تدحرج المشهد الفلسطيني صوب مجموعة سيناريوهات كانت مستبعدة تماما، إلا أنها باتت وقائع على الأرض خلال مدة لا تتعدى الشهرين، فعقب سبع سنوات من الشد والجذب ومن الصولات والجولات في العواصم العربية شرقا وغربا توصل الفرقاء الفلسطينيين (فتح وحماس) لاتفاق مصالحة غير مسبوق والأهم غير مشروط، ولا يخفى على أي متابع ومهتم حجم التنازلات التي قدمتها حركة حماس للرئيس عباس الذي كان بالأمس فاقدا للأهلية ومنتهي الشرعية ووصل الأمر حد طباعة صوره وقد ديس عليها بالحذاء ، وفي عرف العارفين ما كان يبنغي لحركة اسلامية قدر لها أن تقود قطاع غزة أن تنزل لمثل هذا المستوى، وسجل بأن الرئيس عباس كان أكثر اتزانا في خلافاته التي لم تنزلق للحدود الدنيا.
بعد سبع عجاف من الإنقسام الذي افضت نتائجه لمصالحة مفخخة، أقرت قيادات بارزة في حركة حماس من وزن الدكتور موسى أبو مرزوق، بأن الانقسام والانجرار لما ترتب عليه من مظاهر ما كان يجب ان تحدث وأن هناك أخطاء وقع فيها الجميع بما فيهم حركة حماس، لكنها حدثت واستمرت طوال سبع سنوات، الحيثيات الحاصلة وهي كثيرة ومتشابكة ومتناقضة أيضا كلها تدلل بأننا أمام مرحلة غاية في الأهمية وفي الخطورة وسيترتب عليها ما بعدها نعم، فما كان مستبعدا حصوله قد حدث وبات واقعا وحقيقة على الأرض بالفعل. ما يشبه المعجزة المفضية الى التحول ، وتاريخيا عموما وفلسطينيا على وجه التحديد التحول في فكر وممارسة حركات التحرر والمقاومة يترتب عليه نتائج لم تكن يوما في صالح الهدف الذي على اساسه نشأت وعملت وتحركت هذه القوى، المستبعد في المشهد انه قبل يومين فقط من توقيع المصالحة كانت حماس وقياداتها من وزن القيادي محمود الزهار تطالب بمحاكمة الرئيس محمود عباس، حدث ذلك عقب تراشق اعلامي حديث بين الرئيس عباس والنائب محمد دحلان، وعليه قال الزهار بمحاكمة الزهار، لتكون المفارقة ان تلقتي هذه القيادات في الاسبوع التالي مع موفد الرئيس عباس وعراب المصالحة فتحاويا عزم الأحمد. هذه المشهد ليس تحولا فقط لكنه يشبه الانقلاب لا في الموقف بل في الفكر والممارسة للحد الذي بات المهمتمي يتسألون كيف ستقنع حماس قواعدها بهذا التحول!
إن سيناريو المصالحة وحيثيات التنازلات، وبقراءة متأنية فإن الحاصل والمستتبع للمصالحة لا يعدوا كونه نفق لا تقل مستويات انزلاقه وتوصيفه عن اوسلو جديدة، ومداخلي التحليل هنا بأنه إذا كان موقف منظمة التحرير الفلسطينية من الحرب العراقية على الكويت قد ادت الى تجفيف منابع الدعم المالي الخليجي للمنظمة في مرحلة غاية في الأهمية حين كانت الانتفاضة الفلسطينية الاولى في اوج عطائها، حتى اللحظة التي وجدت المنظمة عقب وقف الدعم عنها في مفترق طرق وفي تحدي غير مسبوق وجدت انها في موقع لا تستطيع معه وفيه تلبية الحد الأدنى من متطلبات الاستمرار والمواصلة، وتوفير مستحقات قيادة شعب وحاجاته ووصل الأمر آنذاك كما اليوم حد افلاس خزينة المنظمة. فاستدارات لخيار التسوية والسلام وتدحرج الامر تباعا حد تغيير الميثاق الوطني الفلسطيني والغيت مرادفات المقاومة والكفاح والنضال لا فكرا فقط بل وممارسة، استمر الانزلاق حد حذف ما يوحي بأن هناك نية لزوال دولة الكيان الصهيوني.
