الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

المثقف والمفكر..المفقود في زمن الحاجة!!

المثقف والمفكر..المفقود في زمن الحاجة!!

تاريخ النشر: 2016-03-05 | 19:20

أحيانا يعجز اللسان عن التعبير، فتبقى الأفكار حبيسة العقل، بلا معنى واقعي، رغم علمنا بأن الأفكار إذا بقيت حبيسة فلا فائدة منها إن لم نُجسّدها على أرض الواقع، هكذا هي إنجازات مشاريع المثقف والمفكر عندنا، لا فائدة لحد الآن، وسيكرهني الكثير لأنه سيعتقد بأنني أعارض إنجازاته لمحوها، أو سيكرهني آخر لأنني لم أضع أي قدر له من الإعتبار، رغم تهليل العامة له، بل سيغضب الكثير ليرد علي بمقال آخر أو كلمات آلمته عابرة، فيقول للعامة أنني مخطئ، كلنا نخطئ ونصيب، ولكن ليس كلنا صادقين في أعمالنا، ففينا من يحب الحقيقة لذاتها فيعكف على البحث عنها، ومنا من يحب الشهرة وكسب المال فيجعلها كمهنة بين يديه يكسب على حساب القراء المساكين، وكلمة مساكين هنا أقصد أنهم مغيبين عن الوعي، ولا يعلمون أنهم يضعون أنفسهم على طريق الخطأ، وهو ما يؤكده باسكال بونيفاس في قوله: " أعرف بأن مواقفي من قضايا عدة تغيظ أولئك الذين لا يشاركونني تلك المواقف، لكنهم سيجدون صعوبة في اتهامي بعدم الصدق؛ أساساً، وبالضبط لأنني أقول وأكتب ما أفكر به، لا ما أظنه في صالحي، فقد أُغلِقت في وجهي بعض الأبواب لو أنني أردتُ اتباع مصالحي، لغيّرتُ خطابي في نقاط عدة، ولتجنبتُ حتى أن يكون لي خطاب في بعض الأحيان؛ لكن الشهادات العديدة من أشخاص لا أعرفهم، والتي يشكرونني فيها على صدقي، هي أجمل مكافآتي"؛ ألم نتعلم بعد من قبل أن من يسلك طريق الحق سيتجرد من الأصدقاء والأقرباء، ليس لشيء سوى أنه أراد تعرية الحق، هكذا هي دروب المهن الفكرية، ولو أردنا أن نبرهن على ذلك، لقلنا بداية أن المثقف والمفكر كلاهما أهملا الحديث عن الكثير من القضايا التي تهمنا، وكلما تذكرت أحدها – القضايا- يتألم القلب حقا لما نعيشه اليوم، بل أحيانا أصرخ داخل ذاتي بأعلى صوتي، فقط أنا من يسمع ذلك الصوت، ولا أحد غيري يسمعه، هكذا هي كتاباتي أيضا، أكتبها راجيا أن تلقى أذانا صاغية، وعقولا واعية.

لنبدأ كما قلت بالقضايا المهملة وذات الأهمية الكبيرة، وأولها النظام – وهنا القصد بالنظام السياسي لا الإجتماعي- من يهتم بإصلاح النظام حين يطغى عليه طابع الفساد؟ من يقوم بتقويم الساسة حين تطول أيديهم لسرقة ثروات الشعب؟ من يرشد الأمة للطريق الصحيح؟ من يقوم بتوعية العامة؟ من يحمي القيم الثقافية للأمة؟ من يصنع واقع الأمة؟ من يبحث عن الطرق الجديدة حين تنغلق كل الطرق القديمة؟ من الذي يخرج عن المألوف بصياغة العقل الإجتماعي؟ من الذي يحرر الأمة من كل أنواع الاستعمار؟ من يصيغ عالمنا فكربا؟ من يصنع لها مفاهيمها؟ كل هذه الأسئلة وأكثر تثبت لنا واجبات المثقف والمفكر، وإلتزام كل منه مهامه، وهنا؛ بعد توضيح المصطلحين وإزالة الغموض عليهما، نحاول أن نبحر مع بعضنا في الأدوار التي يجب على أصحاب الفكر الحر أن يسلكوه سواء كان مثقفا أو مفكراً، وإلا سنبقى في الأزمة التي تستمر كل يوم بسوء، وتأكل من أحشائنا، ليبقى قانون الغاب مسيطرا، وتستمر الفرقة والتشتت في الأوطان العربية بالإرتواء من دمائنا، وهذا مالا أسمح به أبداً، فإن كنت أنت ترضى بذلك، فأعلم أنك مجرد من إنسانيتك، أما أنا فمازالت الإنسانية تدب داخلي، ومازالت كل قضايا العرب تهمني، ومازال الوفاء يرسي جذوره فيّ، ومازالت الحقيقة منارتي، فإما أن يركع التغيير أمام قدمي، أو أرغمه بمدفع الأفكار على الإنسياق لأوامري.

سأعطيك فرصة واحدة.. فقط

لنتجاوز تلك الخلافات التي تصنع الإختلاف، لنحاول ولو ليوم واحد أن نصنع وحدة، وأن نجتمع على طاولة واحدة، ونستمع لبعضنا ولو للحظة، ونجمع كل مشاكلنا ونتقاسم المهام، كل منا له عمله، كل منا يستطيع أن يجد حلا لمشكلة ما، فإن لم نفعل، فالعاقبة أكبر بكثير، وإسأل نفسك الآن قبل أن تكمل قراءة المقال، هل أنت مستعدا للخوض في هذا الغمار؟ هل أنت مُصغي لما أقول؟ هل تود حقا أن تصبح جندي في حرب الأفكار؟

إن كانت إجابتك لا! فغادر حالا قبل أن يستيقظ عقلك، فتجهد نفسك بالتفكير، لا تتعب، فقط إحزم حقائب عقلك وأهرب بجلدك، قبل يراك الحمقى فيظن الظان منهم بأنك مجنون، وإن كانت إجابتك نعم! فهيء عقلك، وتسلح بما لديك من أفكار حرة بحلة جديدة، لأنني سأستخرج قواك النائمة، وأيقظها من سباتها، ولا تصدق ما سأقوله لك، بل إبحث في كل معلومة وجردها، وقم بتعريتها، وبعد تكملة المقال ومقارنتها بواقعنا ستحكم كم كنت مصيبا في قولي، وكم كان اللذين يعملون في صمت على حق، ولكننا للأسف إحتقرناهم، حينها فقط ستخبرني هل حقا بدأت تشعر بإنسانيك؟ أما الآن فكل ما أحتاجه هو عقل يقظ وأذن صاغية، فتعالى بنا إلى خوض معركة الفكر، ولنبدأ بأول الشواهد حول الأدوار الحالية التي نعيشها منذ قيام النهضة العربية، إلى غاية اليوم، شواهد دونها أصحابها على ورق كي يرسموا لنا معالم هذا الطريق، ومحاولة منهم لبناء جيل متماسك صاعد، ونتوعدهم بأن نكمل هذا الطريق.

نبدأ عزيز القارئ بهذه الشواهد من دول مختلفة، ومن بعدها سندخل للموضوع مباشرة.

شواهد وإعترافات...

"نحن المثقفين الذين نفكر مثل مثقفي أوروبا تماماً، ونتسم بنفس خصائصهم نختلف عنهم، فهم قد دققوا في أخذ حقائق عصرهم وتاريخهم ومجتمعهم واحتياجاته، واتسموا على هذا الأساس، وتحركوا وعملوا على هذا الأساس، أما نحن فدون سند من العصر، ودون سند من مجتمعاتنا، وثقافتنا، ودون معرفة بالظروف الإجتماعية والعصر التاريخي وأوضاع شعوبنا وأحوالهم، أخذنا خصيصة واحدة من خصائصهم، واحدة فحسب، وعملنا بها، فأدت إلى نتيجة عكسية في كل مكان وذلك لأن القضايا الإجتماعية والقضايا العينية محلية، ليست كلية".

