تاريخ النشر: 2017-10-04 | 08:33
تاريخ النشر: 2017-10-04 | 08:33
ربما لا أتفق مع مَنْ يرون أن المصالحة الفلسطينية، التي بدأت فصولها قبل أيام، هي جزء من مشروع للسلام/التسوية، ضمن ما يُشاع عن وجود «صفقة القرن» أو صفقة كُبرى، لحل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. صحيح أن المصالحة ليست منفصلة عن الحراك الإقليمي والدولي حول قطاع غزة، لكن هذا الحراك لا يؤشر بالضرورة لوجود حل قريب للصراع في الأفق، والدليل على ذلك ما قاله الرئيس أبو مازن أمس الأول في لقائه المتلفز عبر قناة CBC المصرية، حول إقامة الدولة الفلسطينية؛ حيث أظهر حالة من عدم التفاؤل من إمكانية التوصل لحل قريب للصراع، نتيجة للتعنت الإسرائيلي.
وهذا يقودنا للسبب الثاني الذي يدفعني للاختلاف مع أصحاب ذلك الرأي، وهو الموقف الإسرائيلي من عملية التسوية. فقد أصبح واضحاً منذ منتصف العام 2014، بعد فشل خطة كيري للسلام، أن حكومة نتنياهو لا تُعير قضية السلام أي اهتمام، وكل ما طرحته هو مفاوضات مباشرة، بلا سقف زمني، وبدون ضمانات حقيقية قد تفضي لحلول للقضايا الكُبرى. ونتيجة لتعنتها أفشلت خطة الوزير كيري، بعدما رفضت الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين، كما كان متفقاً عليه سابقاً. وكان نتنياهو قد أعلن في غير مرة عن رفضه لمبادرة السلام العربية ( بيروت، مارس 2002)، وكل ما سعى ويسعى له هو مجرد تطبيع العلاقات مع الدول العربية.
وأما السبب الثالث، فهو الموقف الأمريكي. فقد عبّرت الزيارات واللقاءات المتكررة للوفد الأمريكي، برئاسة موفدها لعملية السلام في المنطقة جاريد كوشنير، عن حالة من «الإفلاس» الأمريكي حيال العملية السلمية، ولم تستخدم تعبير «حل الدولتين» الذي سبق وتبناه جورج بوش الابن، في حديثها عن السلام، وحتى هذه اللحظة لا يبدو أن هنالك رؤية أمريكية ناضجة ومتكاملة، حول مشروع للسلام. وهذا أمرٌ قد يبدو مفهوماً، ذلك أن كل الإدارات الأمريكية عادةً ما تكون منهمكة في بداية حكمها في القضايا الداخلية، وأما قضايا السياسة الخارجية فعادةً ما تظهر رؤيتها حولها في مراحل متأخرة، وربما تظهر في الولاية الثانية.
لهذه الأسباب ولغيرها، أري أنه لا يوجد مشروع أمريكي للسلام في المنطقة، ولا أعتقد أن لدى الأسرة الدولية هذه الحماسة لفرض مشروع سلام، عبر مؤتمر دولي للسلام، أو عبر قرار أممي يُجبر إسرائيل على الانسحاب من الأراضي الفلسطينية، وفي كل الحالات فإن إسرائيل غير راغبة، وغير مستعدة للتخلي عن احتلالها. وهذا سببٌ آخر يُضاف لرزمة الأسباب الضاغطة لإتمام المصالحة.
وأما عن الحراك الداخلي والإقليمي، وربما الدولي، حول المصالحة الفلسطينية، فلا اعتقد، وليس بالضرورة، أن يكون مُرتبطاً بشكل أوتوماتيكي مع مشروعٍ للسلام؛ بمعنى أن تكون المصالحة تمهيد أو جزء من مؤامرة «الصفقة الكبرى» أو صفقة القرن. لأنه ببساطة محاولات إنهاء الانقسام طويلة وممتدة منذ سنوات، قبل صعود ترامب للحكم، وحتى قبل وجود نتنياهو على رأس الحكومة في تل أبيب. ولعلها جاءت الآن كثمرة جهود، وحراك شعبي وفصائلي وإقليمي ضاغط على حركتي فتح وحماس.
