تاريخ النشر: 2017-06-17 | 08:34
تاريخ النشر: 2017-06-17 | 08:34
في ذكرى سقوط القدس الخمسين نريد ان نؤكد ان هذا السقوط لم يكن الا الاعلان الرسمي فحقيقة الامر انها سقطت قبل ذلك عندما احتل البريطانيون فلسطين واخرجوا القدس من سياق السيادة العربية وجعلوها مدينة دولية.. فسقوط القدس بمعناها الحضاري يمر عليه الان قرن من الزمان.. في ل هذه الذكرى نرى ان الحديث الماخوذ باللحظة لم يعد مفيدا وانه لابد من تدبر موضوعة القدس في الصراع الحضاري وبما له من علاقة بتطور الاوضاع في المحيط العربي والاسلامي
حتى الان وقفت القدس على رأس ثلاثة مراحل لكل مرحلة خصوصياتها وخصائصها وهي مراحل تتكامل في تسجيل المنحنى التاريخي للعرب والمسلمين خلال القرون الخمسة عشر وعلى راس كل مرحلة تعتبر هي المؤشر لوضعية العرب والمسلمين السياسية والسيادية.. المرحلة الاولى بدأت بالإسراء والمعراج واكتملت بفتحها، فعاشت الامة في ظل القدس أعظم دولة على وجه الارض، والمرحلة الثانية كانت همة الايوبيين في بلاد الشام للرد على تحدي الفرنجة وسيطرتهم على القدس والمرحلة الثالثة التي نعيش حيث سقط القدس بيد الصهاينة سقوطا استثنائيا بدلالات خاصة لانه يجيء في نهاية منحنى تاريخي وبداية منحنى اخر.. انتهاء دورة حضارية بالكامل مع كل اثار السقوط الفظيعة في حياض الامة حيث تم تكسير كل مكوناتنا ونهب ثرواتنا واستنزاف طاقتنا وجهودنا بعد ان ضاعت شوكة الامة..
كانت المرحلة الاولى لمسيرة القدس في اطار حركة التاريخ الاسلامي مفعمة بالروح والمعاني العقائدية و التركيز على ما للمكان من قداسة وارتباط بوجود الامة وهويتها والتركيز على مكانته التي تدور حولها العالمية الاولى واسس الرسول صلى الله عليه واله وسلم المرحلة التأسيسية بما يليق ببنيان فكرة الانسياح الاسلامي في المنطقة و العالم.. وجاءت الخلافة الراشدة لتجعل من القدس عاصمة التسامح بين اتباع الشرائع وترسي قيم التعايش الانساني في وثيقة سبقت كل الوثائق الدولية انها العهدة العمرية.. فكان فتح القدس هو في حقيقته فتح جديد لمعنى كبير من معاني رسالة الاسلام وكشف عن جوهرها الانساني وكيف التقط الاخرون هذا المعنى الجليل فاقبلوا محتفظين بعقائدهم وافكارهم ليوقعوا بمحبة على وثيقة العقد الاجتماعي مع الفاتحين ويجدوا في ظلهم الامن والحماية والكرامة فسلموا مفاتيح كنائسهم للعرب المسلمين.. فكان هذا التعايش برهانا عظيما عمليا على اهلية هذه الرسالة لتسود المنطقة وتتحرك نحو العالم..
اما المرحلة الثانية فكانت نهوض الروح وعنادها لمواجهة الغزاة الفرنجة.. فبعد خمس قرون من انطلاق عالميتنا الاولى تعثرت الامة واصاب نظام حكمها الوهن والضعف نتيجة منطقية لما تفشى فيه من استبداد واقصاء لطاقات كريمة وانشغال بالملاحقات الداخلية وتلهي بالمتع وانقلاب البيوت الحاكمة على نفسها في مناخات من المؤامرات والدسائس وغياب وعي بالخارج الذي يرى مصيره ومستقبله مرهونا بحالة الامة صعودا او هبوطا.. كان سقوط القدس الذي استمر ما يقارب 80 سنة مدويا وقاهرا لدرجة ان الاذان منع من المسجد الاقصى الذي حوله الفرنجة الى اسطبلات لخيولهم.. كان هذا معبرا عن حال الامة في تركيبتها الثقافية والسياسية مزيدا من التراخي والوهن والتشظي.. وبالمنهجية نفسها تحرك الايوبيون عماد الدين زنكي واخوته وابنائه واقربائه يقودون من دمشق عملية واسعة لتوحيد الامة والتحريض ضد الغزاة الاجانب.. واستطاع القائد الايوبي الناصر صلاح الدين تواصلا مع جهود سابقيه الايوبيين الذين سكنهم تحرير القدس الى الدرجة التي اعد فيها عماد الدين زنكي منبرا خاصا للاقصى ومنبرا اخرا للحرم الابراهيمي بالخليل.. نجح الناصر صلاح الدين في توحيد مصر والشام وتهامة واليمن والحجاز ومد جسوره الى المغرب العربي فكانت قوافل المجاهدين تتوالى اليه تحت رايات الصوفية بقيادة الغوث شعيب سيدي بومدين الذي جهز قسما كبيرا من جيش التحرير وكان له الدور الفاعل في تحرير بيت المقدس.. فكانت الوحدة وسيادة النظام عليها والاعداد على كل مستوى هو الضامن الوحيد للتقدم وتحرير بيت المقدس ليتجدد المعنى السابق في المرحلة الاولى حيث لم يتم التوجه الى القدس الا بعد ان تحرر العراق وتحرر الشام وتم تدمير قوة الامبراطوريتين الفارسية والبيزنطية..
والان ومنذ سايكس بيك واحتلال بريطانيا لفلسطين 1917 نواجه مرحلة مختلفة عن المرحلتين السابقتين وان كانت تتقاطع مع كل منهما فبعد سبعمئة سنة على صلاح الدين الايوبي تشكل الغرب تشكله الاستعماري الجديد واصبح اكثر تعقيدا واخطر لما اصبح يمتلكه من وسائل السيطرة ونتيجة قفزته العلمية الفائقة.
نحن الان ازاء انهيار في شتى اوضاعنا وقد تبعثرنا تبعثرا جاهليا مرسم بالحديد والنار فعرقيا وثقافيا وجهويا وفئويا ومذهبيا اصبحت امتنا مبعثرة وهي تعاني في مواجهتها للمشروع الغربي الاستعماري في وقد تمكنت منها كل قابليات الاستعمار من فكر متحجر ومنحرف الى قيم الهزيمة ومفاهيم منحطة وتافهة عن الحضارة والحياة وكل ذلك تجسد في نخب متغربة او متكلسة فغابت قيمة المحركات الحضارية في الامة في هذه المرحلة اغتصب القدس و يتجه قادة اسرائيل الى تحويلة الى متحف صهيوني بتغيير معالمه وهذا يفسر بالضبط هذا الدفع الاستعماري الغربي للصهاينة لكي يحافظوا على تفوقهم الاستراتيجي الامني والعسكري حتى لو استدعى الامر بتفسيخ بلدان الجوار بالقوة وتفتيتها واذكاء نار الصراع فيما بين مكوناتها، وفي ظل ما يجري في الساحة من فوضى وتناقضات واصطدامات يظن البعض انه بامكانه ان ينتزع مجالا حيويا لنشاطه الميداني وان يحدد له دورا على جثت الابرياء من ابناء المنطقة واصاب الغرور رؤوس البعض بانهم يمثلون مرجعيات طائفية او قومية وعلى هذه المرجعيات أخذ الصراع مداه كل ذلك ضمن الاستراتيجية الامريكية في اخر طبعة لها حيث يقتضي الامر بموجبها الى احداث الفوضى والتهيئة لمشروع تقسيم على اسس عرقية وطائفية.
هنا القدس تضمحل شيئا فشيئا كلما ازدادت انجازات الهجوم الاستعماري على مكونات الامة وامكاناتها وتتضح من الادوار المتكاملة ان جبهة واحدة هي التي تستهدف الامة وبايقاعات متراكبة ومتكاملة.. وهنا القدس تشرق على وجه الحقيقة و في البحث عن ناظم لقضاي الامة بعد ان اكتشفنا انه من العبث ان يقوم بلد من البلدان وحده بمواجهة التحدي في حدوده.. ويكتشف العرب والمسلمون لاسيما في المنطقة العربية وجوارها الاسلامي انهم يتعرضون لخطة متكاملة وواحدة وراس حربتها الكيان الصهيوني الذي يعمل بنشاط وتخطيط ودأب لاختراق امن المنطقة وتوجيه ضربات استخبارية لمنع تقدمها وارباك مشاريعها النهضوية.
من هنا يقود البحث عن اي حل للمشكلة المحلية في اي بلد من بلداننا العربية والاسلامية الى الكشف عن راس الشر المتمثل بالكيان الصهيوني وامتداداته العالمية وادواره الشريرة في المنطقة.. كما انه اصبح من العبث حل اية مشكلة اقليمية حلا حقيقيا دون حل قضايا محلية اخرى في المنطقة العربية لكي يكون النجاح تكاملي والنصر تكاملي بمعنى ان الوحدة ضرورة.. وسيكون من العبث تخيل اي حل جزئي دون ترابطه مع حلول جزئية اقليمية اخرى ضمن اطار استراتيجي من التفكير والاداء..
ومن هنا يتجلى موقع فلسطين والقدس في عالمية عربية اسلامية جديدة تفرضها حتمية الصراع وفهم التحديات التاريخية بيننا والغرب الاستعماري وما الت اليه حالة الغرب.. المرحلة الثالثة التاريخية للقدس هي عنوان لترتيب الرؤية والاولويات ولحشد الطاقات وتحديد الاهداف نحن نحتاج الى الى التركيز على الجملة الحضارية التي تعيد الوعي لامتنا وتهيئها لدور الشهادة وتنهي حالة التشرذم والتصارع.. تولانا الله برحمته