علي شريعتي، مسؤولية المثقف، ترجمة: إبراهيم الدسوقي شتا، ط2، دار الأمير، بيروت –لبنان، 2007، ص: 80

" كم مرة دُهشت وانتابني شعور بالغضب أو الضيق، عندما كنت أكتشف، أثناء جدال عام، أن خبيراً نطق بكذبة، بل عن كذب متعمد يتحمل مؤلفه مسؤوليته، في هذه الحالة، فإن الخبير المدعو لإيضاح الأمور للجمهور، يخون هذا الجمهور، ولا يقوم بمهمته"

باسكال بونيفاس، المثقفون المزيفون: النصر الإعلامي لخبراء الكذب، ترجمة: روز مخلوف، دار ورد، سورية، 2013، ص: 5

"المسألة هي أن نعمل على تغيير أفكارنا وطرق تعاملنا مع ذواتنا لكي نتمكن من تغيير علاقات القوة والمعرفة والثروة بيننا وبين الغير؛ وحدها الثقافة الحية القادرة على الخلق و الإبتكار وعلى التجدد المستمر، عبر الفكر النقدي، تملك القدرة على الإنخراط في لعبة السباق والتنافس".

علي حرب، أوهام النخبة أو نقد المثقف، ط2، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2004، ص: 141

في أي الجزر تكمن منارة المثقف والمفكر؟

يتمثل لنا في أول هذه الشواهد أن الدكتور علي شريعتي يتكلم على لسان حال المثقفين، فيصف أن أول أعمالهم وواجباتهم هي التقيد بما يرونه لا بما يفهمونه، فالغرب بالنسبة لهم نموذج يُحتذى به، وإن كان في هذه الظاهرة نموذج نقيس عليه حالنا، فقد خسرنا كل ما بنيناه من قبل، لأن المشاكل والهموم التي تعيشها دولة أو مجتمع ما، لا تعيشه المجتمعات الأخرى، فليست القضايا واحدة، وإن كانت كذلك، فليست الحلول واحدة، وهكذا.

سابقا؛ كنت أتساءل لماذا مشاكلنا لا تحل رغم أن القنوات الإعلامية تظهر أكثر من عشرين شخصية مثقفة، وتطرح القضية بين أيديهم، ويبدؤون بالتحليل، ومن ثم لا نجد حل، ما أروع التلاعب بالعقول الصغيرة، حتى في قضايا المجتمع لا نجد الجدية على ألسنتهم، ولا الحزم، ولا في مقالاتهم؛ وهناك شيء واحد يجيدونه هو الولاء للفرنسية، حفاظا للغة الفرنسية والقيم الفرنسية، والثقافة الفرنسية، وكذلك بالنسبة للدول العربية الأخرى فإما للفرنسية أو الإنجليزية، تجدهم يصرون على التكلم باللغة الفرنسية أو الإنجليزية، حتى لا يظهر النقص الكامن داخله، ويظهر ولاءه لمن لا ولاء لهم، وعندما يحلل قضية ما بلغة غير لغته وبين أفراد مجتمعه، ويخاطب العامة البسطاء من معلم، وفلاح، وراعي غنم، وبناء، وخياط، ودباغ، وحداد، وبقال، وتاجر وغيرهم من الأصناف التي لا تفقه أي لغة سوى اللغة العربية الأم، وعلى أرض وطنه فهذا يشعرني بالدونية، ولكن يُشعره هو بأنه متنور هدفه تنوير الأمة، أو متقدم هدفه إنقاذنا من حطام التخلف، أو مثقف وذو رسالة تهدف إلى توعيتنا، وما هو إلا تزييف ومرض ليس له دواء.

إذن أول بدايات مثقف اليوم هي تقليد مثقفو الغرب، والترجمة، إضافة إلى البحث عن الحلول لمشاكلنا بطريقة غربية، وهذا مالا ينفعنا، بل ينفع مستعمري الأمة، وهنا ستقول بأنني أهرطق لأنني لا أفقه شيئا، أو ستقول شيئا من هذا القبيل؛ ليس صحيحا ما تقول، بل أعي ما أقول، ولو أردت إثبات فخذ عني هذا المثال، في قناة الشروق الجزائرية، تأتي حصة كل يوم بعنوان: " هنا الجزائر"، يكون فيها الصحفي حكما، وإثنين من المثقفين المزيفين الذين لا يراعون أي إهتمام بالشعب، أحدهم يعلن الولاء للنظام، والآخر تابع للمعارضة، فأحدهم يثبت أن النظام يقوم بعمله، وقد حقق إنجازات عظيمة مقارنة بالحقب السابقة، في حين أن الثاني يعارضه تماما ويدعي أنه يدافع عن حقوق الشعب، ولكن في يد الإثنين ليس هناك أي دليل، فالنظام الجزائري واقعيا لم يحقق إنجازا منذ سنة 1962م، ولم يستطع حتى القيام بدستور يفي بالغرض ويمس 10 بالمائة من حقوق المواطنين، في حين أن المعارضة منذ قيامها سنة 1989 لم تحقق أيضا أي إنجاز، وهذا ما أعتبره في نظري فشلا تاما، والفشل الأعظم هو خسارة شعب لم نستطع توعيته، وهنا لست مرغما على التحليل والتفصيل، ولكن فقط لإظهار الخفاء أو الموت التام للثقفين والمفكرين، ولم نلحظ ولو كلمة واحدة تبعث بالحق والحقيقة - سوى القلة القليلة الذين تابعت لعضهم ولازلت أبحث عن الآخرين كبحث الأنظمة العربية عن النفط في الصحاري- وتبث فينا بهجة العقل حقا، ليس هناك دورا يمكن للمثقف العربي أن يؤديه، ما عدا القليل القليل، أمثال مالك بن نبي في الجزائر، والدكتور مصطفى محمود في مصر، وعدنان إبراهيم ذو الأصول الفلسطينية، وفيصل الدراج، وإدوارد السعيد، علي حرب، أسامة عكنان، وغيرهم الذين يعدون على الأصابع.

بهذه الطريقة لا يمكن أن يظهر المثقف أبدا، فالترجمة والتقليد لا يصلح بأن يصعدا بالمجتمع نحو الأفق، ولا يمكن كشف أسباب تخلفنا، ولا الطرق التي تسير بنا نحو ركب التطور، ولا أن تنور عقولنا، ولا تبعث فينا روح التوعية، وبالتالي أكاد لا أحصيها تلك المشاريع التي قامت بها الكثير من المنظمات والجمعيات للتوعية، ولكن كلها باءت بالفشل، حتى الجامعات التي يصنفها الحمقى بأنها تصنع مثقفين، فهذا مغلوط، يمكن لها أن تصنع معلما، أو طبيبا، أو مهندسا، أو محامي، أو قاضيا، أو موسيقي، ولكن هيهات أن تصنع مثقفا، لأنه ببساطة ليس كل من يحمل شهادة جامعية يعني بأنه قد أصبح مثقف، ولا أتكلم عن واحد أو إثنين كحالات شاذة، فالشاذ لا يقاس عليه، فحاليا أعيش بين الألم والألم، نتيجة لما أراه وأبصره من الفساد والكسل العقلي، والجمود الفكري بين أصحاب الأقلام ومن يدعون الفكر، نرى دكاترة في جامعاتنا وهم لا يعلمون حتى طرق الكتابة، بل لا يفقهون اللغة العربية، وليس لهم أي إنجاز يذكر في التأليف، بل لا يملكون مقالا واحدا في مجلة علمية محكمة، وهذا ما يزيد الألم داخلي، ولا مخرج منه إلا بهذه الكلمات، هنا فقط أجد راحتي، هنا فقط أتواصل معكم عسى أن أحدث بفضل الله تغييرا وسط مجتمعي، ومنذ الصغر كنت أعلم أن من يقوم بهذا الدور سيلقى الكثير من العثرات، بل سيسجن لأنه يفكر بعقله، وسيهان لأن فكره لا يتوافق مع أصحاب العقول الجامدة، ولكن مازلت مصراً، فهل أنت كذلك؟

يمكن القول بأن المثقف ليس شرطا أن يتعلم الفلسفة، ويتفلسف، وليس شرطا أن يدرس في الجامعات الغربية، وليس شرطا أن يتقن اللغات الأجنبية، وليس شرطا أن يكون معارضا للسلطة، ولكن الشرط الأساسي هو أن لا يكون مقلدا للآخر، وأن يكون ذا أسلوب يخصه، وأصالة ترفعه، وأن يكون فقيها بمشاكل وهموم شعبه ومجتمعه، ويشعر بكل قضية تدبُّ في جسده، وتتدفق كالدماء داخل أوعيته، يحس المسؤولية، ويكون في الغالب مستعدا للتضحية بنفسه من أجل هذا المجتمع، هذا هو المثقف الذي نريده، وهذه هي سلالة ابن رشد بالنسبة لي.

