إلى متى نستطيع تحَمُّل النظر إلى هذا الوحش العسكري المتشعَّب الرؤوس، المنطلق من يد حكومة إسرائيل الإجرامية المجنونة، ليعصف بالعائلات الفلسطينية البائسة عبر طائرات الـ F 16 الأمريكية. إنه الاجرام المستمر والممعن في تغذية المحرقة المشتعلة في معسكر الاعتقال \"غزَّة\" الذي تحتجزُ إسرائيل فيه ما يربو على المليوني إنسان فلسطيني.
كيف يمكن لأي إنسان أنّ يعتقد أنَّ قصفَ الاحياء السكنية والمدارس والمستشفيات، وإرسال آلاف الضحايا إلى الموت سيجلب السلام؟ إنَّ قتل المئات، واستهداف الآلاف من الفلسطينيين بالموت، لن يُفضي إلى شي سوى ميلاد المزيد والمزيد من المتحمسين لمقاومة إسرائيل والذين يُعدُّون أنفسهم للانخراط في هذه المقاومة.
فما هو المنطق الكامن وراء هذا القتل؟ ما هو المنطق الكامن وراء هذه المحرقة المنصوبة للفسطينيين منذ عشرات السِّنين؟ وهل في مقدورنا أنْ نسعى أصلاً للبحث عن مثل هذا المنطق ولتعرُّف كنهه وطبيعته؟
بالنسبة إليَّ، فإنَّ المنطق الوحيد الذي يفسر هذا الأمر هو رغبة الحكومة الإسرائيلية في إدامة، وربما في تأبيد، ما يُسمَّى بـ \"الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني\"، وذلك ليتسنَّى لها تبرير ما يناهز الخمسين عاماً من الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية، ومن استمرار هذا الاحتلال، واقعياً، لقطاع غزة؛ حيث للسلام الفعَّال مع فلسطينيين يعيشون في بلد ذو سيادة، سيحدُّ من سياسة التوسع والاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلَّة، على نحوٍ يتناقض تماماً مع الاستراتيجية الصهيونية (الإسرائيلية) بشأن فلسطين وشعبها.
تُربِّي الحكومة الاسرائيلية أعداءها من خلال أعمالها الاستفزازية، وحملاتها النازية، كي تستطيع الاستمرار، سياسياً، أمام مواطنيها، وكي تبرر حالة الحرب الدائمة والتي تريد لها ألا تنتهي، إذْ لا يُمكن لهذه الحكومة أنْ تمارس أيدوليوجيتها القومية - الدينية المتطرفة، إلا في ظروف إدامة الصِّراع والاستمرار في استخدام القوة العسكرية والعنف.
عندما ننظر لصالح مَن يمرُّ الوقت، نرى أنه لا يمرُّ إلا لصالح الرؤية الصهيونية الهادفة إلى إقامة \"إسرائيل الكبرى\". فبعد مرور عدد إضافي من الأعوام قد يصل إلى عشرين عاماً، وفي ظلَّ هذا التسارع في الاستيطان الإسرائيلي وفي نصب المحارق للفلسطينين، لن يبقى لهؤلاء الفلسطينيين في أرضهم شجرة زيتون واحدة.
وعلى الرغم من عشرات القرارات الصَّادرة عن الامم المتحدة ضد إسرائيل، وعلى الرَّغم من قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي بشأن جدار الفصل العنصري وغيرة من الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وعلى الرَّغم من إمعانها المتواصل في الخرق المستمر لمعاهدات جنيف، تبقى إسرائيل، في نظر الإعلام العالمي وخاصة الإعلام الغربي، مثالاً فريداً للديمقراطية. فيا له من رياء، ويا لها من نذالة!
إنَّ الكتابة عن المعاناة الفلسطينية لأمرٌ محزنٌ حقاً، ذلك لأنَّ هذه المعاناة لا تشبه شيئاً، وإلى حدِّ كبير، إلا واقع العالم الذي نعيش فيه، حيثُ تسود البربريةُ السياسةَ الدوليةَ وتهيمنُ على محافلها. وإنه لعملٌ شيطاني، أنْ يمدَّ ممثلونا الرَّسميون رفيعو المستوى والمقام، ولا سيما أولئك الذين يشغلون مناصب دستورية سامية، أيادهم لمصافحة مخلوقاتٍ دموية هي ما يُشكِّل الحكومةَ الإسرائيلية. ومن الحقِّ أنه ينبغي لهذه المخلوقات أنْ تُجلب للوقوف أمام المحاكم الدولية لمقاضاتها على ما اقترفته من جرائم ضدَّ الإنسانية. هذا لو كنا نعيش في مجتمع إنساني، ولو بالحدود الدنيا لهذه الصِّفة.
وإنه لمن المُقزَّز، المُقَشْعِر للإبدان، أنْ نرقبَ هذا الصَّمت، أو هذا الهدوء الجبان، الذي يعم العالم الذي نعيش فيه، وذلك عوضاً عن توجيه إدانة واضحة من قبل الحكومة، أو من قبل بعض النواب، على الأقل. لما تقترفه إسرائيل من مجازر ومحارق.
وإنني لأسمع منذ الآن الخطابات الحية ضدَّ الفاشية بمناسبة ذكرى الانتفاضة الوطنية السلوفاكية، وأصغي إلى حوارات وتصريحات أوَّلية لساسة ونشطاء يدينون من خلالها الإجرام الذي وقع في ماضينا غير البعيد؛ فأين هو الضَّمير الإنساني المُعَذَّب إزاء ما يحدث من غياب مطلق، وفظيع، للعدالة فيما يخصُّ الشعب الفلسطيني والمآسي المتواصلة التي تستهدفه إسرائيل بها؟!
بعد أيام قليلة، سنضع الأكاليل أمام تماثيل وأنصاب ذكرى عشرات القرى السلوفاكية التي حرقها النازيون وارتكبوا فبها المجازر، مستذكرين حقيقة أنَّ سكان هذه القرى كانوا قد ناصروا الفدائيين السلوفاك - أبطالنا الوطنيين، وقدَّموا لهم المأكل والمأوى، وكانوا لهم بمثابة الحاضنة الشَّعبية الدافئة.
فلتناضلوا من أجل الاخرين من البشر ضد المحتل، وتذكَّروا أنَّ الفدائيين السلوفاك قد كانوا، في نظر النازيين، إرهابيين، كما هم اليوم الفلسطينيون في نظر الحكومة الإسرائيلية، وما هم في حقيقة الأمر وواقع الحال إلا مناضلين من أجل الحرية يناضلون، عبر حربهم الفدائية التحرُّرية الشرعية، ضدَّ المحتل الإسرائيلي.
ينبغي لذكرى الإنتفاضة الوطنية السلوفاكية ضدَّ المحتل النَّازي، أنْ تساعدنا على فهم حقيقة ما يحدث الآن من مآسى يتعرَّض لها الشَّعب الفلسطيني على يد حكومة إسرائيل، وعلى إدراك عمق ما يبديه مناضلوه من شجاعة وطنية متفانية في الدِّفاع عن وطنهم فلسطين، وعن حرية شعبهم الفلسطيني.
نُشر هذا المقال باللغة السلوفاكية على الموقع الإلكتروني \"الكلمة الجديدة\" التابع لمجموعة \"نوفي سلوفو\" اليسارية.