قبل ثلاثة أعوام قررتُ الانتقال من قريتي بالجليل للسكن بالقدس، قضيت هذه الفترة متنقلة بين القدس، رام الله وبلدتي بالجليل.
القدس المدينة المقدسة بنظر الكل وعند الكل، المدينة التي عرج منها محمد ليقابل ربه، هي ذاتها التي حضنت درب آلام يسوع(المسيح)، كانت بالنسبة لي القدس، أشبه بقنبلة موقوتة، قنبلة لا أعرف متى ستنفجر ولا بيد من ستنفجر، لكني كنتُ على يقين من كونها ستنفجر بأية لحظة ستنفجر لتتطاير شظايا تلقي القبض على أنفاس من ينجو منها، هذا أذا نجا أحدٌ.
كانت رحلة العودة الأسبوعية لزيارة الأهل بالجليل تبدأ بمحطة القطار السريع بالتلة الفرنسية، من هناك أشتري بطاقتي لاستقل القطار المتجه صوب المحطة المركزية للباصات بين المدن، بطريق العودة كنتُ أحرص على ارتداء بلوزتي (تي شيرت) المكتوب عليها بالعربية عبارة الراحل محمود درويش الشهيرة" على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، أبداً لم أفكر يوما بردة فعل المارة أو المنتظرين للقطار مثلي أو المستقلين له، لم يخطر ببالي يوما أن أتفحص وجوههم أو تحركاتهم ،يصل القطار فأصعد بكل ثقة وهدوء كغيري، أمسكُ بعامود حديدي وسط القطار ما لم أجد مقعداً لأجلس، وما أن يتحرك القطار حتى أُمدُ يدي بشكل تلقائي لأُسند من يهمُ أو تهِمُ بالسقوط بسبب تحرك القطار، لم أكن أفكر بردة الفعل لفعلة الإنسانية هذه أو لنقل التي أراها أنا إنسانية ،لم أشعر بالخوف يوما من فعلتي هذه اتجاه المراد مساندته أو مساندتها، بالعكس كنتُ أبتسم أذا ما نجحتُ بأنفاذ أحدهم، لم أنظر لهويته أو وجهه أو وجهها، لم يكن يشغل بالي من هذا؟ أو هذه؟ الذي/التي أصنعُ معروفي هذا لأجله أو أجلها، في الغالب كنتُ أحظى بالشكر والثناء حتى لو على مضض.
اليوم وبظل البارود المتناثر من القنبلة الموقوتة، والتي تخجل الانفجار، بات عليّ أن أفكر ألف مرة قبل أن ارتدي بلوزتي المدون عليها بالعربية، بات علّي أن أحرص أن لا أمدُ يدي اتجاه أي شخصاً، بات علّي أن أربط يديّ خلف ظهري أو أعقدهما فوق حقيبتي، وقد أضطر في بعض الأحيان لاستغلال ملامحي السمراء تلك الملامح التي تشبه ملامح اليهود المغاربة، ففي طبريا ما أكثر المرات التي ظن الناس هناك أني يهودية مغربية، كنتُ يومها أحرص أن يعرفوا أني عربية، من قرية عربية، اليوم ليس من السهل أن أتفاخر أني عربية...
عّلي أن أصمت لأنجو، عّلي أن أتجاهل مكالمات صغيريّ المكثفة والمراد منها معرفة أين وصلت؟؟ ومتى سأصل لأكون بينهما؟ عليّ أن أحرص على روحي لأكون بينهما.
والحكاية لا تنتهي هنا، في الأخبار شاهدتُ صورة للحافلة التي من المفروض أني أستقلها من القدس لأعود لبلدتي قد تعرضت لرشق الحجارة من قبل بعض المتظاهرين العرب، وهذا يعني أنه علي طوال ساعتي السفر أن أفكر بماذا سيحدث أذا ما تعرضت الحافلة مرة أخرى لرشق الحجارة، هل سأصرخ من الخوف؟ هل سأنادي أمي أو أبي فينتبه الركاب اليهود وغالبيتهم من المتدينين الذين سيُهاجمونني وسيضربونني، وقد تتدخل الشرطة لتتهمني أني شتمتهم، تصل الحافلة لمفرق الجولان(مسكنة)، أرن جرس الحافلة ليقف لي السائق أشكره وأنزل لأتنقل للمحطة المتجهة صوب بلدتي القريبة سابقاً، البعيدة اليوم والقلق يعتريني، سأقف بانتظار حافلة تسافر باتجاه بلدتي، بعد لحظات وتصل هذه الحافلة، التوتر يطيل الوقت، التوتر يصنع من الوقت دهراً لا يمضي منه غير التوتر.
بكل الأحوال أُدرك الأن بأنه باتت تتنقل القنبلة الموقوتة بجيبي أو في حقيبتي أو في رأسي أو بكفي، والكارثة أن فتيلها بيد هواة الموت سأموت قهرا أنا المغرمة بالسلام، سلام يعم المعمورة فيزهر الورد حباً، سلام يكفي البشر كل البشر، تتلاشى الأحلام الوردية دعساً تحت أقدام عُشاق الحرب....
سأموت قهراً لا خوفاً......