لكن أن يتشرب ما يمليه عليه الآخر لكي يتم تصنيفه من المثقفين أو من المفكرين، فهذا قمة العار، وإن أردت أن دليلا، فأعلم أنني لا أتكلم بدون دليل، وما حصتي اليوم معك إلا بالبرهان، إستمع إذاً لما يقوله جون بول سارتر في مقدمه كتابه " المنبوذون في الأرض" – نقلا عن شريعتي - إلى الأسلوب الذي يلجأ إليه الغرب في صناعة مثقفينا، والمجال الذي يتم إستخدامهم فيه، لتتأكد أن التوعية غائبة، وأن النزاهة منعدمة، وأن شرف الإنتماء للعروبة معدوم عند أغلب مثقفينا، وأن التقليد يغرس جذوره لليوم، فهو يقول: " كنا نحضر رؤساء القبائل وأولاد الأشراف والأثرياء والسادة من إفريقيا وآسيا، ونطوف بهم بضعة أيام في امستردام ولندن والنرويج وبلجيكا وباريس، فتتغير ملابسهم، ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الإجتماعية الجديدة ويرتدون السترات والسراويل، ويتعلمون منا طريقة جديدة في الرواح والغدو والإستقبال والإستدبار، ويتعلمون لغاتنا وأساليب رقصنا وركوب عرباتنا، وكنا ندبر لبعضهم أحيانا زيجة أوروبية، ثم نلقنهم أسلوب الحياة ضمن أثاث جديد، وطراز جديد من الزينة، واستهلاك أوروبي جديد وغذاء أوروبي، كنا نوحي ونلهم في أعماق قلوبهم الرغبة في تغريب بلادهم ثم نرسلهم إلى بلادهم، وأي بلاد؟ بلاد كانت أبوابها مغلقة دائماً في وجوهنا، لم نكن نجد منفذاً إليها، كنا بالنسبة لها رجسا ونجساً، كنا أعداء يخافون منا وكأنهم همج لم يعرفوا بشراً؛ لكننا بمحض أن أرسلنا المثقفين الذين صنعناهم إلى بلادهم، كنا بمجرد أن نصيح من أمستردام أو برلين أو بلجيكا أو باريس، قائلين " الإخاء البشري" ، نرى أن رجع أصواتنا يرتد من أقاصي إفريقيا أو فج من الشرق الأوسط أو الأقصى أو شمال إفريقيا، كنا نقول " الإخاء البشري" وكانت "...البشري" ترتد من الطرف الآخر، كنا نقول: " ليحل المذهب الإنساني أو دين الإنسانية محل الأديان المختلفة " وكانوا يرددون "....المختلفة" تماماً مثل الثقب الذي يتدفق منه الماء في الحوض، هذه أصواتنا من أفواههم، وحينما كنا نصمت، كانت ثقوب الأحواض هذه تصمت أيضا، وحينما كنا نتحدث كنا نسمع إنعكاسا صادقا وأمينا لأصواتنا من الحلوق التي صنعناها، ثم إننا كنا واثقين من أن هؤلاء المثقفين لا يملكون كلمة واحدة يقولونها غير ما وضعناه في أفواههم، ليس هذا فحسب، بل إنهم سلبوا حق الكلام من مواطنيهم، هذا هو دور المفكر الذي يأخذ الشكل الأوروبي ويمثله في الدول الإسلامية، دور " دليل الطريق" للإستعمار في البلاد التي لم يكن يعرفها أو يعرف لغاتها، وهو كالنملة، عمل في الشرق من أجل تثبيت هذه المادة الثقافية والإقتصادية والأخلاقية والفلسفية والفكرية المسممة للإستعمار الغربي داخل هذه الأشجار الوافرة الأصلية، هذا هو النقل الذي كنا قد صنعناه وسميناه بالمثقفين، كانوا عالمين بلغاتنا، وكان قصارى همهم ومنتهى أملهم أن يصبحوا مثلنا، في حين أنهم أشباهنا وليسوا مثلنا، إنهم نحروا من الداخل ثقافة أهليهم وأديانهم القومية التي تصنع الحضارات ومُثُلهم وأحاسيسهم وأفكارهم الجميلة وأصالتهم الأخلاقية والإنسانية، وتحت أي شعار وبأي اسم؛ بإسم مقاومة الخرافات أو مكافحة الرجعية، أو الوقوف ضد السلفية، وبإسم نفس أولئك المفكرين الأوروبيين الذين قاوموا الرجعية والكنيسة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، كان مفكرو أوروبا وعلى رأسهم ومن روادهم وأبطالهم أمثال جاليليو وكوبرنيكوس وكانط وكبلر وديكارت وديدرو وجان جاك روسو وفولتير وكتاب دوائر المعارف أي الأنسكلوبيديين، كانوا مناضلين في سبيل الحرية، كانوا مفكرين بالفعل وأناسا بذلوا أرواحهم في سبيل حرية البشر، وكانوا نوابغنا الفكريين وعلماؤنا العظام".

لا أريد هنا أن أستزيدك، ولكن أريدك أنت أن تكمل الباقي، لأنني هنا سأنتقل لما فعله التقليد فينا، وما زرعه بين أضعلنا، حتى لا أحيد عن مقصدي؛ طيلة هذه السنوات وأنا كاتم صوتي وضميري، أما الآن فقد حانت الساعة لكي نثبت ما لم يثبته غيرنا، أو مما تجاوزوه، فمن كنا نعتقدهم أعظم مفكرينا، أصبحوا الآن بالنسبة لي أرخص الناس، ليس جميعهم بالطبع، ولكن أغلبهم، يقال بأن من يملك أرضا وأراد إستغلالها يجب أن يحصل على البذور، وليس أن يحصل على أشجار، أما مفكرينا فقد أرادوا غرس أشجار، ولو زرعوا بذورا لأثمرت، ولكن أن تغرس أشجارا مثمرة مباشرة، فهذا لن يجني عليك سوى خشب يابس وأوراق تتساقط بين الحين والآخر.

لقد خربونا وجردونا من قيمنا، وقضوا على كل بصيص أمل في بناء مجد أمة، وأنهوا حضارة وطئت قدمها كل العالم، بتظاهرهم أن الإصلاح من شأنهم، أوروبا لما أرادت التغيير لم تقلد بل صنعت لنفسها، أنتقت العلوم منا، ولكن بطريقتها وبأسلوبها، هكذا هم صنعوا عقلا غربيا، وهكذا نحن ضيعنا عقولنا، لهذا فقط نرسل أبناءنا ليدرسوا بالخارج، ثم بعد تخرجهم يأتون بعقل غربي وبأهداف غربية، وبمشاريع غربية ليطبقوها على أرضنا، ويعتبرون أنفسهم ذوو إنجاز عظيم، فبدلا من أن يصرف بقية عمره في البحث عن تراثنا وتنقيته من الشوائب، وتوعية المجتمع، فهم يلجؤون إلى ترجمة فلسفة هايدغر، فتغنشتاين، وسارتر، وراسل، دريدا، وفوكو ،و غيرهم بلغة أكاديمية لا يفقهها سوى الأكاديميين، بل أصبحت لهم لغة خاصة يتواصلون بها هي اللغة العلمية، وأكثر من ذلك فهم يتفاخرون بهدم الأمة، ويفتخرون بكل عمل يزيد من هلاك أصالة الأمة.

إذا أردنا حقا التغيير، يجب أن نعرف من نحن؟ وما هو واجبنا؟ وكيف نقوم بهذا التغيير؟

يقول الدكتور علي شريعتي: "الحضارة والثقافة تنشآن بإعداد الأرض، والعمل فيها بصبر ودراسة ووعي ومعرفة، بتغيير الإنسان وتغيير الفكر مع معرفة أرضية المكان الذي نعيش فيه وجوِّه، بإختيار البذور واختيار أنواع الثمار وتعهدها بالرعاية، ومعرفة أنواع الثمار التي تناسبها مع احتياجاتها مع الفائدة التي نريدها منها"، هكذا يجب أن نقوم بكل شيء، وهكذا فقط نبني جيلا مثمرا، لا أن نأتي بثقافة حضارة غير حضارتنا، وتتناقض مع قيمنا، ونقوم بإرسائها في أذهان أمتنا ونقول بأن التغيير لا يصلح، بل يصلح لو كشفنا عن ذوات المشكلات التي تعترضنا، وتنمو الثمار لو أعطينا لأنفسنا لحظة صدق لزرع بذور تتناسب وأرضنا، فإلى متى ونحن نأخذ النماذج الغربية؟، ونتبع أهواءهم، وننتظر التقدم والتطور، لقد أعطينا لأنفسنا عدة تجارب، هذه أمريكية وهذه أوروبية، ولم تصلح، لماذا لا نقوم الآن بالثقة بأنفسنا وبتراثنا؟ لماذا لا نبادر بتعليم أبنائنا هذا التراث الذي صنع العصر الحديث، والذي تنعم فيه البشرية جمعاء اليوم؟ لماذا ولماذا؟.

هذه الأسئلة تستهدف كل عربي مسلم، ولا تستهدف فقط الطبقة المثقفة، وأعني بالمثقف هنا، لا هم من طبقة العوام المقيدون بتقاليد وأنظمة المجتمع، ولا هم من العلماء المختصون والفلاسفة التائهون والفنانين ولا من رجال الدين ذوو الأصولية الجاهلة المفتونون بتعصبهم، بل أقصد بهم الذين يؤدون دور النبوة والرسل داخل كل مجتمع كما قام به نبينا صلى الله عليه وسلم ليحدث التغيير في قرية بدوية، لا تفقه شيئا، فتحكم العالم بين خمسة وستة سنوات، هكذا يكون الدور، لا التخفي وراء الإعلام، والتاعب باللغة، وأستهدف بها أبضا المفكرين الغارقين في أوهامهم الفكرية؛ ذلك أن المفكر يهتم بالنصوص بقدر ما يهتم بالوقائع، بحيث يجابه الواقع بوقائعية نصه كما يسهم في صنع الحدث بحدثية أفكاره، وهو إذ يشتغل بخصوصيته وإنطلاقا من مجال عمله، إنما يمارس عالميته بقدر ما يضطلع بمهمته التي هي إنتاج الأفكار وإبتكار المفاهيم، أي بقدر ما ينجح في خلق واقع فكري يترك أثره في مجرى الأفكار والوقائع، وهذا شأن المفكرين المنتجين والمبدعين في حقول اختصاصهم وميادين عملهم، إنهم يسهمون في صنع العالم بأفكارهم الخلاقة ومفاهيمهم الخارقة للحواجز المنصوبة بين اللغات والثقافات أو بين الأمم والقارات، الذين كادوا أن ينقرضوا كما إنقرض الفلاسفة العرب مع الغزالي، وهذا ما يزيد خوفي يوما بعد يوم، وهنا أشير إلى قضية إنقراض الفلسفة أنه سيتم معالجته في أحد المواضيع القادمة بإذن الله، ونعطي قراءة جديدة للفلسفة ودورها، وتأثيراتها على صنع الحضارة، وكيف إنقرضت؟، وهل يتم إعادة إحيائها من جديد؟ كل هذا سيتم معالجته.

نرجع إلى قضيتنا، ونقول بأن المثقف أو المفكر، هو ذلك الفرد الواعي بكل ما تحمله كلمة الوعي، ومسؤول بكل ما يندرج تحت المسؤولية، ومن بين أعظم الأدوار التي يجب أن يقوم بها هي منح الحياة للأمة، كيف؟

يجب أن يكون متشربا من ثقافة المجتمع، وعالما بتراثه وتاريخه، وفقيها بمشاكله، وله هدف عظيم يسعى لتحقيقه، يتضمن هذا الهدف السعي الدؤوب لإعادة بث الوعي، وإيصال المعرفة إلى أذهان العامة والبسطاء، لماذا الوعي؟؛ يقول شريعتي: "لأن الوعي يبدل الجماهير الضعيفة الراكدة إلى مرجل بناء في حالة هيجان، ولأن الوعي هو الخلاق للعبقريات العظيمة والقفزات الواسعة، وبعد أن تستيقظ الحضارات والثقافات والأبطال العظام من قلب الوجدان، ينهض المجتمع".

فالتحرر من كل الأوهام والخرافات التي تلتهمنا كل يوم، والتي لا تحصى في مكتباتنا من كتب ومجلات وصحف، لا نفع منها إن لم يكن فيها عقل واع، أصيل وحر، لأن مسؤولية المفكر أو المثقف هنا، هي بعث اليقظة في الجماهير النائمة، وإحياء الواقع بنقله إلى أذهان المجتمع الجامد، والصراخ في آذانهم الصماء، وكشف الأسباب، ورسم الإتجاهات، وترشيد القيادة، وزعزعة العقول، هكذا يتم تحويل الأفكار من الركود إلى متحرك، ومن الكسل إلى النشاط، هكذا تُضرم نيران جديدة في مجتمع يكاد لا يملك ذاتاً، وهذا العمل لا يقوم به سوى الأحرار، ليس لغرض الحرية البلهاء القانوينة السياسية، ولكن نقيض العبودية، هذا ما لا يقوم به غير المثقف والمفكر، وهم وحدهم القادرين على ذلك، وحدهم الذين يمكنهم تحقيق هذا الإنجاز العظيم، لا أولئك الذين يفتتون الأمة إلى طوائف، ويزرعون الفتنة بين أبناء الأمة الواحدة مثلما فعلوه بالإباضيين والقبائل في الجزائر، أو مثلما فعلوه بالسودان من شمال وجنوب، أو ما يفعلونه حاليا بسوريا واليمن، وليسوا أولئك الذين يقسمون جهارا نهارا بأنهم المخلصون وأصحاب الحقيقة الذين يُخلّصون الشعوب من جهنم، ويبعدونهم عن دنياهم، وليسوا أولئك الذين يصنعون الخرافات والأساطير وينشرونها بإسم الدين، والدين بريء مما يقولون.

الذين ينشرون الحياة في المجتمع هم المثقفون والمفكرون المتمردون عن تقاليد وعادات المجتمع، هم الذين يخرجون عن المألوف، ولا يقبعون داخل الإطار الذي يقبع فيه الآخرون، بل يتجاوزونه، لأن دورهم هو تعليم المجتمع كأب يعلم إبنه الصغير المشي، سيسقط في محاولته الأولى نظرا لتعقد الأمر، ويسقط في الثانية نتيجة الأشياء التي تعثره، وينجح في المحاولة الأخيرة، لأنه أدرك كل أخطاءه، هذه هي مشاريع المثقفون والمفكرون الأحرار، سيتعثرون في البداية لأن الجميع يقف ضدهم، وسيصفهم الأغلبية بأنهم إما مجانين أو أنهم مخادعون، ولكن في النهاية سينجحون، ويكسرون حاجز الإنغلاق والجمود، ويتحررون من كل القيود، ويرسمون له هدف الحياة، ويقدمون له رسالته، وينيرون له الطريق، ويصنعون له حضارته، وكل أماني أن أرى هذا النجاح اليوم.

كل هذا وأكثر لا يمكن شراءه، ولا يمكن الحصول عليه بمجرد أنك حصلت على شهادة جامعية تثبت أنك تفوقت في الإمتحان، ونجحت بتفوق، كل هذا لا يجعل منك مثقفا أو مفكرا، وهنا أستثني الحالة الشاذة علما بأن الشاذ لا يقاس عليه، وإنما على العموم والغالبية، هم مجرد أغنام تهضم بضعة كتب فيها مجموعة من المدارس أو النظريات يتعلمونها، ويعلمونههم في الجامعات بأنهم إذا أرادوا تحليل قضية فما عليهم إلا أن يطبقوا أحد هذه النظريات، كما علمونا نحن في كلية الحقوق والعلوم السياسية، بأن كل القضايا السياسية يجب أن نحللها عن طريق النظرية الواقعية أو الليبرالية، أو الماركسية أو النقدية، ولم يعلموننا كيف نرى قضايانا بنظرتنا نحن كعرب وكمسلمين، وكأننا نحن حضارة لم تنتج ولن تنتج بنفسها، هكذا ننفي ذاتنا من بين الآخرين، لنبقى داخل قوقعة التقليد، فلا نلبس سوى ما يلبسون، ولا نفكر سوى بما أنتجه الغرب، وكأنهم يقولون لك، قيّد عقلك قبل الدخول للجامعة، لأنك مهما فكرت ومهما حاولت لن تنتج بفكرك مثل ما أنتجته جامعات الغرب، مثل جامعات بريطانيا التي إحتلت أغلبية إفريقا ونهبت ثرواتها، وتركتها إلى يومنا هذا في فقر وجهل، أو جامعات فرنسا التي إحتلت أرضنا أرض المغرب العربي الكبير لتترك آثارها من قسمة وفرقة، وصراع دائم ولازالت لليوم لغتها وثقافتها تدب بين أبناء الوطن وعجبا لمن يفتخر بذلك، أو أمريكا التي تصنع الأمل بمجرد كلمات وتأخذ مقابلها بترولنا وغازنا، وتقتل رؤساؤنا، وتهجر شعوبنا العربية، وروسيا التي ترسم فسيفساء الأوطان العربية من قسة لقسمة، حتى لا نكاد نرى دولة في خرائط العالم إلا بالمجهر، وتقتل أطفالنا ونسائنا وشيوخنا كما نقتل نحن الذباب بالجملة، آخرهم إسرائل التي تعلمنا ديننا، وتصنع لنا الغذاء، وتعطينا القنوات الفضائية، وتتحكم بأموالنا عن طريق البنوك الدولية، وتصنع الحروب بين الدول العربية ذات اللغة الواحدة والدين الواحد والمصير الواحد، ثم تكون هي الطرف الثالث في المفاوضات، لتحكم بيننا، ويا لهذا العدل منها، بعد أن سرقت أرض الأنبياء، وإستولت على وطننا، وإغتصبت بناتنا، وشردت شبابنا، وهي التي تخبرنا كم من السلاح يجب أن نملك، وكم من الأشخاص الذين يجب أن نغتالهم، وأي المناهج التربوية التي يجب أن نعلمها لأبنائنا، فهي التي ترفه علينا بالقنوات الإباحية، والبرامج التي تبث المثلية، وتعلمنا الحقوق والواجبات، كل هذا وأكثر سيدي القارئ، وأتمنى أن لا تصدق إلا بعد أن تبحث وتتحقق، لأنني لم أتعب بعد من ترشيدك إلى الطريق الذي يجب أن تكون فيه، طريق المثقفين والمفكرين الأحرار، فتابع معي عظمة هذه المسؤولية.

من أعظم مسؤوليات المفكر الحر، الذي يحمل داخله هم وألم المجتمع، هو أن يبحث في السبب الأساسي والحقيقي الذي أودى بمجتمعه للإنحطاط، وأن يكشف غطاء ذلك السبب الذي جعل من مجتمعه وبيئته تعيش في ركود تام وتأخر ومأساة كبيرة، وأن يقلد دور المنبه بالنسبة للنائم، وذلك بإيقاظ المجتمع من غفلته، وترشيده بوعي، لينقله إلى السبب الذي سبب له تلك المأساة، ويريه مصيره البائس، ويعلمه تاريخه المشؤوم، ويظهر له الحل، ويوضح له الهدف، ويرسم له أسلوب السير الصحيح الذي يلزمه من أجل التحرك، والتخلص من هذا الوضع اللئيم، يجب أن يحصل على الحلول اللازمة لشعبه ووطنه لا لأنه مفكر، بل لأن إمكانياته وإحتياجاته وآلامه يفرضان عليه ذلك؛ يقوم بكل هذا وفق إستراتيجية مدروسة بإحكام قائمة على أساس إستخدام صحيح للمعرفة وما يتناسب ومشاكل وآلام مجتمعه، يقوم بإكتشاف الروابط والعلاقة القائمة بين الأسباب والنتائج، بين التخلف والإنحطاط والفقر والأمراض، بين العوامل والظواهر الموجودة في الداخل والخارج، بين الجغرافيا والفكر، بين اللغة والمعنى، بين الثقافة والسياسة، بين الجامد والمتحرك، كما يقوم بنقل المسؤولية التي يحسها من طائفة المفكرين المفاهيمية الذهنية المحدودة إلى السواد الأعظم لمجتمعه، ويجعل التناقضات الإجتماعية الموجودة في قلب مجتمعه داخل وعي الناس وأحاسيسهم، وهذا ما يقوم به المثقف، هو إحياء التناقضات ونقلها من ذهنية المفكر إلى الواقع، من أجل توعية الناس.

يقول شريعتي: "يعتقد المفكرون المعاصرون أنه حينما يحدث التناقض الجدلي في قلب مجتمع ما، فإن هذا التناقض والجدل بين الدعوات ونقائضها يجبر المجتمع على الحركة، ويسير به قدما إلى الثورة، ويدفعه إلى الأمام ويحرره وفي النهاية يدخل في مرحلة أخرى، وبناء على هذا الرأي فإن الفقر في حد ذاته وهو تناقض اجتماعي أو " الفوارق الإجتماعية" في حد ذاتها وهي أيضا تناقض اجتماعي، تستطيع أن تسبب الصراع تلقائيا، في حين أن الأمر ليس كذلك، وهذا الرأي خدعة كبرى، فلا يوجد مجتمع أبداً يتحرك ويتغير ويصل إلى حريته لمجرد أنه يحتوي على تناقض جدي في داخله، أي أن فيه تناقض طبقي، فيه فقراً وغنى بصورة مفجعة ومنحرفة، ومن الممكن أن يبقى الفقر أو التناقض الطبقي في أساس المجتمع لآلاف السنين دون أن يحدث أدنى تغيير، فليس للجدل حركة...إن التناقض في المجتمع يستطيع أن يسبب الحركة ويتبدل الجدل في المجتمع إلى تصادم بين الدعوات ونقائضها حينها يحمل هذا التناقض من أساس المجتمع ومن داخل النظام الإجتماعي ويوضع في ضمير الناس ووعيهم".

