الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

القدس بين الاستهداف الممنهج والصمود التاريخي

القدس بين الاستهداف الممنهج والصمود التاريخي

تاريخ النشر: 2026-06-07 | 08:27

حين أكتب عن القدس لا أكتب عن مدينة بعيدة تسكن خرائط الجغرافيا بل أكتب عن جزء أصيل من هويتي الفلسطينية، وعن حكاية شعب ما زال يحمل مفاتيح الذاكرة جيلاً بعد جيل أكتب عن مدينة تختصر تاريخًا من الصمود والوجع والأمل، وعن أرضٍ لم تكن يومًا مجرد حجارة وأسوار بل كانت وما زالت عنوانًا للكرامة الوطنية والروحية لشعب فلسطين وأمتنا العربية والإسلامية ، وبصفتي فلسطينيًا، فإن الحديث عن المسجد الأقصى لا ينطلق من موقف سياسي فحسب، بل من شعور عميق بالانتماء إلى قضية تمس الوجدان والهوية والتاريخ فالأقصى ليس معلمًا دينيًا عاديًا بل شاهدٌ حيّ على محاولات متواصلة لفرض واقع جديد في القدس المحتلة وعلى معركة مفتوحة بين أصحاب الحق ومشروع استعماري يسعى إلى تغيير ملامح المكان وطمس روايته الأصيلة.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن اقتحامات المسجد الأقصى لا يمكن أن يكون مجرد متابعة لحدث متكرر أو خبر عابر ينتهي بانتهاء ساعات الاقتحام، بل هو قراءة في مشروع سياسي واستعماري متكامل يسعى إلى فرض وقائع جديدة داخل المدينة المقدسة، وتغيير معالمها وهويتها وطبيعة العلاقة التاريخية التي تربط أبناء شعبنا الفلسطيني والمسلمين بأقدس مقدساتهم.
لقد أصبحت الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى واحدة من أخطر مظاهر التصعيد الإسرائيلي في القدس المحتلة، حيث تترافق مع إجراءات قمعية تستهدف المصلين والمرابطين وحراس المسجد، ومع محاولات متواصلة لفرض سيطرة أكبر على المكان وتكريس حضور استيطاني متنامٍ داخل باحاته وبينما يواصل الاحتلال تسويق هذه الممارسات تحت ذرائع مختلفة تزداد المؤشرات التي تؤكد أن ما يجري يتجاوز حدود الإجراءات الأمنية إلى محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل الواقع القائم في المسجد المبارك.

وهنا السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ماهو المسوغ الرئيسي لاقتحام الأقصى من جديد، بل لماذا أصبحت هذه الاقتحامات تتكرر بصورة منهجية ومتواصلة وعلى مرأى وسائل الإعلام؟ وما هي الأهداف الحقيقية التي تقف خلف هذا التصعيد المستمر؟ وما الهدف الرئيسي الذي يسعى الاحتلال إلى تحقيقه من خلال هذه الممارسات التي تثير الغضب في الشارع الفلسطيني والعربي والإسلامي في كل مرة تتجدد فيها هذه الممارسات ؟

بالطبع لا يمكن فهم ما يجري في المسجد الأقصى بمعزل عن الصراع الدائر على مدينة القدس المحتلة فالقدس بالنسبة للاحتلال ليست مجرد مدينة بل هي تمثل محورًا أساسيًا في المشروع الإسرائيلي الهادف إلى تكريس السيطرة الكاملة على المدينة وفرض هوية جديدة عليها بتجاهل وتغييب تاريخها العربي والإسلامي والمسيحي ، ويحتل المسجد الأقصى مكانة استثنائية في هذا الصراع ليس فقط بسبب قداسته الدينية وإنما لأنه يشكل أحد أبرز رموز السيادة والوجود الفلسطيني في القدس لذلك ينظر الاحتلال إلى الأقصى باعتباره ساحة مركزية يسعى من خلالها إلى تثبيت معادلات سياسية جديدة على الأرض مستفيدًا من القوة العسكرية والدعم السياسي الذي يحظى به والمناخ الإقليمي والدولي ، ومن هنا فإن كل اقتحام جديد لا يمكن اعتباره حدثًا منفصلًا عن سياقه العام، بل هو حلقة متكاملة ضمن سلسلة طويلة من الإجراءات والممارسات التي تستهدف تغيير الواقع القائم تدريجيًا، وفرض مفهوم جديد للسيطرة داخل المسجد المبارك.

