانونيون للجيش الإسرائيلي لتقديم عمليات الاغتيال كأعمال حرب مشروعة وليست جرائم قتل خارج إطار القانون تدخل في جرائم الحرب والجرائم ضد الأنسانية.
هذا التأصيل الفكري يفسر لماذا لم تكن (عمليات الاغتيال) مجرد خيار تكتيكي طارئ، بل فلسفة أمنية متكاملة تطورت على مدى سبعة عقود داخل اسرائيل ، وطبقت على نطاق واسع ضد أعدائها المتعددين، من البريطانيين في أربعينيات القرن الماضي، إلى قادة منظمة التحرير الفلسطينية، ثم قادة حماس وحزب الله، وصولاً إلى القادة والعلماء النوويين الإيرانيين .
المحور الثاني: المنهج والمصادر - رحلة استقصائية استثنائية
ما يميز كتاب (برغمان) هو المنهج الاستقصائي الاستثنائي الذي اتبعه. فقد استغرق العمل على الكتاب سنوات طويلة، جمع خلالها آلاف الوثائق السرية التي حصل عليها بصعوبة بالغة، وأجرى أكثر من ألف مقابلة مع شخصيات محورية في تاريخ إسرائيل الأمني .
2.1 صناع القرار
تمكن برغمان من الحصول على تعاون استثنائي من العديد من رؤساء الوزراء الإسرائيليين، منهم شمعون بيريز، وإيهود باراك، وأرئيل شارون، وبنيامين نتنياهو . هؤلاء لم يكونوا مجرد شهود على الأحداث، بل كانوا في كثير من الحالات هم من اتخذوا القرارات النهائية بشأن "من يموت ومن يعيش".
2.2 رؤساء الأجهزة والمنفذون
إلى جانب السياسيين، أجرى برغمان مقابلات مع رؤساء وقادة في الموساد (المخابرات الخارجية)، والشاباك (الأمن الداخلي)، وسلاح الجو، ووحدة القيصرية (الموساد داخل الموساد) المسؤولة عن العمليات الخاصة، وعملاء سابقين وحاليين نفذوا عمليات اغتيال بأنفسهم .
2.3 الوثائق والتقارير
استند برغمان إلى آلاف الصفحات من الوثائق التي ظلت سرية لعقود، بما فيها تقارير العمليات، ومحاضر اجتماعات اللجان الوزارية، وتقييمات ما بعد العمليات . هذه الوثائق مكنته من إعادة بناء التفاصيل الدقيقة لعشرات العمليات، وكشف ما جرى خلف الكواليس.
المحور الثالث: الثورة التكنولوجية في صناعة الموت
يمثل التحول التكنولوجي في عمليات الاغتيال أحد أبرز محاور الكتاب. يوضح برغمان كيف تطورت أساليب الاغتيال من العمليات اليدوية المباشرة إلى (حرب سيبرانية) والصواريخ الموجهة بالدقة المتناهية.
3.1 مرحلة العمليات اليدوية (1948-1980)
في العقود الأولى، اعتمدت إسرائيل على عمليات كوماندوس تقليدية، وزرع جواسيس، واستخدام عبوات ناسفة بدائية نسبياً. يروي برغمان قصة محاولة اغتيال ياسر عرفات باستخدام طبيب نفسي حاول غسل دماغ معتقل فلسطيني وتحويله إلى "قاطع مبرمج" على غرار فيلم "المرشح المنشوري"، لكن المحاولة باءت بالفشل عندما ذهب الفلسطيني مباشرة إلى الشرطة الأردنية وأخبرهم بـ"سذاجة الإسرائيليين" .
3.2 مرحلة الابتكارات التكنولوجية (1980-2000)
شهدت هذه المرحلة تطوراً كبيراً في أدوات الاغتيال، فظهرت:
· الهواتف المفخخة: أجهزة تتفجر عند الرد على المكالمة .
· معجون الأسنان المسموم: استخدم في اغتيال القيادي في حماس محمود المبحوح في دبي عام 2010 .
· الإطارات الاحتياطية المفخخة: تُزرع في مركبات الأهداف وتفجر عن بعد .
