تاريخ النشر: 2023-03-17 | 14:11
تاريخ النشر: 2023-03-17 | 14:11
شعبنا لم يتوان في التأكيد على جاهزيته واستعداده للدفاع عن حقوقه المقدسة وقد أعطى كل الرايات فرصتها وبذل تحتها دم خيرة أبنائه.. اذن نحن لا نعاني من غياب الشعب
لكن السؤال هنا هل كان فعلنا الفلسطيني بقيادة النخب الفلسطينية على مدار قرن من الكفاح قائم على أدراك الواقع وشروطه وفهم الآخر والتصدي له بشروط تفقده فارق التقدم؟؟ ام ان ردات الفعل وروح الثأر والانفعالات وأحيانا الاستعراض هي من تحكم بقيادات العمل الوطني؟؟
السؤال يعود اليوم وبإلحاح على قيادة ألفصائل الفلسطينية ما هو المتحكم في فعلكم وكفاحكم هل هي رؤية علمية وخطة استراتيجية ومنهجية مناسبة للرد أم ان الخطاب عالي الوثيرة والشعارات المعنوية ولغة التهديد لازالت هي المسيطر؟
الفرق كبير بين العقيدة وخطاب العمل وطريقته.. فلئن كانت العقيدة الوطنية قوية واضحة لا لبس فيها فان العمل والمواجهة غير ذلك فهي تحتاج إلى التركيز والهدوء والخدعة والمفاجأة والمنهجية والإخفاء و تقليل الخسائر وتجنيب ساحتنا التضحيات المجانية.. الحديث هنا في البحث عن قوة الضغط المطلوب التي تحقق الهدف السياسي
طبيعة المعركة تحدد ادواتها:
في المسيرة الإنسانية قديما وحديثا تبرز قوانين الانتصار لا تتبدل ولا تتغير وهي سنة الله الماضية دون محاباة لأحد على أحد فالحياة الدنيا للجميع وهي ابتلاء للجميع، ولئن سألنا كيف انتصر المنتصرون من أنبياء وقادة وثوار فأننا سنجدهم جميعا نهجوا نفس المنهج كما أن المنهزمين بغض النظر عن أفكارهم وعقائدهم فهم أبناء ظروف هزيمة متشابهة تماما..
في البداية لابد ان نحدد الفرق بين الموقف الأخلاقي من الكفاح الفلسطيني والموقف العلمي من منهجية الكفاح الفلسطيني. ففي الأول نحن نؤمن بكل دوافع الكفاح وروحه ونباركه وفي الثاني لابد ان نجري دوما عمليات تنقيح وتصحيح ويقفز لنا المثال النموذج فورا في اختيار موقع بدر وكيف تناقش حوله الرسول صلى الله عليه واله وسلم مع صحابته اولي الخبرة والإدراك ونزل عند رأيهم.. انه حينذاك لم يسألهم حول شرعية المعركة وأخلاقيتها بل عن الموقع الأنجع لتحقيق الفوز.. وهكذا كانت معارك المسلمين كلها تلك التي حققوا فيها انتصارات عظيمة والجانب العملياتي لا يقتصر على الخطة الميدانية بل يمتد الى ربطها مع الظرف السياسي والموضوعي فيكون الانتصار تتويج لمرحلة كاملة ويكون الإجابة المنطقية لتطور الأحداث في واقع الناس.
فطبيعة المعركة تحدد أدواتها كما تحدد أهدافها المرحلية وهذا يعني بوضوح ان العقيدة القتالية والفكرية تركن الى ركن مكين بعيدا عن تفصيلات الاشتباك فلقد واجه رسول الله وكذلك من بعده كل القادة الفاتحين والمنتصرين وصولا الى صلاح الدين الأيوبي عدوهم وهم يؤمنون بان الهدف تطهير الارض من رجس الظلمة المعتدين ولكن على طريق النصر كان لابد من تنضيج شروط الانتصار.. فكانت حركة الرسول تتجه الى تفريغ قوة العدو وحشد الطاقة معه ويتجنب اي معركة صفرية ويسلك طريق السلم ان تحقق فيه بعضا من الأهداف لينتقل لتحقيق الأهداف الأخرى في ظروف قريبة ذلك ما فعله في صلح الحديبية حيث حقق أهدافا سياسية ومعنوية كبيرة لم يدركها حينذاك كثير من الصحابة الا ان الله ثمّن خطوته تلك وبشره بان هذا هو بداية الفتح المبين والغفران الكامل والنصر العزيز.. كما فعل صلاح الدين الايوبي في حشد الطاقة وما كان له ان ينتصر لولا ان وحد مصر بالشام وهادن في بعض المواقع وسالم في بعض المراحل وانقص في مراحل اخرى ليحقق نصرا عزيزا اسقط الحملة الصليبية في مقتلها.
