لست صيادا
المدينة الإنسانية بين الحقيقة والواقع
وصلتني دعوة إلكترونية معنونة بورشة نقاش حول ما يدور في خلد مجلس السلام أو رؤيته لواقع غزة، وما يدور حول (المدينة الإنسانية) في شرق رفح، ومذيلة بالعلاقات الوطنية للقوى الوطنية والإسلامية، وحقيقة استوقفتني الرسالة بعنوانها، وتوقيع دعوتها، وهو أمر في غاية الأهمية، لم يأخذ حقه لدى المثقف الفلسطيني أو ما ندعي بأنهم النخبة، وربما هذا يعود لإنشغالات العقل في أمور متعلقة بسير المفاوضات، وحالة التيه التي عليها هذه الفئة، لذلك يتم التعامل معها بشكل شكلي، لا يوازي أهميتها، وربما خطورتها، وتداعياتها.
ربما الفكرة لم تطرح بشكل رسمي، ولكنها فكرة متداولة، والسؤال الأهم ماذا نجهز نحن من ردود حول هذا الموضوع، الذي بوجهة نظري يعتبر اخطر من كثير من القضايا التي يتم تداولها، لأنها مسألة تمس الواقع الوطني برمته، بغض النظر عن المسائل الأخرى، وفي المقابل هو نتيجة من نتائج السابع من أكتوبر، ونتيجة تحمل في ملامحها مشروع تستهدفه إسرائيل، رغم ما يحمله من مفهوم سيء جدا، وكأنه عبارة عن غاتيوهات لشعب لم يعد لديه خيارات بالشأن الوطني. ولكن لكي نقرأ ونحلل هذه الإشكالية لابد وأن نضع أيدينا على الحالة الوطنية.
لقد فقدنا في هذه الحرب ملامح نظامنا السياسي الفلسطيني، وافتقدنا لجوهر التركيبة الحيوية لهذا النظام، رغم محاولات السلطة الوطنية بأن تؤكد على وجودية هذا النظام عبر تنظيم انتخابات بلدية، والدعوة للإنتخابات التشريعية، والأخيرة لا زالت تواجه عمليات تشكيك، وتحريض ضدها من باب التناكف السياسي، والتنابز الوطني الذي لم يتغير مع متغيرات المشهد الفلسطيني بعد السابع من أكتوبر.
ولكن الدعوة المذيلة بالعلاقات العامة الوطنية، هي دعوة اعتبرها في سياق بدأ الإنتباه لقضايا حيوية، وخطيرة، ويمكن أن تشكل مدخلا لإستنهاض بعض ما فقدناه من تركيز وطني، وأن يسلط الضوء على مخاطر كبيرة تمس مستويات أكثر من الهموم اللحظية، والمعيشية التي أصبحت أولوية اولى للتخلص من مظاهر المعاناة اللحظية. لذلك فإن الحوار وتناول هذه المسألة وغيرها، يأتي في سياق نبش القبور المغلقة، وإعادة إحياء تكاملية الهم الوطني.
المدينة الإنسانية التي تطرح بشكل رسمي، هي تعبير متكامل الأضلاع عن محاولات إذابة الهوية الوطنية، الجيوسياسي، ولو كتب لها النجاح ستكون نموذج يندرج تحت (رفح اولا)، ومن ثم تطبيقه على باقي المناطق، وعليه تصبح الجغرافيا في غزة محصورة بشريط لا يزيد عن ربع مساحة غزة، وتكديس أثنا مليون ونصف من الديموغرافيا الفلسطينية في شريط صغير، وفق نموذج وسلطة مختلفة سياسيا عن النموذج الوطني، والسلطة السياسية المتعارف عليها، حتى اللجنة الوطنية المعترف بها من مجلس السلام، لن تكون هي النموذج المثالي للإستمرار، وربما تكون حلقة مؤقته لحين استكمال المشروع، الذي كل المؤشرات تؤكد أنه سيكون اقرب للنموذج العشائري المهندس جينيا وفق تلقيح إسرائيلي عبر مجلس السلام العالمي.
لكن ما هي الخيارات المتاحة لنا؟؛
في ظل واقعنا الحالي، وحالة التيه السياسي الذي عليه النظام السياسي الفلسطيني، فإن مدخلاتنا وبدائلنا تعتبر شبه منعدمة، فنحن نظام سياسي متشرذم، متناقض، متنافرة، متناكف، حتى في ظل حالة الإبادة، وحالة إنهاء الصورة الكيانية للفلسطيني، ولا زال نظامنا السياسي، يعيش حالة العبثية، والتنظير دون أي خطوة عملية واحدة، لمواجهة المخطط وطنيا، فنحن نمتلك أوراق حزبية خاصة، كل منها يقاتل من واقع حزبي محض، يبحث عن وجوده، وعناوينه، دون التفكير عميقا بأن القضاء على الهوية، والكيانية، هو قضاء على الدائرة الحزبية، واستبدالها بعناوين وأشكال مختلفة، ولا استبعد أن يقبلها شعبنا في ظل هذا الواقع الذي يطحن فيه منذ ثلاث سنوات، فلا خيارات، ولا مساحات شاسعة أمام شعبنا للتفكير طويلا، فهو يريد الخلاص بأي ثمن.
لذلك فنحن أمام واقع متشابك، معقد، لابد أن ننتفض داخليا، ونؤكد على هويتنا، وكيانيتنا بعيدا عن الآنا الحزبية، لنستيطع خلق خيارات جديدة بعناوين وطنية جديدة، تفشل المشروع، بعيدا عن التنظير، واستنساخ القديم، بشعارات غير متجددة.
ماذا علينا أن نفعل؟؛
لا أحد يختلف على أن هذه المدينة هي من أخطر ما تواجه المشروع الوطني، ولا أحد يتوقع أن يعزف شعبنا أو جزء منه عن رفضها أو عدم التفاعل معها، في ظل هذا الواقع، لذلك علينا إبداع اشكال من إفشال هذا المشروع، والتأكيد على الحدود الدنيا من مشروعنا الوطني، وذلك يتأتى من تداعي النظام الفلسطيني التقليدي، مع الأطر الوطنية بمسمياتها المدنية، ومؤسسات الفعل العشائري الذي بدأ يتململ بتشكيل مجالس عائلية، وتنظيم شكل العشيرة داخليا، وإشراك الجميع في مدخلات ما يدور على طاولة المفاوضات، والبحث عن مخرجات لا تمنع بالحد الأقصى من تمرير المشروع، ولكن بالحد منه بحدوده الدنيا المتاحة لنا في الوقت الراهن، مع ضرورة إشراك الكتلة العربية وعلى رأسها مصر، والقوى الإقليمية الصديقة القادرة على التأثير في حرف مسار المشروع، وكذلك بدأ حملة دولية مؤثرة ليس فحسب من الديبلوماسية الفلسطينية الرسمية، بل من التحالفات الحزبية مع العديد من القوى العالمية الصديقة التي يمكن أن تشكل لوبي ضاغط ضد المشروع، والعودة لقرارات الأمم المتحدة، المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
أما داخليا فيحتاج جهد مضاعف من خلال تعزيز صمود المواطن الفلسطيني واقعا وعلى الأرض، بعيدا عن الخطابات والشعارات، والبيانات، ومنح هذا المواطن الثقة بأن هذه الشعارات، وهذا الفعل بدأ انطلاقا منه، وعودة إليه، مع الوقوف بوجه الفساد والإفساد، في عمليات تعزيز هذا الصمود، ومن ثم العمل من خلال العشائر الفلسطينية للمحاولة لضبط سلوكها، وضبط سلوك عناصرها، عبر مرجعية عامة تنطلق من واقع الوطن والمصلحة الوطنية.