فحماس من جهتها لم تعُد قادرة على تحمّل كلفة حكمها المنفرد لقطاع غزة، بخاصة بعد سلسلة الإجراءات «العقابية» التي فرضتها السلطة الفلسطينية في رام الله، منذ بداية أبريل 2017، وما تسببته من دمار هائل لما تبقى من مقومات الحياة في غزة. كما أن التحولات الجارية في المنطقة، في ظل الحرب على التنظيمات «الإرهابية»، تسير في غير صالح تيارات الإسلام السياسي، وبخاصة جماعة الإخوان المسلمين، ولعل وسم حركة حماس بـ«الإرهابية» في المؤتمر العربي – الأمريكي، الذي عُقد في الرياض (مايو 2017)، يعكس أزمة الحركة. هذا علاوة على الانتخابات التنظيمية داخل المكتب السياسي لحركة حماس، التي أفرزت قيادة شابة جديدة، طامحة – ربما - للعب أدوار وطنية وسياسية مُهمة. ثم جاء تبنيها لوثيقتها السياسية الجديدة، إدراكاً منها للأوضاع الإقليمية والدولية المُستجدة.
وعلى الجانب الآخر، فان فتح - بقيادة الرئيس محمود عباس- وهي تسعى لنيل العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، لم تعُد تملك ترف الاستمرار في وضع يكون فيه قطاع غزة بعيد عن سيطرتها، بينما يجري الاتفاق مع «غريمها» محمد دحلان على ترتيب أوضاع القطاع، على أساس إدارة حمساوية- دحلانية مشتركة، برعاية مصرية إماراتية مباشرة، السبب الذي دفع - ضمن أسباب أخرى- بحركة فتح لالتقاط الفرصة، والتمسك بتلابيبها هذه المرة؛ فقد باتت تعلم أن هنالك من يقف خلف الباب متربصاً ينافسها في استمالة حركة حماس، والتفاوض معها حول إدارة شؤون قطاع غزة. ثم جاء إعلان حركة حماس عن حل اللجنة الإدارية، واستعدادها لتمكين حكومة الوفاق الوطني، وإجراء انتخابات عامة، ليقطع الطريق على أي محاولة للتباطؤ أو التلكؤ في إتمام المصالحة.
وعلى صعيد الوضع الإقليمي، جاء الدور المصري الضامن، هذه المرة، أكثر تأثيراً وفاعلية لجهة حسم الموقف لصالح إنهاء الانقسام، حرصاً منها على متطلبات أمنها القومي، الذي أصبح أكثر عُرضة نتيجة للأوضاع الأمنية المتردية في شمال سيناء من ناحية، ولعدم ترك المجال لأي قوة إقليمية أُخرى قد تنافسها على ورقة المصالحة الفلسطينية، من ناحية أخرى.
من هنا، فإن تكرار الحديث عن مؤامرة «الصفقة الكُبرى» وارتبط المصالحة بها، قد يدفع البعض للشك في كل ما هو حولنا، ويصور الفلسطينيين، والحركة الوطنية الفلسطينية بقياداتها، وفصائلها، وسلطتها وكأنها أُلعوبة في يد القوى «المتآمرة»؛ فإذا كانت المصالحة مؤامرة! فأهلاً بالمؤامرات. وجملة القول، إن المصالحة الفلسطينية جاءت لتلبي الحاجة الفلسطينية، وكنتيجة لضغوط (شعبية ورسمية) متواصلة لم تهدأ ولم تستكن ولم تتوقف للحظة واحدة، وكنتيجة لحسابات داخلية لكل الأطراف المُتداخلة في عملية الانقسام، وعليه فلا يليق بنا أن نبتدع المؤامرة، ونتقصى أثرها في كل زاوية من زوايا حياتنا؛ حتى لا نشوه ما تبقى لدينا من مشاعر وطنية.