ما يحدث اليوم شبيه بما حدث في المرحلة التي سبقت توقعي اتفاق اوسلو، فنحن أمام مرحلة غاية في الخطورة وخطورتها أنها لا تقل عن تبعات اوسلو بل نحن أمام أوسلو جديدة وان اختلفت الوقائع. لكنها تتفق في الترويض عبر بوابة المال او الدعم، وتتقاطع في العلاقة مع الإقليم الالتقاء معه او الخروج عنه.وقد بدأت هذه السيناريوهات قبل ربع قرن واستمرت تبعاتها الى ما وصل اليه الحال الآن.-
فسوء تقدير تبعات الموقف من حرب الخليج الثانية مع ام ضد وسوء قراءة ما قد يستجد من سيناريوهات، ادى الى وقف الدعم الخليجي عن منظمة التحرير فلم تجد بدا من الاستدارة لمقتضيات الخروج من الأزمة فذهبت الى اوسلو. وترتب عليها ما نشهده ونعيشه لليوم مما آلت اليه المنظمة واحد اكبر مكوناتها حركة فتح. والآن ذات الحيثيات تكررت وان اختلفت الوقائع في موقف حماس من الثورات العربية عموما والموقف من الثورة السورية تحديدا، رهاناتها وقراءاتها لم تكن في محلها، ولم تتوقع ما حدث في مصر ( الاخوان)، وفي مرحلة حرجة جدا استدارت في حساباتها ومحددات علاقاتها الاقليمية وتبنت موقف التنظيم الأم على حساب مواردها ومحدداتها وراهنت بوضع كل البيض في السلة الإخوانية، ولم تأتي الرياح التركية القطرية المصرية بما تشتهيه سفن مقتضيات الوجود في الحكومة، فكان مشهد الخروج مكلفا جدا والاصعب ان تبعات ذلك لم تنضج بعد. وكلمة خروج تجميلية لكلمة مرادفة هي الخسارة او الفشل في الاستمرار والمواصلة ، فمثلما اخرجت العلاقات الاقليمية الداعمة ماليا ولوجستيا فتح من مربع المقاومة وخياراتها الى مربع التسوية اخرجت ذات العلاقة الاقليمية وان اختلفت محاورها حماس من مربع الحكومة الى مربع لا حكومة كاملة ولا حركة مقاومة كاملة فحماس لم تعد الحكومة وان كان لها الاغلبية بالمجلس التشريعي،ولم يعد متاحا لها ممارسة الفعل المقاوم دون الاصطدام مع الرئاسة والمصالحة، وكأننا أمام سيناريو تاريخي لتبادل الأدوار بين حماس وفتح.
بالمناسبة هناك فرق بين الفكر والممارسة وبالتالي قد يستمر الخطاب المقاوم او لغة المقاومة لكن الوقائع ستكون مختلفة، ما يعني استحضار خطاب فتح حينما تقول بأنها لم تتخلى عن الكفاح المسلح وانها تتبنى المقاومة، وهو عين ما قد تعيده حركة حماس.
الخروج من الحكومة لا يعني القاء الكرة في ملعب الرئيس عباس ولا تعني الاستدارة لما كان قبل العمل السياسي الرسمي ولا تعني استحضار الفعل المقاوم قبل العام 2006 بذات الفاعلية، جزء مما حدث كان فخا واستدراج مرر وطعم تم ابتلاعه وترك لسبع سنوات، لا اقول بنظرية المؤامرة ولكن سيناريوهات ومداخيل العمل السياسي الرسمي للاسلاميين كان فخا، واذا كنت اسلاميا ومقاوما كانت الوضع اصعب والفخ اكبر والطعم اسهل.
واذا كانت حرب الخليج روضت فتح واجبرتها على دخول نفق اوسلو مطلع التسعينات، فإن خسارة الحليف الايراني السوري وسوء تقديرات الحاصل في مشهد الثورات العربية يوحي بأن حماس قد استدرجت لتكون شاهدا وشريكا في اوسلو جديدة بوابتها المصالحة، ودلائل الاوسلوية الجديدة عديدة يمكن ايجازها في التالي :
- المصالحة تمت تحت سقف اوسلو وإن كانت حماس قد وجدت مخرج لمشاركتها في الانتخبات التشريعية وأدعت بأن مشاركتها لم تكن تحت سقف اوسلو ومرر الأمر شعبيا لحد ما لا سيما في صفوف المنتمين والمناصرين، إلا أنها عقب توقيع اتفاق المصالحة الحالي ومقتضياته التي منها اجراء الانتخابات اعلنت حماس بأنها تفكر في تقديم مرشح للانتخابات الرئاسية والتفكير ثلثين الممارسة، وتوقيت التصريح الذي تكرر داخليا وخارجيا ولم يخرج من ينفيه يعني بأن حماس تريد ايصال رئاسل للخارج اكثر منه للداخل بأنها لا تمانع في النزول لمقتضيات اوسلو ومتطلباتها الدولية، فحماس التي خرجت لتوها من تجربة الحكومة تتذكر جيدا ان جزء من الحصار المفروض هو رفضها لشروط الرباعية الدولية وهي المنتخبة، وتقديمها لموقع الرئيس يختلف عن التقدم صوب الحكومة وحتما هي لا تريد تكرار نفس الموقف والسيناريوهات اذا قدمت الرئيس منها.التنازل موجود وان سكت عنه.
- التطويع والترويض، استطاعت حركة فتح استيعاب المطاردين بالمال الوظيفي وخلال عامين تحولت صقور فتح الى موظفي وقادة في الأجهزة الأمنية، ذات السيناريو يتكرر الآن باشتراط حماس لاستيعاب جميع الموظفين في قطاع غزة، واختلاف المواقع الوظيفية وموارد الراتب تقتضي تغييرا حتميا في الولاءات والانتماءات.
