المشكلة ليست في التهدئة مع اسرائيل التي تعمل حماس على انجازها، فهذا مطلب رسمي وشعبي لعله يكون مقدمة لطمأنينه يحلم بها اهل قطاع غزة، المحرومين منها منذ سنوات في ظل ثلاثة حروب سقط فيها الاف الشهداء، وحولت القطاع الى منطقة منكوبة، ولا مشكلة في التسهيلات التي تعد بها اسرائيل ، فهذا ايضا مطلب رسمي ويخص حياة الناس المقهورين، وسواء كانت تلك التسهيلات بعلم السلطة الوطنية، وبالتنسيق معها ، او بدون، فلن تجد تلك الخطوة من يعترض عليها.
لكن المشكلة بل الخطورة تكمن في الثمن المرتقب ان تقبضه اسرائيل من سلطة حماس مقابل تلك التسهيلات. فاسرائيل ليست وكالة غوث، كما هي ليست وزارة شؤون اجتماعية، مهمتها رعاية وتحسين الظروف المعيشية للفلسطنيين، بل هي قائمة على قهرهم وتجويعهم، بغية اخضاعهم للقبول بشروطها وبمشروعها القاضي بتحويل لفلسطينيين لجماعة تتنقل وترتحل حيث الكلأ والماء، ولا ارتباط لهم بارض محددة، ولا تجمعهم هوية، ولا ينقصهم دولة يعيشون في كنفها، بل بيت القصيد هو الكلأ والماء.
السلطة الوطنية وعلى لسان الناطق باسمها د. ابو ردنية، رحبت باي تهدئة تجنب السكان ويلات حروب جديدة، لكن التخوف ان يكون الثمن هو القبول بالدولة ذات الحدود المؤقتة، فيما اسرائيل تنظر للتهدئة بانها مصلحة اسرائيلية في ظل تعهد سلطة حماس بضبط الحدود معها ومنع اي اطلاق للصواريخ، وكما قال المسؤل الامني في تعليقه على مشروع التهدئة، بان مصالح اسرائيل تفرض عليها عقد صفقة مع حماس تقدم بموجبها تسهيلات تتعلق بامور حياتية ويومية .
ان ما يتم الحديث بشأنه، ليس مجرد تسهيلات، ولا مجرد هدنه لسنوات خمس، بل يأتي في إطار استكمال البناء الذي تم حفر اساساته في حزيران 2007 حين نفذت حماس انقلابها في قطاع غزة، والذي كشفت عنه وثائق ويكيليكس بانه تم بعلم وتنسيق اسرائيلي - امريكي، حيث أظهرت تلك الوثائق أن اسرائيل تعتبر سيطرة حماس على القطاع 'شيء ايجابي' بالنسبة لها. كما كشفت تلك الوثائق عن قيام الجنرال عاموس يادلين رئيس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية آنذاك بإبلاغ السفير الأمريكي في تل-ابيب ريتشارد جونز بالموقف الاسرائيلي إزاء سيطرة حماس على قطاع غزة خلال لقاء جمع الاثنين قبل انقلاب حماس في قطاع غزة باسبوعين، وتم نشر الوثيقة على الصفحة الالكترونية لصحيفة يدعوت احرونوت في حينها.
وبحسب الوثائق فإن الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية طالما اعتقدت بأن سيطرة حركة حماس على قطاع غزة ستُضعف الموقف الفلسطيني، كما اوضحت الوثائق بأن الجنرال يادلين أكد خلال هذا اللقاء بأنه لا خطر على اسرائيل من قطاع غزة اذا ما سيطرت عليه حركة حماس، مشيرة الى ان رئيس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية يادلين اكد خلال اجتماعه بالعضو اليهودي في الكونغرس الامريكي روبرت ويكسلر في شهر كانون الأول 2008 على قدرة جيشه على الوصول لأي قيادي في حركة حماس بفضل معلومات دقيقة عنهم وعن أماكن تواجدهم في جميع الأوقات تصل من مصادر متعددة داخلها.
خلاصة القول ان الامور تتجه لمجرى اكبر من مجرد دردشات هنا وهناك، او تسهيلات تريد حماس ادخالها لسلطتها في القطاع، كما تعدت المطالبة بفتح معبر او زيادة ساعات فتحه، بل نحو مأسسة كيان الامارة والحصول على رخصة لبقائها، بضمان حسن سلوكها، وتعهداتها الغليظة لجيرانها، سواء ما يتعلق بضبط الحدود مع اسرائيل، او من خلال ما تعهد به موسى ابو مرزوق اثناء مروره من القاهرة متوجها الى الدوحه ولقائة المسؤولين المصريين وتقديم التعهد بضبط الحدود لصد اي تسلل نحو سيناء، وهو امر يشكل مدعاة لمصر باسناد خطوة التهدئة .