تاريخ النشر: 2016-04-02 | 08:44
تاريخ النشر: 2016-04-02 | 08:44
حياة الفلسطينيين في الهجرة كانت تتطلب تعاون وتعاضد كل افراد العائلة حتى تستطيع سويا التغلب على مصاعب الحياة وقسوتها وتوفر لقمتها وتعلم الشاطر من بين ابنائها، خاصة الذكور منهم.
عمل حسين والد محمد ريان كناسا في الانروا وعملت زوجته في بيع الادوات المنزلية في اسواق خانيونس،
الوالد حسين ريان كان يبيع، بعد عمله في الكناسة، الملابس البالية، كان يصطحب معه طفله محمد الى البيوت، ويستخدمه في عرض بضاعته على نساء وفتيات المخيم والمدينة وذلك لصغر سنه ولانه ايضا مكفوفا!
في الليل كان حسين ريان يخرط، هو وجميع افراد الاسرة، الفلفل الاحمر بالأجرة لاصحاب الدكاكين، والد شقيان ومشقي معاه الجميع
كبر الطفل محمد واصبح شابا وتزوج في عام ١٩٦٨ من ميسر، إمراة قصيرة القامة بيضاء البشرة، قليلة الكلام ولا تتدخل في شؤون الاخرين، كانت عين محمد ريان التي يرى بها ورجله التي يمشي عليها ويده التي يعمل ويأكل منها، امرأة صابرة وصامتة
تعرف عليها من خلال اخيها الذي يعمل مدرسا في مدارس وكالة الغوث، المنتشرة في مخيمات قطاع غزة الثمانية وخارج المخيمات ايضا، تُقدم التعليم الاساسي لمدة تسعة سنوات للاجئين وابنائهم، لذلك فان معدلات الامية بين الفلسطينيين تكاد تكون معدومة.
تعرف محمد ريان علي ميسر من خلال مرافقته لأخيها يوميا في باص وكالة الغوث الذي ينقل مدرسي الانروا الى مدارسهم، ويستقله ايضا محمد ريان في طريقه الى جمعية اتحاد الكنائس في غزة ليعمل في صناعة الخيزران والمكانس
اصبح لمحمد ريان بيتا صغيرا من غرفة واحدة صغيرة مغطاة بالأسبست وبدون شبابيك للتهوية، بناها في حوش بيت والده حسين ريان
كان أبو بلال يعمل في صناعة الخيزران داخل بيته وبمساعدة ميسر زوجته، ويبيع ما ينتجه على احد التجار الذي يُسَّوقه داخل اسرائيل، كان هذا التاجر يصطحب معه محمد ريان احيانا ليساعده في تسويق بضاعته
كبر الاطفال فاخذهم ابو بلال في فصل الصيف لعيادة الوكالة ليطهرهم ، الجو حار والغرفة ضيقة وبدون تهوية وبدون كهرباء، والحرارة تمنع تجلط الدم، وتعمل على استمرار النزيف من الطفل، حاول ابو بلال ان يوصل سلك كهربائي من بيت والده حتى يستطيع تشغيل المروحة، لكنه فشل؟!
رفض الجد ذلك وترك الاطفال ينزفون ويصرخون في هذا الجو الحار، قضى ابو بلال وطفليه هذه الليلة ممدين في ظلمة الشارع ليستنشقوا قليلا من الهواء. في الصباح حنَّ عليهم احد الجيران وزود بيت ابو بلال بسلك كهرباء
في منتصف السبعينات قررت اسرائيل توسيع شوارع المخيمات بطريقة مبالغ بها، وبناء احياء سكنية جديدة في مختلف مناطق قطاع غزة، لتقلل من شدة الكثافة السكانية للاجئين داخل المخيمات، المخيمات التي تُخرج الفدائيين الذين يقاتلون الاحتلال الاسرائيلي، ويحكمون القطاع ليلا، بينما تحكمه اسرائيل في النهار، كما قال موشي ديان وزير الحرب الاسرائيلي في ذلك الزمان
خطة اسرائيلية جديدة فاشلة، وتفكير اسرائيلي عقيم للقضاء على اللاجئين وقضيتهم، تحولت هذه الاحياء من جديد الى مخيمات وبكثافة سكانية مرتفعة، الشعب الفلسطيني شعب ودود وولود،
بنت اسرائيل في قطاع غزة عددا من الاحياء منها حي الشيخ رضوان في غزة وحي السلطان وحي كندا في رفح وحي الامل في خان يونس. كان على كل عائلة تريد ان تشتري بيتا ان تهدم بيتها القديم في المخيم وتترك مكانه فارغا
اشترى حسين ريان بيتا جديدا في حي الامل وترك ابنه محمد ريان وعائلته اسرى في تلك الغرفة الضيقة عديمة التهوية،
ترك حسين ريان ابه الاعمى مرة اخرى وهو كبير، كما كان قد تركه سابقا وهو طفل صغير وحيدا في خربة الطراطير وهم في طريقهم للهجرة من القسطينة الى المجدل!!!