- حماس قدمت اقرار كامل يشبه التوقيع (على بياض) للرئيس عباس، ووافقت شاءت ام أبت على كل شروطه بما فيها الابقاء على وزير الخارجية المالكي الذي اصر عليه عباس لا لاسباب مهنية وموضوعية ولكنه مرر بالون اختبار يريد معرفة الحد الذي يمكن ان تصل اليه حماس، وتلك كانت خطوة غير بريئة استخدمت فيها ورقة المالكي بقصد من الطرفين حماس وعباس، عباس اراد معرفة حدود قدرته مستقبلا على التنفيذ، وحماس ارادات ان توصل للرئيس عباس انها معه على طول الخط ومن خلال ذلك ارادت ان توصل لاسرائيل وللعالم انها لن تعارض الرئيس عباس حتى وان كان يريد الابقاء على المالكي او الغاء وزارة الاسرى. للحد الذي اراد فيه الرئيس عباس قياس الموافقة لدى حماس لأبعد الحدود فاطلق بالون اختبار آخر عنوانه قدسية التنسيق الأمني ومررته حماس على غير عادتها المعهودة ولم تعقب ولم تعترض.
- حماس كفتح تتقاطعان في أن ثلثي موازنتهما كانت مقدمة ومدعمة من الخارج العربي والاقليمي، بل ربما زادت قيمة الدعم الايراني لحماس ( 25 مليون دولار شهريا) عن ما قدمته دول الخليج سابقا لفتح، وبالتالي تجفيف منابع الدعم كان هو المسؤول المركزي والرئيسي عن القبول بما كان في الماضي القريب من المستبعدات والمحرمات. وكما كانت تكلفة تقدير المواقف كارثية النتائج على المنظمة وفتح فإن ذات الأمر تكرر مع حركة حماس، التي لم تستوعب الدرس الفتحاوي فادارات قبلتها من طهران الى القاهرة التي تحول المشهد فيها 180 درجة وتحديدا عقب الخروج المبكر للاخوان المسلمين.
- حماس بعد سبع سنوات لم تفلح في تنفيذ الحد الأدنى من برنامجها الانتخابي الذي قدمته ووعدت او افترضت انها ستنفذه خلال اربع سنوات هي المدة القانونية لولاية المجلس التشريعي، ووجود حماس في موقع الحكومة رفع تكلفة الاستمرار والبقاء ماليا وسياسيا وفكريا. ووصلت حدود التكلفة حربين على قطاع غزة، ومواقف حماس الان وحرصها الظاهر على المصالحة يقتضي منها الاجابة على سؤال لماذا كان الانقسام إذن، وقد لا تتضح تبعات الاجابة الان ولكن مثلما عاقب الناس فتح في اول فرصة انتخابية فإن ذات السيناريو سيتكرر مع حماس عند اول انتخابات قادمة لا لتقصير من حماس ولكن لانها رفعت شعار انها ستصحح مسار فتح فإذا بها تعيد ذات الحيثيات التي وقعت بها فتح.
- موافقة الكيان الصهيوني على المصالحة متمثلا في تسهيل حركة ومرور عزام الاحمد يعني بأن هناك امر يحاك في الباحة الخلفية لاتفاق المصالحة، وهو امر مهدت له وزارة الخارجية الفلسطينية في قطاع غزة ، وملف تعددت التسريبا التي قالت بأن غازي حمد يديره ، للحد الذي وصف فيه حمد بأنه يشبه محمود عباس قبيل توقيع اتفاق اوسلو، الذي كان (عباس) حينها يقود ويفتتح قنوات خلفية لمفاوضات ومباحثات هي من افرز اوسلو، وإلم تكن تلك فإن هناك قنوات فعلية وحقيقية لجس نبض حدث بين واشنطن وحماس وهو أمر لم يعد سرا ولا يمكن انكاره.
- المباركة الدولية للمصالحة كانت ردا على رسائل طمأنة من حماس ليست بالضرورة ان تكون الموافقة والقبول بشروط الرباعية الدولية والاعتراف بالكيان الصهيوني فتلك مرحلة لا زالت مبكرة ولكن حتما ادرك هؤلاء بأن السبع سنوات كانت كفيلة بالترويض. لا سيما وأن البيئة العربية تسير هي الأخرى صوب التسوية وخيارات القبول بالكيان الصهيوني ( مبادرة السلام العربية)، وكانت ولا زالت مهمة كلا من قطر وتركيا هي اذابة الجليد وترويض الموقف وفتح القنوات وجس النبض وتقريب وجهات النظر ما بين حماس وواشنط اولا وحماس والكيان الإسرائلي ثانيا فمشاريع قطر ووحداتها السكنية والدعم التركي وزيارة مشعل والقرضاوي لم تكن ولم تمرر دون موافقة وعربون مبحة مبكر من الكيان الاسرائيل ، ولا مانع من ان تقول حماس ما تريد وترفع الشعار الذي تريد لكن دوما هناك قنوات خلفية ومقتضيات لاية خروجات سياسية.وهذه الخروجات ومقاربتها بالحيثيات والسيناريوهات الممكنة والمتوقعة تقول بأن المصالحة هي بوابة لاوسلو جديدة حماس طرف فيها وإلم تحضرها فإنها تستحضرها.