فالتناقضات التي تشكل بنية المجتمع الواحد، ليست هي السبب الحقيقي كما يعتقدون لإحداث زعزعة في النظام الإجتماعي، لأن كل الدول العربية وكل دول العالم الثالث مليئة بهذه التناقضات، إلا أننا لم نلحظ أي تغيير أو زعزعة منذ إستقلالهم، فالجزائر والمغرب وتونس والسعودية والأردن ومصر وسوريا ولبنان السودان والصومال ...إلخ، نجد فيها الفقر بأعلى درجاته والغنى بأعلى درجاته، ولكن لا حياة لمن تنادي، ولا أثر لتلك النظرية؛ لأن كل تلك التناقضات لم يتم نقلها من الواقع إلى أذهان الناس، وما لم يكن لهذه التناقضات إحساس لدى الشعوب فإنها ستظل في جمود تام، وفي سبات لا يرثى له، لأن الفقر في حد ذاته لا يسبب الحركة، من الذي يسبب تلك الحركة والنشاط؟ هو الإحساس بالفقر، فالإحساس هو الذي يسببها، وهذا الدور يقوم به المثقف بعد تشخيصه من قبل المفكر، على عكس ما نلاحظه اليوم، وما أكثر الحديث بإسم الشعب، والدفاع عن حقوقه، ومحاولة إستغلال نقاط الضعف فيهم عن طريق التكلم عن الفقر وعن البطالة، وغلاء المعيشة، وغيرها، ولكن بجمود، دون وعي، وما لم تنقل كل هذه الهموم المتراكمة من باطن المجتمع إلى ضمائر الناس ووعيهم، حتى يتسبب في إحداث الحركة المرجوة، وبعث النشاط فيها، وإدراكها، ليقوم المجتمع بحركته بنفسه، فلا فائدة من المثقف ولا فائدة من أدواره تذكر.

لهذا نقول بأن المثقف على دراية تامة ووعي كامل بكل هاته التناقضات في مجتمعه، وعلى وعي بالعوامل الصحيحة لهذا التناقض والتضاد، وعلى وعي بمتطلبات وإحتياجات هذا العصر وهذا الجيل، وعلى دراية بسؤوليته نحو تخليص المجتمع من هذا الوضع المتناقض، وعلى وعي بالحلول والمقترحات التي يقدمها للمجتمع، ومنحه نوعا من العشق والإيمان المشترك الراسخ لأفراد مجتمعه الذين يعيشون في الخضم البارد الراكد لمجتمعهم التقليدي المنحط كما يصفه شريعتي، محاولا إحداث بصيص أمل وتحريك عجلته عن طريق نقل علومه ووعيه وخبرته إلى شعبه ومجتمعه، فدور المثقف هو دور الأنبياء والرسل في مجتمعاتهم، ودور الرسل هو نشر الألفة والمحبة، وزرع الإيمان، وبعث الحركة والنشاط بنور الهدى، ونصرة للعدالة، وحماية بني جلدته من كل مستعمر فكري أم مادي، بلغة بسيطة مناسبة للعصر الذي يعيشه وللوطن الذي يسكنه، ويكد بجهده لصنع الحلول بما يتناسب ومشاكل مجتمعه، وبما يتوافق مع ثقافته.

أما المرشد الأعظم للمثقفين، فهو المفكر، وما ينبغي عليه إلا أن يحاول فهم ثقافة مجتمعه، فإن كانت علمانية كثقافة أوروبا سعى إلى البحث عن الحلول لمشاكل مجتمعه بروح العلمانية، أما إذا كانت ذات نمط ديني كثقافتنا فيجب عليه أن يفهم أن الروح الغالبة على ثقافتنا هي الروح الإسلامية، وأنها مغروسة بأعماقنا منذ القدم، وأنها هي التي تشكل ذواتنا، يجب أن يفهم أن الإسلام هو الذي صنع تاريخنا وحوادثنا وقاعدتنا الأخلاقية ونقاطنا الحساسة، هو من يعمل في ميدان التفكير، ويشتغل بالأفكار، لكي ينتج أفكارا جديدة، أو يصوغ إشكاليات فكرية مختلفة، ويفتح لنا أفاقا واسعة، أو يبتدع ممارسات فكرية جديدة؛ وإذا كانت الأفكار والمفاهيم هي استراتيجيات للتحويل أو طاقات على التشكيل، فإن دور المفكر عندنا هو أن يكون فاعلا فكريا بالدرجة الأولى، مشبعا بالثقافة الإسلامية ثانيا، وبخلقه بيئة للتفكير أو وسطا للفهم أو مناخا للحوار أو مساحة للتواصل والتعارف؛ وإذا لم يدرك هذه الحقيقة الواقعة، كما فعل أغلبهم سابقا تقليدا للغرب بمحاربة الدين الإسلامي، فسوف يسقط ضحية لجوه المصطنع المحدود، وإذا اعتبر نفسه مجردا من العقائد الدينية وتنفس في جو أوروبا القرن التاسع عشر والقرن العشرين، فسوف يسقط فريسة للخطأ في معرفته بأفراد المجتمع وتفاهمه معهم، ولن يقع منهم موقع القبول، وهو ما شكل أزمة الثقة بين الثلاثي: المفكر والمثقف والمجتمع.

من ناحية أخرى، نلجأ مثلا لمقاومة الدين في أوروبا مثل ما لاحظناه في الفصل الأول، أن أوروبا كانت تطغى عليها الكنيسة، وبالتالي سببت فوبيا بالنسبة للأوروبي اليوم، لأنه يخجل حتى من ذكر تلك القرون التي قيدت العقل الغربي، ونفت كل العلوم، تاركة المجتمع الأوروبي يعيش بين الأساطير، لهذا تم محاربة الدين وفصله عن كل العلوم، لتعيش اليوم بروح علمانية، أما نحن فقد حاربنا الدين فلم تكن النتائج مثل ما توقعنا، بل كانت عكس ما حدث في أوروبا بالضبط، وبالتالي كانت أفدح وأكبر جريمة نرتكبها في حقنا وفي حق مجتمعاتنا، ذلك أن الحس الديني والثقافة الدينية، ونمط الثقافة في حد ذاته يختلف تماما عن ماكان موجودا في أوروبا القرون الوسطى، لأن دينهم يقيد العقل، وديننا يدعوا إلى التدبر، ولولا ذلك لما صنعت الحضارة الإسلامية أمثال الفارابي، وابن رشد، وابن خلدون، والغزالي، والكثير الكثير من فلاسفة وعلماء ومفكرين ودعاة حقيقيين، وهم الذين صنعوا الحضارة الغربية اليوم، أما نحن فقد نبذنا كل ذلك وتعصبنا وأغلقنا على أنفسنا وضيقنا الخناق، أو العكس تماما، فكانت كلاهما ذات نتيجة عكسية

يجب على المثقف والمفكر أن لا يقع في مثل هذا العمى التقليدي، يجب أن يبصر مشاكل مجتمعه، وأن يعرف مع أي نوع من المشاكل يتعامل؟ وفي أي مجتمع هو؟ ومع أي صنف من البشر؟؛ عليه أن لا يفكر بتاتا بأن ما يقع اليوم من مشاكل وإنحطاط، وجمود ونسخ وتقليد بسبب الدين الإسلامي، الدين الذي صنع ثقافة مجتمعه، والذي يعد عصب الحياة والتقدم، وأن لا يتعامل على هذا الأساس أبدا، لأنه لو فعل، سيخسر كل جهوده خاصة وأن مجتمعنا العربي الإسلامي يعيش بإيمان راسخ على هذا الدين، ويرى أن المثقفين والمفكرين ليسوا منهم ولا هم منهم، فتتسع الهوة بينهما، ويقع المجتمع بين أيدي خونة البلاد، وخونة الوطنية، وخونة الدين نتيجة فرارهم من طبقة أصحاب الفكر، هكذا تستغلهم القوى الرجعية الخائنة المنحرفة الإستعمارية بإسم الدين، لذلك يجب أن لا تقاوم الدين مثلما قاومه الحمقى من قبل تقليدا لأوروبا، يجب أن تحدد أين توقفت عجلة المجتمع؟، حتى يمكنك أن تعيدنا إلى ذلك الزمن، وتحرك العجلة نحو الأمام.