· السموم بطيئة المفعول: طور الموساد سمومًا تستغرق أسابيع لقتل الهدف، لتجنب كشف الجريمة فوراً .
3.3 مرحلة التكنولوجيا والتحول الرقمي من عام (2000 - حتى الآن)
يمثل مطلع الألفية الثالثة نقطة تحول جذرية، مع دخول عصر الطائرات بدون طيار (الدرونز) والحرب السيبرانية.
أ. عصر الدرونز (طائرة بدون طيار).
يخصص برغمان فصلاً مهماً بعنوان "عصر الدرونز" ، ويشرح كيف أحدثت الطائرات بدون طيار ثورة في عمليات الاغتيال. فبدلاً من إرسال فرق اغتيال تخاطر بحياتها وتحتاج لشهور من الإعداد، أصبح بمقدور مشغلين يجلسون في غرف مكيفة آلاف الأميال بعيداً، الضغط على زر لقتل هدفهم.
يصف برغمان المشهد الصادم، "أصبح منفذو الاغتيال الآن موظفين عاديين يدخلون إلى مكاتب زجاجية في الصباح، ويضغطون على أزرار لقتل بشر، ثم يعودون إلى منازلهم في المساء ليلعبوا مع أطفالهم" .
ب. وحدة 8200 الاستخباراتية والحرب السيبرانية
يكشف برغمان عن الدور الحاسم لوحدة 8200 الإسرائيلية، عملاق الاستخبارات الإلكترونية، في عمليات الاغتيال. فقد طورت الوحدة قدرات هائلة على اختراق أنظمة الاتصالات، وتتبع تحركات الأهداف عبر هواتفهم النقالة، بل وحتى التحكم في الأجهزة الإلكترونية المحيطة بهم .
ويورد المؤلف قصة "تمرد الضباط في الوحدة 8200" عندما رفض عدد من الضباط مواصلة العمل في استهداف أهداف فلسطينية بدعوى أن المعلومات تجمع دون تمييز بين مقاتلين ومدنيين أبرياء .
ج. التأثير الأمريكي
يشير برغمان إلى أن الولايات المتحدة استفادت بشكل كبير من التجربة الإسرائيلية، خاصة بعد هجمات 11 سبتمبر. ففي عهد الرئيس بوش الابن، تبنت أمريكا العديد من تقنيات الاغتيال الإسرائيلية، بما في ذلك أنظمة القيادة والتحكم، وغرف العمليات، وطرق جمع المعلومات، وتكنولوجيا الدرونز. وكذلك استمر الرئيس أوباما في هذا النهج، بل ووسعه ليشمل مئات العمليات بطائرات بدون طيار .
المحور الرابع: نماذج صادمة من الكتاب
يزخر الكتاب بقصص عمليات تكشف عن جوانب مذهلة ومرعبة في آن واحد ومنها التالي:
4.1 مطاردة ياسر عرفات - 35 عاماً من محاولات القتل.
يخصص برغمان مساحة واسعة لمطاردة ياسر عرفات، التي استمرت من 1964 حتى وفاته عام 2004. يروي كيف حاولت إسرائيل اغتياله عشرات المرات، وأخطرها كان في أكتوبر 1982 عندما اكتشف الموساد أن طائرة تقل عرفات أقلعت من أثينا متجهة إلى القاهرة.
يقص برغمان تفاصيل مثيرة، رئيس الأركان رفائيل إيتان أمر سلاح الجو بإسقاط الطائرة، لكن قائد السلاح الجوي تشكك في صحة المعلومات لأنه تساءل، "لماذا يطير عرفات في طائرة شحن متواضعة بدلاً من طائرة رسمية لائقة بمكانته". استطاع قائد سلاح الجو الإسرائيلي المماطلة حتى تأكد أن الراكب ليس عرفات بل شقيقه فتحي، رئيس الهلال الأحمر الفلسطيني، الذي كان ينقل 30 طفلاً جريحاً للعلاج في القاهرة، في اللحظة الأخيرة، أُوقف الهجوم .
4.2 اغتيال القائد/يحيى عياش "المهندس".
