تاريخ النشر: 2017-09-29 | 22:28
تاريخ النشر: 2017-09-29 | 22:28
لقد أمضيت مدة أسبوعين لا أريد أن أكتب أي مقال قبل أن أسمع القول الفصل في موضوع المصالحة رغم اطمئناني إلى جدية التوجه إلى انهاء الانقسام بين الطرفين هذه المرة، وقد قدّر المولى القدير ذلك بجملة عوامل داخلية وخارجية لمستها الشقيقة الكبرى مصر فأحسنت توظيفها لمحاولة الاصلاح بين الطرفين؛ والذّين ما كان منهما إلا أن أحسنا تقبلها إدراكاً منهما بالواقع الجديد الذي يفرض نفسه علينا وعلى قضيتنا.
وبما أن المسيرة قد بدأت وأن النوايا الطيبة تتوفر لدى الجميع وبإصرار كبير نلمسه من تصريحات الكبار؛ وغياب المرجفين عن الساحة والهدوء المتزن الذي يواكب العملية بأسرها، مما يحثنا على النظر إلى عملية المصالحة بأنها احياء للأمل.
فهي احياء للأمل لكافة أبناء الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجدهم وبكافة ألوان الطيف السياسي الذي ينتمون إليه، فقد بُعث الأمل لأنه حقاً سينتهي الانقسام بلا رجعة؛ هذه الانقسام الذي كان بمثابة نزيف في القلب أوهن الجسد الفلسطيني كله وكاد أن ينهي أعدل قضية في الأرض.
وقد بُعث الأمل لأن الكرامة للإنسان الفلسطيني تتجسد من خلال وحدته؛ فلن يهان أو يمتهن في وطنه لدواعي حزبية مقيتة، دفعت القريب والبعيد للتعامل معه على أنه حمل زائد، وأنه التعامل معه على المعابر والحدود لا يكون إلا من خلال ملف أمني رسمه الاحتلال ونشره لكافة الدول لتعمل به.
بُعث الأمل لأن دولة فلسطين أصبحت على مرمى حجر، فلن تشكك أي دولة أو منظمة دولية من تمثيل القيادة لكافة الفلسطينيين ولن يروج أيا كان " لمشروع دويلة غزة " وأن فلسطين بحدودها المعروفة دولة واحدة لشعب واحد وتمثلها قيادة واحدة.
كما بُعث الأمل لأننا أقدر الأن على مواجهة الاحتلال بكافة أشكال المقاومة المشروعة والتي تكفلها المواثيق والقرارات الدولية، ولأن الاحتلال لن يستطيع أن ينفرد بأي جزء من الوطن دون أن يجد الكل الفلسطيني في مواجهته وبتنسيق عالٍ فيما بينهم للجم طغيانه.
نعم بُعث الأمل، لأن الفلسطيني الذي شارك دول المنطقة كلها في بناء نهضتها؛ أصبح قادراً على بناء مؤسسات دولته، فلن يكون قضاؤنا حزبياً بقوانين مختلفة، ولن تفرض على كاهل المواطن ضرائب ورسوم غير قانونية ولن يسود إلا قانون واحد في كافة محافظات الوطن.
كما سيسود الأمل حينما نضع يدا بيد لإعادة بناء مقومات الدولة من مطار وميناء، ونحسن استخدام مواردنا الطبيعية استخداماً متوازناً مستداماً يكفل حقوق الأجيال الدائمة، نصنع ذلك بالحب الذي عهدناه طيلة عمر الشعب العربي الفلسطيني الذي صمد على مر العصور رغم الغزوات المتعددة التي مرت بفلسطين، ولم تستطع أن تعصف بمكونات هذا الشعب.
لأن أواصل السرد في حيثيات وقدرة المصالحة الوطنية على بعث الأمل؛ فهي أكبر بكثير من هذا المقال، ولكن علينا جميعاً الأن دوراً هاماً لتحقيق هذه المصالحة، ولا عذر لأي فرد منا أن يتأخر عن القيام بدوره المطلوب دون تخاذل منه أو استخفافاً منه بهذا الدور، فلكل دوره الهام والحيوي الذي يجب الالتزام به.
وربما يكون من جملة ما علينا:
أولا: الإيمان بحتمية نجاح المصالحة وضرورتها وعدم التشكيك بذلك، وعدم السماح لأي كان بالتشكيك بذلك.
ثانيا: الثقة بالقيادة في السلطة وفي الأحزاب الفلسطينية وحسن توجههم لإنهاء الانقسام، وقد أظهرت الأيام الماضية مدى صدق هذه التوجهات ومدى قرب التفكير والتخطيط الفلسطيني للفصائل من بعضها البعض في معالجة الجوانب المختلفة للقضية الفلسطينية.
ثالثا: العمل الحثيث على حسن مشاركة الكل الفلسطيني في إعادة الحياة إلى القطاعات التي تضررت نتيجة الانقسام على أسس من العادلة والانصاف، وليس على أسس المحاصصة الحزبية الضيقة، مع الحرص على حسن توظيف الكفاءات في المجتمع.
رابعا: ضرورة إعطاء الحكومة الوقت الكافي لمعالجة المشكلات القائمة؛ خاصةً وأن هذه المشكلات أمست عصية نوعاً نتيجة لعوامل الزمن ولكن ذلك لا يعني اهمال أي مشكلة كانت أو تركها دون حل.
خامسا: نشر ثقافة العفو والمسامحة الاجتماعية على كافة المستويات، فهي الأساس القويم في سياسة قبول الأخر والعمل على إحلال الوئام في المجتمع.
سادسا: منع كافة المظاهر السلبية ورفع الغطاء الوطني والتنظيمي عن كل من يخرج عن أطر المصالحة في المجتمع؛ إذ لا مكان له تحت مظلة الوحدة الوطنية.
سابعا وأخيرا: الحرص على العمل الجاد والواعي لنشر ثقافة الديمقراطية، لأن الانتخابات القادمة هي تاج هذه المصالحة الوطنية، وهي الرافعة الحقيقة لحمل المجتمع إلى مصاف الدول الراقية.
الحكومة الحالية، أو الحكومة الوطنية المزمع تكليفها بالعمل على انهاء ملفات الانقسام والتحضير للانتخابات عليها دور خطير للقيام بواجباتها؛ وعلينا نحن أيضا واجب الاسهام الحقيقي في دعمها وتيسير مهمتها.
ختاما: لن تكون الشقيقة الكبرى مصر الجندي المجهول في صيانة المجتمع الفلسطيني من الاندثار أو الانجراف نحو الهاوية، بل هي الشقيقة الرائدة التي لن ينسى دورها عبر العصور وسيبقى كما كان ديناً في أعناقنا.
حمى الله جميع المخلصين وسدد على الدرب خطاهم.