حاول محمد ريان، بعد ان كبرت عائلته ان يتوسع مكان بيت ابيه الذي تم هدمه، لكن السلطات الاسرائيلية رفضت ذلك، ومنعت محمد ريان من توسيع بيته فضاقت الدنيا في عيني ابو بلال الكفيفتين؟
اضطر ابو بلال البحث عن مخرج مهما كان الثمن، فقرر ارسال برقية الى بيغن رئيس الوزراء الاسرائيلي!
كتب البرقية وتوجه الى البريد، فرفض الموظف ارسال البرقية بعد ان قرأها وعينيه ترتجف خوفا من المسبات والشتائم التي تتضمنها البرقية ضد اسرائيل ورئيس وزرائها
رمى موظف البريد البرقية في وجه محمد ريان ويديه ترتعشان، وطالبه بالعودة في اليوم التالي ليسأل مرؤوسيه عن امكانية ارسال هذه البرقية القنبلة! في اليوم التالي ارسل محمد ريان برقيته الى بيغن وانتظر في بيته
وصل الحاكم العسكري مع قوات كبيرة الى بيت ابو بلال في مخيم خانيونس، سأله عن سبب ارساله البرقية. دخل الحاكم الغرفة المقبرة، شاهد اسرة مكونة من ستة افراد مكومة فوق بعضها البعض على حصيرة بالية، العرق يتصبب من اجسادهم اللزجة في هذا الجو من الزمهرير في اواسط تموز ١٩٧٨،
لم يعلق الحاكم العسكري كثيرا، هذه الغرفة لا تصلح حتى لمعيشة كلب، قال الحاكم!!!
بعد اسبوع ارسل الحاكم تبليغا لابو بلال لمقابلته، ادرك ابو بلال سبب المقابلة!
ذهب ابو بلال للحلاق، تزين وحلق شعره، استحم حماما طويلا،
لبس بدلة السموكنج السوداء على القميص الابيض والقرافة الحمراء، وذهب الى الادارة المدنية لمقابلة الحاكم.
لم يتعرف عليه الحاكم في البداية حيث تعود على ان يراه في ملابسه الرثة، وشكله العفش، وشعره المنكوش، وذقنة الطويلة وغير المرتبة.
نظر الحاكم الى ابو بلال طويلا ودار حوله مرتين او ثلاث مرات، ثم قال له، انت عربي فهمان؟ ادرك الحاكم العسكري ان هذا الكفيف يريد ان يقدم نفسه كصاحب حق وليس كشحاد يستجدي السلطات الاسرائيلية؟!
بعد عدة دقائق وصلت سيارة فارهة، مع سائق وسكرتيرة جميلة، تأبطت ذراعي ابو بلال وحملته الى السيارة التي انطلقت مسرعة الى القدس
في مبنى رئيس الوزراء، انتظر ابو بلال خمسة دقائق، وشرب كأسا من الليمونادة الباردة، ثم دخل على بيغن متأبطا ذراع السكرتيرة مرة اخرى التي ابلغته ان المقابلة مدتها خمسة دقائق
رد ابو بلال السلام على بيغن باللغة العربية
فقال له بيغن "قل شالوم"
اجابه ابو بلال، النبي عربي وانا لا اتكلم الا العربي
جلس ابو بلال مقابل بيغن،
لماذا ارسلت هذه البرقية، سأل بيغن؟
اريد بيتا، اجاب ابو بلال
سيكون لك بيت خلال اسبوع ، قال بيغن!
ترك بيغن مقعده واقترب من ابو بلال مودعا
غادر ابو بلال المكتب بعد ان سلم على بيغن دون ان يشكره
عندما وصل ابو بلال الباب، سأله بيغن مرة ثانية ألآ تريد شيئا اخر؟!
كلا...كلا.....اريد بيتا فقط!!! ثم اردف قائلا: السلام عليكم ورحمة الله،
رجع ابو بلال في نفس السيارة الى غزة، وبعد عدة ايام وافق الحاكم العسكري لابو بلال على بناء بيتا له
اصبح لابوبلال وعائلته بيتا جميلا من ٣ غرف ومطبخ وحمام وساحة واسعة امام للبيت، يستخدمها لمواصلة عمله صحبة زوجته ميسر في صناعة الخيزران والمكانس، هذه المهنة التي كان يعيل عائلته من خلالها