في هذه الإشارة أحببت ان أؤكد انه ليس فقط صحة القضية وعدالتها إنما هي الحسابات التي ترافق ذلك الحسابات السياسية والموضوعية لخوض المعركة و تحقيق النصر فيها وغني عن القول ان حصول نقص في هذا الجانب سيؤدي حتما الى الخسارة الميدانية في المواجهة كما حصل مع كثير من الأنبياء والأولياء والأئمة.. لان الله سبحانه رفع السماء ووضع الميزان ول طغيان في الميزان فمن يعد أكثر ينتصر مؤمنا كان او كافرا محسنا كان او مجرما..
وهناك إشارة أخرى -ترافق هذه الإشارة- ضرورية ومهمة ورئيسية تلك التي تتحدث عن المنهجية والأدوات وأرضية استخدامها فمن العبث ان نفكر بمعركة يكون العدو فيها يمتلك من الأدوات ما يفوقنا ويسبقنا لأنه حينذاك سيلحق بنا خسائر فادحة وعلى المناضلين في مثل هذه الحالات ان يبحثوا عن أدوات لا يملكها العدو وعليهم الاستفادة منها الى أقصى درجة بمعنى ان يجروا عدوهم لمعركة هم أكثر تطورا فيها وامتلاكا لأدواتها.. وعند مناقشة هذه النقطة تبرز لنا أهمية ما أبدعته الانتفاضة الفلسطينية الأولى عندما اعتمدت الحجر في مواجهة الترسانة العسكرية الصهيونية فلقد فرضت على العدو مواجهات لسنوات عديدة حققت أهدافا كبيرة على الصعيد المحلي والعالمي ونقلت قضية الشعب الفلسطيني الى الضمير الإنساني وذلك بأقل الخسائر وعندما حاول العدو المواجهة حاول تطوير أدواته فصنع مدرعات عسكرية تقذف حجارة على الشباب وذهب العدو الى صنع الحواجز وسكب القطران على الشوارع وهكذا الا ان كل محاولاته كانت دون مستوى اداء الشبان المنطلقين في اكثر من مكان يرجمونه بالحجارة وهم اكثر سرعة منه واكثر مفاجأة..
ولابد من إشارة بالغة الأهمية لمسألة أساسية في كل المعارك مهما كانت طبيعتها ومهما كانت أدواتها.. حتى لو أخطانا في الحسابات السياسية وفي تحديد أداوت المعركة لنقص في وعينا وإحاطتنا بما عليه الواقع وما عليه العدو.. فينبغي ان لا نتجاوز أبدا تلك القاعدة الأساسية وهي عنصر المفاجأة القائم أصلا على السرية في التخطيط والتنفيذ.
الكفاح الفلسطيني المعركة وادواتها:
ثورة القسّام والثورة الكبرى والحاج أمين الحسيني وعبدالقادر الحسيني وحركة فتح ومنظمة التحرير وقوات التحرير الشعبية والحركات الإسلامية هذه عناوين الكفاح الفلسطيني خلال قرن وهي من عرف العالم على القضية الفلسطينية بل والرواية الفلسطينية وتصدى لعمليات التضليل والتمييع للقضية وثبت بوضوح معالم الوجود الفلسطيني في الخريطة السياسية في المنطقة وفي المؤسسات الإقليمية والدولية.. وهنا لا أحاول إيجاد مشترك عقائدي تجاه فلسطين بين الفصائل المتنوعة فلكل منها رؤية وعقيدة تتباين وتلتقي ولكني أحببت الإشارة الى نتيجة الكفاح في أفضل صوره الذي قامت به على المستوى الإقليمي والمحلي
بعد ذلك لابد من تدبر منهجيات الكفاح واختيار ادواته ومواقعه.. هنا نحاول إيجاد عامل مشترك بينها جميعا.. فكل هذا الكفاح تميز بعناصر تفتقد الارتكاز الى رؤية طبيعة المعركة وعليه افتقدت الى تطوير أدوات مناسبة للمعركة .. الأمر الذي جعل المبادرة في معظم الوقت بيد العدو يفرضها في الزمان والمكان المناسبين له وبأدوات هو يدرك تفوقها على أدوات المكافحين.. فلقد كانت صرخات عزالدين القسّام ودعوته للجهاد ومقاومة الانجليز تفتقد الآلية التي تحقق انتصارها فمنذ البداية خسر أهمية الجانب السري في المواجهة الأمر الذي حرمه من الاستفادة من الوقت ليكون انتشاره في الوطن الفلسطيني كله بعيدا عن اعين العدو ثم ان رؤيته لجيوش الانجليز وسلاحهم دفعه للتفكير بجيش الجهادية لمواجهات مع جيش الاحتلال وهنا مقتل اخر لثورة القسّام كما ان الرؤية السياسية لم تكن واضحة في فكرة القسام التي لم تضع التطورات العالمية والسياسية المحلية في الحسبان فكان حاله كمن رفع كفه في مواجهة المخرز.
اما فصائل الجهاد المقدس وهي اكثر انتشارا وتدريبا وأكثر وضوحا على مستوى الفكرة والرؤية إلا أنها مجددا فقدت عناصر المواجهة واهمها المفاجأة التي تعتمد السرية وأنهكت طاقتها في متابعة الفصائل التي تحولت الى جيوش في فلسطين يجرها العدو الى معارك يتقن ادارتها و ويستنزفها من موقع الى اخر..
اما الحركة الفلسطينية المعاصرة فهي قد حققت في بداياتها تملك ادوات مهمة في المعركة عندما امتلكت رؤية واضحة سياسية للمعركة ثم اعتمدت ادوات قائمة على السرية والمفاجأة والعمليات المنفصلة من خلال دوريات الفدائيين فكان هذا جانب أساسي وخطير ومهم إربك العدو الذي اتجه بجنون نحو احتلال الأردن لإنهاء ظاهرة الفدائيين فكانت هزيمته في موقعة الكرامة ورغم الانتصار العظيم في الكرامة كان ينبغي تطوير الأداء السري المفاجئ في فلسطين وعبر الأردن إلا أن انتشاء اللحظة أصاب الثوار بارتباك واستعجال قادهم الى مرحلة سياسية تكوينية مؤسساتية اكبر مما تحتمله المرحلة فانكسرت الثورة في الاردن لتلجأ الى لبنان وهناك المصيدة الخطيرة حيث المستنقع اللبناني بتنازع طوائفه و تعدد اجهزة الاستخبارات الأجنبية المتنفذة في مفاصل الحياة.. حاولت الثورة الفلسطينية مد جسور للارض المحتلة لاحياء العمل السري والمفاجيء الا انه كان محدودا ولم يعط الامكانات والتفكير الاكثر عمقا رغم ما بذله الفدائيون في الداخل الفلسطيني من بطولات شخصية عملاقة.. واستمر الامر كذلك حتى خرجت فتح من تحت الارض والعمل السري الى العمل العلني من خلال اشكال عملي علني افقدت الحركة احد اهم اسلحتها في المعركة.. ربما تم جر الحركة الى هذا النوع من العمل لمواجهة بعض التيارات التي بدات تترعرع في بيئة الهزيمة الا انه لايمكن تجاوز ان ما حصل لفتح افقدها جزءا من هيبتها المبنية على السرية.
جاءت الحركات الاسلامية في فلسطين لاسيما حماس والجهاد بدون رؤية سياسية للقضية الفلسطينية فعندما تسأل مائة شخص من كوادر هذه الحركات عن الرؤية السياسية وعلاقاتها بالواقع المحلي والاقليمي ستسمع مائة اجابة مختلف بعضها عن بعضها.. اما على الصعيد العملي فلئن تميزت الجهاد باندفاعة قسامية مميزة وبنفس روحية القسام اي الكف في مواجهة المخرز حيث حضر الشعار والشعر بدل السياسة والتخطيط والمفاجأة.. فلقد تميزت حماس بدفع قوي لاثبات الذات في خريطة الفعل الفلسطيني ولكن من الواضح رغم كل ما قامت ب هان قيادات حماس لاتؤمن بالعمل المسلح والكفاح الفلسطيني والذي تعتبره تحصيل حاصل لانجاح المحور الاكبر اما محور الاخوان المسلمين او محور المقاومة.. ولهذا فعندما اندلعت الانتفاضة انفعت حماس بكل قوتها حتى اصبحت اهم القوى المشاركة فيها وعلى ارضية ذلك بدات تفاوض على حصتها في القرار الفلسطيني و عندما حصل اوسلو دون رأيها او مشاركتها اندفعت بقوة لافساده واسقاطه من خلال سلسلة عمليات شديدة الوقع عليه.. وبعد ان اعلن ابوعمار انتفاضة القدس وتقدمت الاجهزة الامنية الفلسطينية في مواجهة مفتوحة مع قوات الاحتلال في الضفة الغربية ونابلس انطلقت حماس لتفرض وجودها واستمر ذلك حتى استشهاد ابوعمار واستبدال نهجه بالتسوية التفاوضية حينذاك انشغل الجميع بانتخابات تشريعية وحينها تقدمت حماس بكل جهدها حيث ان هذا هو مجالها الحيوي وما الحروب الثلاثة التي حصلت على غزة الا تثبيت لوجود حماس سياسيا واحتوائها في العملية السياسية واخراجها من دائرة الاشتباك بعد ان عجزت ان تطور اي اداة لها في المواجهة لانها اصلا لا تؤمن بجدية الكفاح الفلسطيني ولا اهميته بمعزل عن المحاور لان عقيدتهم العسكرية تجاه فلسطين هي المشاغلة وعدم المواجهة المفتوحة.. فهذه هي فلسفة المقاومة لدى حماس التي جاء حكمها لقطاع غزة ليبعدها تماما عن التصدي لمشروع الكفاح الفلسطيني وهذا لايعني عدم قيامها بفعل هنا او هناك لكي تظل في المسرح العملياتي بمعنى واضح ان دخول حماس دائرة الكفاح الفلسطيني امر تكتيكي والهدف فقط هو السيطرة على القرار الفلسطيني والحضور المتميز في المجتمع الفلسطيني ومؤسساته.
الضفة الغربية تولد البديل:
الان في الضفة صراع بين نموذجين نموذج تقليدي تاريخي انتهت صلاحيته يعتمد التجييش للعمل العسكري بعقلية قوات التحرير الشعبية او قوات الثورة في جنوب لبنان او جيوش حماس في غزة واركانها.. هذا النموذج انما هو باب استنزاف عنيف للدم الفلسطيني في جنين ونابلس ورغم البطولات العظيمة للمجاهدين الفلسطينيين واقدامهم وروحهم الوثابة الا ان المعركة بحسابات العقل ليست اكثر من حلقة من حلقات الموت المقدس..
وهناك نموذج اخر يقف عدي التميمي رمزا له وعلى نهجه عشرات الابطال المنفردين الذين يسطرون اختراقا مهما في الوعي النضالي وينقلون الكفاح الفلسطيني الى دائرة التفوق النوعي على العدو في احد عناصره، وهذا العمل مع مفاجأته وسريته واختياره المكان المناسب يجعل من مجموعة طلقات واقعا مربكا مرهقا للعدو الصهيوني ومؤسساته الامنية وهذا يعني ان تصاعد هذا العمل وانتشاره وتطويره ليصبح هو الظاهرة الأعم والأرقى سينقل المعركة الى حلقة حاسمة تحقق الضغط على أعصاب المؤسسات العسكرية والأمنية وهذا ما سيقرب وصول العدو الى لحظة اتخاذ القرار الأنسب له متمثلا بالخروج من المعركة مضطرا.. بكلمة واحدة نحن ازاء تغير في وعي طبيعة المعركة وعليه ضرورة تبني أدوات ومنهجية مناسبة تماما لطبيعة المعركة.. وفي الوقت ذاته لابد ان يقلع العقل الفلسطيني عن أدوات لا تزيدنا إلا خسارة وألما وما يؤدي له ذلك على الصعيد النفسي والاجتماعي.. لم يعد مناسبا الاستمرار في المذبحة المقدسة فدم شبابنا أغلى ما نملك.. يجب ان نصل الى هدفنا باقل التضحيات بوضوح نؤكد حاجة شعبنا الهدف بأقل التضحيات فلئن كنا نرفض سلوك طريق الذلة والهوان والتذلل للعدو فإننا نرفض طريق الكف في مواجهة المخرز واستعراض القوة.