و تعتمد سلطات الاحتلال في تعاملها مع الأقصى على استراتيجية منظمة ومدروسة تقوم على التدرج وعدم الانتقال المفاجئ إلى خطوات كبرى قد تثير ردود فعل واسعة ، ولهذا يتم تنفيذ المخططات على مراحل متلاحقة بحيث تبدو كل خطوة صغيرة مقارنة بما سبقها لكنها في مجموعها تؤدي إلى تغيير كبير مع مرور الوقت ضمن مخطط مدروس ومنظم ، فقد بتنا نشهد خلال السنوات الأخيرة في المسجد الأقصى ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد قطعان المستوطنين المقتحمين وتوسيعًا لساعات الاقتحامات، وزيادة في الحماية الأمنية المرافقة لهم بشكل متزامن إضافة إلى تشديد الإجراءات بحق المصلين الفلسطينيين وفرض قيود متكررة على دخولهم إلى المسجد لا تراعي قدسية المكان ، ويهدف هذا الأسلوب إلى جعل الانتهاكات تبدو وكأنها جزء من المشهد اليومي المعتاد بحيث يفقد الرأي العام تدريجيًا حساسية التعامل معها ويصبح المشهد عادياً وهو ما يمنح الاحتلال فرصة أكبر للاستمرار في تنفيذ مخططاته دون مواجهة ضغوط حقيقية.

فكيان الاحتلال يسعى منذ سنوات إلى إعادة صياغة الواقع القائم داخل المسجد الأقصى بما يخدم أهدافه السياسية والدينية ، ورغم أن الوضع التاريخي والقانوني للمسجد يؤكد أنه مكان عبادة إسلامي خالص تديره الأوقاف الإسلامية إلا أن الاحتلال يحاول بصورة متواصلة فرض معادلات جديدة تتعارض مع هذه الحقائق ، ويظهر ذلك جلياً من خلال السماح المتزايد لقطعان المستوطنين بأداء طقوس دينية داخل باحات المسجد، وتوفير الحماية لهم أثناء الاقتحامات، والتدخل في تفاصيل إدارة المكان، فضلًا عن الإجراءات التي تستهدف تقليص الدور الفلسطيني في حماية الأقصى والحفاظ على هويته.

وهنا من يتابع المشهد عن كثب يرى أن هذه السياسات تأتي في إطار محاولات تدريجية لفرض شكل من أشكال التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وهي خطوة تشكل خطرًا بالغًا على مستقبل الأقصى ومكانته التاريخية ، وقد لعبت الجماعات الاستيطانية المتطرفة خلال السنوات الأخيرة دورًا رئيسيًا في تصعيد الاعتداءات على المسجد الأقصى ، فهذه الجماعات تعتبر أن اقتحام المسجد جزء من مشروعها العقائدي والسياسي، وتسعى بصورة علنية إلى فرض وجود دائم داخل باحاته ، ومع صعود التيارات اليمينية المتشددة داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، ازدادت قدرة هذه الجماعات على التأثير في القرارات الحكومية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على وتيرة الاقتحامات وطبيعتها ، ولم يعد الأمر يقتصر على مجرد جولات استفزازية داخل المسجد، بل تطور إلى محاولات متكررة لأداء الطقوس والشعائر الدينية بصورة علنية، في تحدٍ واضح للوضع القائم وللمشاعر الدينية لملايين المسلمين حول العالم.