يشكل اغتيال يحيى عياش، المهندس الذي طور قدرات حماس التفجيرية، نقطة تحول. يروي برغمان كيف تمكن جهاز الشاباك الاسرائيلي من تجنيد عميل يدعى /كمال حماد، الذي كان صديقاً لصاحب المنزل الذي يختبئ فيه عياش في بيت لاهيا. حماد هو من أوصل الهاتف المفخخ لعياش، وهرب فوراً بعد التفجير إلى إسرائيل، حيث اختفى عن الأنظار وتولى "الشاباك" حمايته. سلم لهم هاتفاً نقالاً مزروعاً فيه 15 غراماً من المتفجرات. في الخامس من يناير 1996، اتصل والد عياش من الضفة الغربية بابنه عبر ذلك الهاتف المحمول، وبعد دقائق قبل انتهاء المكالمة، ضغط الضابط المشغل على الزر، فتفجر الهاتف بجانب رأس عياش وقتله .
4.3 حملة اغتيال العلماء النوويين الإيرانيين
يكشف برغمان كيف اختارت إسرائيل عدم شن هجوم عسكري واسع على المنشآت النووية الإيرانية، وبدلاً من ذلك نفذت سلسلة اغتيالات استهدفت 6 علماء نوويين إيرانيين بارزين. هذه الاستراتيجية كانت وفقاً لمبدأ مئير داغان (رئيس الموساد الأسبق) الذي آمن بأن "الحروب يمكن كسبها بعمليات مركزة خلف خطوط العدو" .
4.4 "العدو في معجون الأسنان" - مقتل المبحوح.
يروي برغمان تفاصيل اغتيال القيادي في حركة حماس/ محمود المبحوح في دبي 2010، حيث دخل فريق من 26 عميلاً إلى الإمارات بجوازات سفر مزورة، وتتبعوا المبحوح إلى فندقه، وتسلموا غرفة مجاورة له، وتسربوا إلى غرفته بعد مغادرتها وحقنوا وسائد الأوكسجين بغاز سام، وعندما عاد المبحوح ونام، استنشق الغاز ومات. ثم نظف الفريق الغرفة وغادر دبي قبل اكتشاف الجثة .
المحور الخامس: جدلية التكتيك والاستراتيجية - نجاحات فورية وإخفاقات بعيدة المدى
يقدم برغمان تقييماً متوازناً لعمليات الاغتيال، لا يخفي نجاحاتها التكتيكية، لكنه يكشف عن كلفتها الاستراتيجية الباهظة.
5.1 النجاحات التكتيكية
بحسب برغمان، نفذت إسرائيل أكثر من 2700 عملية اغتيال منذ تأسيسها، وهو رقم يفوق بكثير أي دولة غربية أخرى في العالم ، الغالبية العظمى من هذه العمليات نجحت في تصفية الهدف، وأضعفت قدرات التنظيمات المعادية، وردعت آخرين، وعطلت هجمات كانت في طور الإعداد.
5.2 الثمن الأخلاقي والسياسي
لكن برغمان يصر على أن هذا النجاح التكتيكي جاء بثمن باهظ:
-توسيع دائرة الصراع، شكل اغتيال الشيخ أحمد ياسين عام 2004، على سبيل المثال، أزال عائقاً رئيسياً أمام النفوذ الإيراني في المنطقة، لأن ياسين كان معارضاً شديداً للنظام الإيراني .
-إدامة دورة العنف، كل اغتيال يخلق أسراً ثكلى وأطفالاً يتيمين يتحول كثير منهم إلى مقاتلين جدد.
-القتل الخطأ للمدنيين، يوثق برغمان حالات عديدة قُتل فيها مدنيون أبرياء، مما أثار غضباً دولياً وزاد من عزلة إسرائيل .
-تآكل الشرعية الدولية، حيث تحولت إسرائيل تدريجياً من دولة تتعاطف معها وسائل الإعلام الغربية إلى دولة تُتهم بانتهاك القانون الدولي وارتكاب جرائم ضد الأنسانية.
5.3 هل كان الثمن يستحق.
برغمان لا يجيب مباشرة، لكنه ينقل عن مئير داغان نفسه، الذي أشرف على العديد من عمليات الاغتيال، قوله في أواخر حياته إن الحل الوحيد للصراع هو حل الدولتين، وإن القوة وحدها لا تكفي . هذا التناقض الصارخ بين من قضى حياته يصفي أهدافاً ويدعو في النهاية إلى حل سياسي، يختزل معضلة الاغتيالات برمتها أن القوة العسكرية بدون حل سياسي غير مجدية .
المحور السادس: الرقابة والسرية - معركة برغمان مع أجهزة الأمن
يكشف برغمان في كتابه عن المعركة التي خاضها مع أجهزة الأمن الإسرائيلية لإنجاز هذا العمل. فقد حاولت الأجهزة عرقلة بحثه بطرق متعددة، منها عقد اجتماع عام 2010 خصص لبحث كيفية إيقاف تحقيقاته، وتحذير عملاء الموساد السابقين من التحدث معه .
كما يوضح أنه اضطر للخضوع للرقابة العسكرية الإسرائيلية، التي منعته من نشر بعض المعلومات، خاصة تلك المتعلقة باغتيال/ياسر عرفات الذي قامت اسرائيل بتسميمه بمادة اليورانيوم المخصب، حيث اخترقت اسرائيل دوائر الامن في مقاطعة رام الله عبر طبيب أسنان فلسطيني تم التغرير به، حيث وضعت المادة السامة في حقن تخدير علاج الأسنان ووجد الطبيب مقتولا فيما بعد. يقول برغمان إنه يعرف تفاصيل أكثر عن وفاة عرفات، لكن الرقابة الاسرائيلية منعته من نشرها . هذه الرقابة نفسها تؤكد أهمية ما استطاع نشره، وتفسر لماذا ظلت تفاصيل كثيرة في الظل لعقود طويلة .
المحور السابع: دروس للعالم - ماذا تعلّم أمريكا من إسرائيل.
يخصص برغمان مساحة مهمة للنقل المعرفي من إسرائيل إلى الولايات المتحدة. فبعد أحداث 11 سبتمبر، أرسلت إسرائيل خبراء إلى واشنطن لتدريب نظرائهم الأمريكيين على تقنيات الاغتيال وجمع المعلومات. كما أن الكثير من الأنظمة التي تستخدمها أمريكا اليوم في حربها على الإرهاب - من غرف العمليات إلى الطائرات بدون طيار - مستمدة من النماذج الإسرائيلية .
لكن برغمان يحذر، أمريكا لديها ما تتعلمه من إسرائيل ليس فقط في مجال الكفاءة العملياتية، بل أيضاً في مجال الثمن الأخلاقي الذي دفعته إسرائيل ولا تزال تدفعه مقابل استخدام هذه الوسائل العدوانية دون الالتزام بالقانون الدولي.
-نتائج خلاصة ما كشفه الكتاب وهي:
1. الاغتيال كعقيدة دولة: لم تكن عمليات الاغتيال في إسرائيل مجرد ردود أفعال عابرة، بل سياسة منهجية متطورة ومخطط لها بدقة، تستند إلى أساس ديني توراتي مسياني - ثقافي متجذر في واقع المجتمع الإسرائيلي.
2. التكنولوجيا والتحول الرقمي غير كل شيء: التحول إلى طائرات الدرونز بدون طيار،والحرب السيبرانية جعل الاغتيال أسهل وأقل خطورة على المنفذين، لكنه زاد من مسافة الاغتراب الأخلاقي بين القاتل والقتيل.
3. نجاح تكتيكي مقابل فشل استراتيجي، رغم كفاءة عمليات الاغتيال التي نفذتها اسرائيل ، فإن الصراع مع الفلسطينيين وحزب الله وإيران لم يحسم شيء، بل تعقد واتسع.
4. ثمن باهظ للشرعية الدولية، تحولت صورة إسرائيل في العالم من "دولة صغيرة تبحث عن الأمان" إلى "قوة احتلال تنتهك القانون الدولي وترتكب جرائم حرب وجرائم ضد الأنسانية ".
5. الاغتيالات لم تلغِ الحل السياسي، والمفارقة الكبرى أن كبار منفذي الاغتيالات، مثل مئير داغان، انتهوا إلى الدعوة لحل سياسي تفاوضي، وضرورة ان يتبع اي عمل عسكري حل سياسي يحقق إنجاز التوصل لاتفاق سلام.
أما حول التوصيات والحلول بعد قراءة الكتاب، نشير للتالي:
1. ضرورة المراجعة الأخلاقية: تحتاج إسرائيل إلى وقفة جادة لإعادة النظر في مبرراتها الأخلاقية، فالاعتماد المفرط على القوة يولد المزيد من العنف.
2. أهمية الحل السياسي، يثبت الكتاب أن الاغتيالات، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع وحدها إنهاء الصراعات، وتؤكد ان الحلول السياسية التفاوضية هي السبيل الوحيد المستدام.
3. فرض الرقابة على التكنولوجيا مع تطور تكنولوجيا القتل، يجب تطوير قوانين دولية تحد من استخدامها وتحمي المدنيين الأبرياء .
4. الشفافية والمساءلة، يكشف الكتاب أن السرية المفرطة تحمي صناع القرار من المساءلة، وتسمح باستمرار سياسات فاشلة.
5. العبرة لأمريكا والعالم، على الدول التي تتبنى تكنولوجيا الاغتيال الإسرائيلية أن تتعلم ليس فقط من نجاحاتها التكتيكية، بل أيضاً من إخفاقاتها الاستراتيجية وثمنها الأخلاقي.
ختاما،يتساءل الصحفي/ برغمان،هل القتل باسم الأمن يستحق هذا الثمن.
يقدم الصحفي الإسرائيلي/رونين برغمان ،في كتابة (انهض واقتل أولاً) عملاً استثنائياً يكشف الوجه الآخر لإسرائيل، باعتبارها دولة تبني "آلة اغتيال" هي الأكثر تطوراً في العالم، وتستثمر فيها عقولاً وموارد هائلة، وتتحول بفضلها إلى مختبر عالمي لتكنولوجيا القتل عن بُعد.
لكن السؤال الاستشرافي الذي يظل معلقاً بعد قراءة هذا الكتاب ، (هل كل هذه الدماء تستحق القتل)، وهل أصبحت إسرائيل أكثر أمناً بعد اغتيال آلاف الفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين؟ بينما الأرقام تشير إلى العكس. فكل اغتيال يخلق جيلاً جديداً من الراغبين في الثأر والانتقام، وكل عملية توسع دائرة الصراع، وكل تكنولوجيا جديدة تبعد صناع القرار عن رؤية الدماء الحقيقية التي تسيل.
الكتاب ليس مجرد توثيق تاريخي، بل هو مرآة تعكس مأزقاً وجودياً، كيف يمكن لدولة تأسست لتكون ملاذاً آمناً لليهود أن تتحول إلى آلة قتل منظمة؟ وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تحول القتل إلى مجرد ضغط على زر في غرفة مكيفة؟
ربما يكون العنوان نفسه هو الإجابة: "انهض واقتل أولاً". هذا المبدأ، الذي بدا وكأنه يضمن البقاء، أصبح اليوم يهدد المستقبل. فالقتل باسم الأمن، عندما يصبح منهجاً، لا يولد إلا المزيد من القتل، ويظل الأمن حلماً بعيد المنال.
المراجع
1. Bergman, Ronen. Rise and Kill First: The Secret History of Israel's Targeted Assassinations. New York: Random House, 2018.
2. برغمان، رونين. الملف الشخصي للمؤلف. موقع Douban.
3. مقابلة مع رونين برغمان على الإذاعة الوطنية العامة (NPR)، 31 يناير 2018.
4. مراجعة كتاب "انهض واقتل أولاً". Kirkus Reviews.
5. ملخص كتاب "انهض واقتل أولاً". Bookshare Ireland.
6. ملخص كتاب "انهض واقتل أولاً". Kalamazoo Public Library.
7. وكالة الأنباء المركزية التايوانية. تقارير عن كتاب برغمان. 29 يناير 2018.