تغييب القضايا الحقيقية بأخرى مزيفة

لنأتي مثلا بالقضايا الدينية والتي مازالت نارها مشتعلة منذ بروز الإخوان على أرض الواقع، ليس تماما ولكن على الأقل هذا ما يقولونه، لأنهم لو بحثوا جيدا لوجدوا أكثر من ذلك، إلا أنهم لا يريدون أن يُجهدوا أنفسهم بالتفكير والبحث، لأنه مشقة كبيرة، وتعب فوق تعب، وكل هذا لا يجني عليه أرباحا، مصائبنا بدأت مع الخلافة الأموية لو أردنا البداية حقا، ولكن سنقتصر فقط على القضايا الراهنة، وأبرزها أن هناك شيعا أو فرقا، أو طوائف تقوم بدورها، فكل منهم يدعي حمل مشعل الحقيقة، لدرجة أنها أصبحت لعبة لها مؤيدوها، ولها جمهورها، ولها أرباحا تماما مثل كرة القدم، والجميع محتار، أي طائفة صحيحة؟ وأي من المشايخ أتبع؟

لا تتبع أحدهم، ولا تنتظر من أحدهم أن ينجيك غدا من جهنم، فأعمالك فقط ستنجيك، وهم ليسوا حكما عليك، بل هم خدمتك، فلا تركع لهم أبدا، مشعل الحقيقة ليس في يد الجميع، ولكنه في يد الذي ينصرون الحق حقا، من هم؟

هم ألئك الذين يأتونك ببرهان من القرآن والسنة، والواقع، فأغلبهم يعطيك دليلا قرآنيا ويؤوله كيف يشاء، لأنه يحفظه من الكتاب الفلاني أو العلاني، أو سمعه من شيخ من مشايخه، ويطرح عليك بلا حرج لأنه يدرك بأنك لن تعرف حقيقته، وبالتالي بإسم الرب يكلمك فتذعن له، وتصغي وأنت أعمى وأحمق، يجب أن تسأل وأن تبحث، وأن تتأكد، ومن كبرى القضايا الخلافية مثلا، عذاب القبر، فهناك فريقا يقول بأن عذاب القبر غير موجود، وفريقا آخر ينفي ذلك ويرد على الأول بأن عذاب القبر موجود حقيقة ولا نقاش فيه بدليل نفس الآية التي يستدل بها الفريق الأول، هذا كمثال واحد من بين آلاف الأمثلة التي يُكفّرُ فيها م يُكفّر، ويُقتل من يُقتل، ويسبون بعضهم بعضا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن لو دعوا أنفسهم يوما للنقاش والحديث، والتحاور بجدية وبروح الأخوة لما حدث كل هذا، العقيدة إن ضاعت ضاع معها الإتحاد والوحدة، وحللت من خلالها الدماء، وحرموا علينا التفكير فيها، لأنها أصبحت في نظرهم من الممتنعات، وبالنسبة لي ليس هناك ممتنع مادام العقل يستطيع الوصول إليها.

ومن أكثر القضايا حساسية الآن في مجتمعنا هي الدين، وينبغي على المثقف والمفكر أن يدرك وأن يعلم أن هذه القوى الرجعية المنحرفة – كما يقول شريعتي- استخدمت الدين كسلاح بتار لخداع الناس وصرف أحاسيسهم عن مصائرهم الحالية، وحصرهم فيما يتعلق بالماضي، مثل كل القضايا التي يسعى الغرب جاهدا ليلا ونهارا ليس لحلها ولكن لإستغلالها كنقطة الضعف رغم أنه ونحن نتشارك في كل المشاكل إنهالت علينا كقضية سوريا، اليمن، تونس، ليبيا، مصر، وقضيتنا الكبرى فلسطين، إضافة إلى المشاكل الأخرى من الفقر، البطالة، كل هذه القضايا يصرفوننا عنها بإبراز تفجيرات في فرنسا من قبل إرهابيين حقيقيين ويخفونها ويبرزونها بغطاء إسلامي، هؤلاء هم الذين قاموا بتبديل المشاكل الحقيقية الراهنة عندهم إلى مشاكل ذهنية، وجذب اهتمام الشعوب المسلمة باسم الدين من مرحلة ما قبل الموت إلى مرحلة ما بعد الموت، ولا مقطع واحد من الدنيا أو بالأحرى دنيانا، وذلك لكي تحول بين المسلمين وبين مزاولة حياة حرة كريمة فوق الأرض، وتنقل مثلهم التي يتوقون إلى تحقيقها في هذه الحياة إلى الحياة الآخرة، ونتيجة لذلك فهم يصورون الدين – وهو أعظم الطاقات المعنوية التي تدفع الناس إلى الكفاح في حياتهم الدنيا – في صورة تجلب الأنظار والأسماع والقلوب من الحياة الدنيا إلى الآخرة، واعتبروا التفكير في الحياة الدنيا نوعا من الفساد والإنحطاط باسم الدين، ونشروا في المجتمع نوعا منحرفا من الزهد والميل إلى الآخرة، فهم يصوروننا إرهابا، وهم الإرهاب، كذلك المجنون الذي يرى أن الجميع مجانين ويرى نفسه سليم العقل، نحن في عصر إنقلبت فيه الموازين، وبالتالي يجب علينا إنقاذ أنفسنا من بين الأنقاذ، فلسطين تدمر كل يوم، ولا أحد يبالي، ولم لم نعد نبالي، صرحت الوزيرة الخارجية السابقة للولايات المتحدة الأمريكية كونداليزا رايس، تقول وكأنها تخيفنا بأنها ستسمح لإسرائيل بأن تقتل 200 ألف فلسطيني في اليوم، ولن تسمح بقتل إسرائيلي واحد، لهذه الدرجة يصل بنا الأمر ونحن في غفلة عن واقعنا، وندعي الوعي، وندعي الثقافة، وننسب أنفسنا إلى طبقة المفكرين، والله ماسميت النجاسة إلا لنجاستها، وأنا أنسبها لمن يغلقون أفواهنا، ويحجبون الحقائق عن شعوبنا، أصبحنا كأغنام تساق إلى المذبح، وتعدم بالجملة، ولا نبالي، أي دور يجب أن نلتزم به؟.

أعلم جيدا أن مثقف اليوم يحس بكل هذه القضايا، ويشعر بكل هذا الحماس داخله وهو يقرأ هذه الكلمات التي تخرج بألم من أعماقي، أعلم أنه يدرك خطر هذه القوى المتكالبة علينا من قوى رجعية داخل أوطاننا، وخطر القوى الخارجية التي تلتهم أحشاءنا، ولكن أعلم أيضا أنك لا تعرفها مثلما أعرفها، لأنني دخلتهم وعاشرتهم، وعشت عقولهم، وأدركت معنى ذلك، لهذا أقول أننا لو أردنا حقا التغيير فيجب أن يلعب الدين دورا غير الدور الذي نصوره في أذهاننا اليوم من أنه السبب في إنحرافنا، وأنه عامل إنحطاطنا، لأن هذا ما إستفادت منه القوى المتكالبة على المثقفين والمفكرين والمجتمع على السواء.

ينبغي على المثقف والمفكر أن يحذرا من هذا التقليد ومن هذا التقيد، ويعيدا النظر فيما قلته، ليس بطريقة سطحية وإنما بعمق العقل المنير، عليكم أن تفهموا الدور الذي يجب على الدين أن يلعبه، هذا الفهم هو في صالحكم وفي صفكم أنتم، لأنه سيقربكم من الشعوب، وسيجعل بينكم وبينهم رباط وثيق، وقد عرفتم أن التجربة اللادينية التي أُستخدمت سابقا في مقاومة هذ الدين لم تصلح ولن تصلح في مجتمعنا الإسلامي رغم نجاحها في أوروبا المسيحية.

وحتى تصنع هذا الرباط بينك وبين المجتمع يجب أن تكون عالما بالشريعة الإسلامية، وفطنا في التاريخ الإسلامي، بدلا من أن تكون مترجما لأعمال ثقافية غربية لا تتفق أبدا مع عمل المجتمع وثقافته، عليك أن تقوم بإستخراج هذه الروح الثورية القوية التي تبعث الحياة المتأصلة في الثقافة الحية الحاضرة وفي قلب المجتمع، هذه الروح التي لطالما أساء فهمها الكثير من المفكرين والمثقفين سابقا، والتي من خلالها يشعر المجتمع بحماسة ذات حركة، وبنشاط كبير في تنقية نفسه من الشوائب التي إستعمرته، وتنقية وكشف القوى التي إستعبدته طيلة هذه السنون.