و تكشف المعطيات الميدانية حجم التصعيد الذي تشهده مدينة القدس المحتلة بشكل عام والمسجد الأقصى بشكل خاص فقد وثقت محافظة القدس خلال شهر أيار/مايو 2026 استشهاد ثلاثة فلسطينيين، إلى جانب اقتحام 7244 مستوطنًا للمسجد الأقصى المبارك، وتسجيل 101 حالة اعتقال وأكثر من 67 قرار إبعاد، إضافة إلى 84 عملية هدم وتجريف طالت منازل ومنشآت وأراضي فلسطينية ، وتعكس هذه الأرقام سياسة شاملة لا تستهدف الأقصى وحده، بل تشمل مختلف جوانب الحياة الفلسطينية في القدس، في محاولة لفرض واقع استعماري جديد يقوم على التضييق والتهجير والسيطرة الميدانية ، كما لا تنفصل الاقتحامات عن الحسابات السياسية الداخلية لدى كيان الاحتلال فكثيرًا ما تتحول القدس والمسجد الأقصى إلى أدوات تستخدمها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لكسب تأييد التيارات اليمينية والمتشددة أو للهروب من أزمات سياسية داخلية ، وفي العديد من المناسبات، شهدت وتيرة الاقتحامات ارتفاعًا ملحوظًا بالتزامن مع أزمات حكومية أو استحقاقات انتخابية أو صراعات داخلية، ما يؤكد أن الأقصى يُستخدم أحيانًا كساحة لإرسال الرسائل السياسية وتحقيق المكاسب الحزبية على حساب الاستقرار وحقوق الشعب الفلسطيني.

ورغم أن القانون الدولي يعتبر القدس الشرقية أرضًا محتلة، ورغم عشرات القرارات الدولية التي تؤكد ضرورة احترام الوضع التاريخي والقانوني للمقدسات، إلا أن المجتمع الدولي ما زال عاجزًا عن ترجمة مواقفه إلى إجراءات عملية قادرة على ردع الاحتلال في حين تبقى معظم ردود الفعل محصورة في بيانات الإدانة والاستنكار دون اتخاذ خطوات فعلية من شأنها وقف الاعتداءات أو محاسبة المسؤولين عنها، وهو ما يشجع الاحتلال على المضي قدمًا في سياساته دون خشية من أي تبعات حقيقية ، إن غياب المساءلة الدولية يمثل أحد العوامل الأساسية التي تسمح باستمرار الاقتحامات وتصاعدها عامًا بعد عام.

على الرغم من حجم الضغوط والإجراءات القمعية، ما زال الفلسطينيون يؤكدون تمسكهم بالمسجد الأقصى والدفاع عنه بكل الوسائل المشروعة فقد أثبتت محطات عديدة أن الحضور الشعبي والرباط المستمر داخل المسجد شكّلا عنصرًا حاسمًا في مواجهة العديد من المخططات التي استهدفت تغيير الواقع القائم ، كما أن المقدسيين أثبتوا مرارًا أنهم يشكلون خط الدفاع الأول عن المدينة ومقدساتها، وأن محاولات فرض الأمر الواقع بالقوة لا يمكن أن تلغي الحقوق التاريخية والدينية والوطنية للشعب الفلسطيني.

ختاماً إن تكرار اقتحامات المسجد الأقصى المبارك ليس مجرد سلسلة من الأحداث المتفرقة بل هو انعكاس واضح لسياسة إسرائيلية ممنهجة تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع في القدس المحتلة وفرض معادلات جديدة داخل أحد أهم المقدسات الإسلامية وبين تصاعد نفوذ الجماعات الاستيطانية المتطرفة واستمرار الدعم الحكومي لها وضعف المواقف الدولية، تتزايد المخاطر التي تهدد الوضع التاريخي والقانوني للأقصى.

ومع ذلك، يبقى المسجد الأقصى رمزًا للهوية الوطنية الفلسطينية وعنوانًا للصمود في وجه محاولات التهويد والطمس فالمعركة على الأقصى ليست معركة مكان فحسب بل معركة على التاريخ والهوية والحقوق المشروعة، وهي معركة ستظل حاضرة ما دام الاحتلال مستمرًا في سياساته الرامية إلى فرض الأمر الواقع بالقوة.

×
أخبار
خبراء ودبلوماسيون: السعودية تعيد رسم عقيدتها الأمنية دون التخلي عن "المظلة الأمريكية" إصابات وتوغلات متصاعدة جنوبي لبنان وسط استمرار الخروقات لـ"اتفاق صيغة الإطار" سجال حول انحياز "نيويورك تايمز": الصحيفة تعتذر وتعدل مقالا حول قتلى 7 أكتوبر تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس الجامعة العربية ترحب بالقرار الأممي بشأن مشاركة دولة فلسطين في أعمال الجمعية العامة مركز "عدالة" يرد على طلبات شطب القوائم والنواب العرب وعوفر كسيف من انتخابات الكنيست شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط