دراسة: المسئولية الدولية في حماية الأعيان المدنية زمن النزاعات المسلحة "العدوان الإسرائيلي على غزة 2008-2009- نموذجا". الحلقة 2
المطلب الأول: الحماية العامة للأعيان المدنية زمن النزاع المسلح.
إن التدمير المتعمد للأعيان المدنية هو مظهر من مظاهر الانزلاق إلى هاوية الحرب الشاملة ، وهو في بعض الأحيان يمثل الوجه الآخر للإبادة الجماعية والتي تعد إحدى جرائم الحرب. وبالعودة إلى التاريخ نجد أن هناك تدابير اتخذت منذ الحقب الغابرة من قبل مجتمعات وشعوب لضمان عدم الاعتداء على الأعيان المدنية ، حيث كان الإسلام سباقا فيها ومن أمثلة ذلك يمكن أن نذكر هنا توصيات الخليفة أبى بكر الصديق الذي خاطب جنوده عند فتح سوريا والعراق قائلا : كلما تقدمتم ستجدون أناساً تفرغوا للعبادة في أديرتهم ، اتركوهم وشأنهم ، لا تقتلوهم ولا تدمروا أديرتهم.
من هنا فقد اتجهت الاتفاقيات الدولية نحو تقرير حماية عامة للأعيان المدنية,بهدف تدعيم حماية للسكان المدنيين حيث أن الحماية تقرر وفقا للأهمية التي يحظى بها هذا الهدف للسكان المدنيين أو ما يلحق بهم من أخطار وآذي نتيجة تدميرها.فقد نصت اتفاقية لاهاي الرابعة سنة 1907 في المادتين 25-27 على تحريم ضرب بعض الأهداف المدنية.ومع مرور الزمن والتطور في صناعة الأسلحة الفتاكة والتكنولوجية.أصبحت هذه القواعد القانوني سابقة الذكر غير مواكبة للحماية التي يجب أن تحظي بها الأعيان المدنية.كما إن اتفاقية لاهاي لسنة 1907 لم تحاول توضيح مضمون ومفهوم الحماية العامة المكفولة للأعيان المدنية.وإنما كل ما قامت به هو الإشارة فقط إلي بعض فئات من الأعيان المدنية الواجب حمايتها.وبالعودة إلي اتفاقيات جنيف سنة 1949 نجدها قد نصت بشكل واضح في المادتين 146-و147 من الاتفاقية الرابعة الخاصة بحماية المدنيين على ضرورة توفير الحماية العامة للأعيان المدنية بدون تحديد مضمونها.وبسبب هذا المفهوم الشامل للحماية العامة يمنع منعا باتا على جيش الاحتلال الإسرائيلي استخدام إي نوع من الأسلحة التقليدية أو المتطورة منها ضد الأعيان المدنية الفلسطينية التي ينطبق عليها اتفاقيات جنيف الأربعة والبرتوكوليين الإضافيين الخاصين بها لسنة 1977. الأول متعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية ، والثاني متعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية . وباستقراء مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية المشار إليه نجد أن الأهداف العسكرية هي وحدها التي يمكن أن تكون هدفا للعمل الحربي والهجوم من الطرف الآخر ومع ذلك فإن البروتوكول الإضافي الأول المشار إليه يشير إلى أنه حتى مع مهاجمة هذه الأهداف فإنه يتعين القيام باتخاذ مجموعة من الاحتياطات اللازمة بواسطة كل طرف عند الإعداد والقيام بالهجوم عليها إذا كان من شأن ذلك الإضرار بالأعيان المدنية. 3
الفقرة الأولي: مضمون الحماية العامة للأعيان المدنية زمن النزاع المسلح.
لقد ما جاء في نص المادة 52 من البرتوكول الأول الإضافي سنة 1977 والتي نص فحواها على انه:
1-لا تكون الأعيان المدنية محلا للهجوم أو لهجمات الردع...
2-إذا اثأر الشك حول ما إذا كانت عين ما تكرس عادة لأغراض مدنية مثل أماكن العبادة أو المنازل أو المدارس والجسور..الخ إنما تستخدم في تقديم مساهمة فعالة للعمل العسكري,فأنة يفترض أن لا تستخدم كذلك حيث تفسر حالة الشك لصالح استمرار الحماية العامة للأعيان المدنية.
وهذا ما تتجاهله إسرائيل التي تتعمد تدمير الممتلكات المدنية الفلسطينية.وقتل المدنيين الفلسطينيين واغتيالهم عبر الطائرات بدون طيار المستخدمة منذ فترة طويلة فوق أجواء سماء غزة الصامدة.
حيث ومن خلال تحليلنا للمادة 52 من البرتوكول الأول سنة 1977.قد لاحظنا أن الحماية العامة تنطبق على الأعيان المدنية الفلسطينية.لاسيما وإنها تمنع الهجمات الموجهة ضد الأعيان المدنية بشكل عام من جهة,وتحظر الأعمال الانتقامية التي يقوم بها جيش الاحتلال الإسرائيلي وسلاحه الجوي والبحري والمدفعي ضد الفلسطينيين في غزة ونابلس وجنين من جهة أخري.
ويتبين مما تقدم أن الأعيان المدنية تتمتع بحماية القانون الدولي الإنساني أثناء الحرب وتتجلى هذه الحماية في القاعدة الأساسية المتمثلة في مبدأ الحصانة العامة للأعيان المدنية ، من خلال نص المادتين 48 و52 من البروتوكول الإضافي الأول المشار إليه على واجب أطراف النزاع التمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية ، وواجبهم توجيه العمليات الحربية ضد الأهداف العسكرية دون غيرها وهذا ما ستناوله في المواضيع التالية. 4