وهذه القوى الخطرة يقوم بتعريتها المثقفون والمفكرون والإدلاء بشهادتهم، وتنبيه الأمة برمتها من الوباء الذي تنشره، وهذا ما يسمى بالوعي، أو قمة الوعي التي يستطيع المفكر والمثقف القيام بها نظرا لرؤيتهم الشاملة والوعي الخاص اللذان يمتازان به، وهذه أعظم الأدوار وأعمقها وأكثرها تأثيرا لمنح المجتمع الوعي والحركة الدائمة أكثر مما يمده بها العلماء.

ماذا عن المثقف والمفكر والسلطة؟

من البديهي أن لكل دولة خطوط حمراء لا يتجاوزها أصحاب العقول، ولكن هناك خطوط حمراء أكثر من السابق لا يتجاوزها المفكرين والمثقفين الأحرار، ليس لشيء سوى أنهم ومشاريع الدولة متناقضة تماما، وهذا في عالما العربي فقط، لأن كل المشاكل العويصة الكبرى التي نعيشها سببها النظام الحاكم، من إستبداد وتعسف وإحتقار الطبقات غير الحاكمة، وإحتكار الكرسي، وغيرها، إن المثقف لا يسعى هنا لربط نفسه بالسلطة ولكن بتحرير وتنوير العقول، هؤلاء هم ذوات، مستنيرة، مريدة، متميزة بإستقلاليتها عن السلطة وتحررها من القيود والتقاليد، هي ذوات النخبة المثقفة التي تمثل ذروة الوعي بالواقع والإخلاص للحق والحقيقة، الأمر الذي يؤهلها لأن تفكر عن سواد الناس وتقرر عنهم أو تخطط لهم، أو على الأقل يؤهلها لأن تنير الدرب أمامهم وتسهم في تشكيل وعيهم، لكي يعوا مهمتهم التاريخية، ويمارسوا دورهم الفعال في إحداث التغيير المنشود، أو في الثورة على الأوضاع الفاسدة القائمة، وليس كما حدث في مصر وسوريا، وإنما الثورة الحقيقية هي ثورة العقول.

هكذا يمارس المثقف الوصاية على القيم والولاية على الناس، بإعطاء نفسه الحق في تعيين ما هو حقيقي ومشروع وصالح، أي ما تمليه الحقيقة أو ما هو في مصلحة الشعب أو الوطن أو الأمة.

فالسعي نحو الحقيقة هو ما يجعل من إستقلاليته عن النظام وأجهزته أو عن السلطة وإغراءاتها شيء محتوم، ويلتفت لمسؤوليته ومهامه الموكلة إليه أو المهام التي تفرضها عليه طبيعة الواقع، لا هو في صف المعارضة ولا هو في صف النظام، وإنما هو دوره تعرية الفساد بكل أنواعه وأشكاله سوى كان في النظام لتقويمه أو في المعارضة لتغييرها، كما يسعى للقضاء على التفاوت الطبقي، ويدعو للألفة والوحدة، بعيدا عن التلاعب والتمويه بالحقائق خدمة لطرف على حساب طرف مثل ما نراه في العالم المتخلف، مهمته أن يشخص المشكلة، والبحث عن العلاج، تماما مثل الطبيب، وهذا ما ينادي به المفكر علي حرب في قوله: "إن المثقف يقدم نفسه عادة، بوصفه صاحب رسالة، وليس صاحب غاية خاصة أو منفعة مباشرة؛ فهو يعلن بأنه لا يبتغي سلطة، وإنما يدافع عن القيم والمقدسات"؛ أما المفكر فيقول عنه: "ليس من يناضل من أجل الدفاع عن قضية معينة، بل هو الذي ينتج فكرة خصبة لها فاعليتها في تفسير الظواهر وقراءة الأحداث أو في فهم المشكلات والأزمات".

فعليك أيها المثقف أن تضطلع بدور الخلاق في إنتاج الفكر وصناعة المعرفة، فهذا هو رهانك: خلق واقع فكري جديد، بإنتاج أفكار جديدة، أو بتغيير نماذج التفكير، أو بإبتكار ممارسات فكرية جديدة، أو بإعادة إبتكار الأفكار القديمة على أرض الممارسة وفي أتون التجربة.

×
أخبار
تقرير: 3 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة السعودية-الحوثية تصعيد ميداني واعتداءات للمستوطنين وقوات الاحتلال تطال محافظات الضفة والقدس شهيد وإصابات في خروقات إسرائيلية متواصلة بغزة وارتفاع ضحايا المباني الآيلة للسقوط شهادات ضباط إسرائيليين تكشف جرائم الذكاء الاصطناعي والنهج المتعمد لقتل مدنيي غزة مقررون أمميون: حظر 12 دولة التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية خطوة متأخرة بالاتجاه الصحيح ميرتس: لقد انتهى عهد الصداقة الأوروبية "غير المشروطة" مع الولايات المتحدة استطلاع: 71 % من الأمريكيين لا يثقون برؤية ترامب لإنهاء حرب إيران قطر تعلن توقيع اتفاقية مع الأمم المتحدة لإدخال نحو 1.3 مليون لتر من الوقود إلى قطاع غزة استطلاع: تراجع كبير لحزب نتنياهو الليكود وآيزنكوت يتقدم ..والقوائم العربية هي الحسم صفعة أممية لأمريكا..تصويت عالمي في الجمعية العامة لصالح حضور وفد فلسطين ف.تايمز: قائد الجيش الباكستاني منير يحث إيران على كبح الحوثيين باكستان تنسحب من اللعب مع إسرائيل في أولمبياد الشطرنج  تضامناً مع الفلسطينيين ترامب: أقترب من قرار حاسم بشأن الحرب مع إيران وقضاؤنا على النظام وارد النقابة: الصحفيون المرضى والمصابون في غزة يعانون ظروفا قاسية ويحتاجون إلى إجلاء طبي للعلاج قرار إسرائيلي بحظر وصول المزارعين الفلسطينيين لحقول الزيتون المصنفة "أراضي دولة" تحليل: حرب فبراير 2026 عززت موقع إيران الإقليمي وكشفت حدود القوة الأمريكية-الإسرائيلية أمريكا تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرير: "تحالف مكة" يجمع القدرات الدفاعية للرياض وأنقرة وإسلام آباد دون قيادة موحدة أمريكا توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35" إلى السعودية بقيمة 24.3 مليار دولار التحول الديموغرافي يعيد رسم خريطة الناخبين في الولايات المتحدة الأردن وفرنسا تؤكدان ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة اشتية يدعو اليابان إلى الاعتراف بدولة فلسطين نقابة الصحفيين الفلسطينيين تجدد إدانتها لتصعيد الاحتلال حملات الاعتقال والاستهداف بحق الصحفيين قرقاش: العلاقة مع إيران علاقة ضرورية لدولة الإمارات ويدنا ممدودة..وباب المندب ممر دولي مليارديرات أميركيون يدفعون بأموالهم نحو الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي "اذهبوا وموتوا في بلادكم".. تصريح مثير للجدل لرئيس وزراء تايلاند عقب إغلاق مقبرة يهودية فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار أمريكي حول تمديد عمل فريق لجنة العقوبات على إيران السعودية: حالة وفاة وإصابتان بسقوط شظايا إثر اعتراض مسيرة حوثية في الطائف نتنياهو: سنقضي على حماس ونسقط نظام إيران وحزب الله.. ولا مكان محصناً أمام عملياتنا بطلب سعودي.. الصين تحث إيران على كبح جماح الحوثيين باليمن

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط