تاريخ النشر: 2016-08-29 | 11:20
تاريخ النشر: 2016-08-29 | 11:20
منذ ما قبل بدء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في تسعينيات القرن الماضي، انتهجت منظمة التحرير الفلسطينية التي ضمت كبريات حركات التحرر الفلسطيني فتح، وغيرها مما انضوى تحتها من منظمات فلسطينية أخرى الخيار السياسي والديبلوماسي بغية تحقيق السلام مع الإسرائيليين وإقامة الدولة الفلسطينية وفقا لما يتم التوصل إليه من اتفاقيات بين الطرفين. أما حماس، فإن من المعروف أنها منذ تأسيسيها على يد الشيخ أحمد ياسين رحمه الله، اختطت لنفسها منهج المقاومة العسكرية كمبدأ رئيس لمواجهة الاحتلال الفلسطيني للأرض الفلسطينية، وبدرجة أقل، العمل بالتوازي على برنامج سياسي مقاوم أيضا، يعبر عن نهج الحركة وتوجهاتها في الداخل الفلسطيني وخارج الأراضي الفلسطينية أيضا.
وقد كان من نتائج النهج الذي اختطته الحركة، اكتساب تأييد لا شك كبير في الأرض الفلسطينية قياسا على العمليات التي كانت تقوم بها ضد قوات الاحتلال، وهو ما تمخض عنه فوز الحركة بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني في الانتخابات التي أجريت عام 2006، وتشكيلها للحكومة الفلسطينية في ذلك الوقت، وقيادتها لها. لكن ماذا كانت النتيجة؟ كانت امتناع الفصائل الفلسطينية خصوصا فتح عن المشاركة في الحكومة التي شكلتها حركة حماس برئاسة السيد/ اسماعيل هنية، وتعرضها لحصار إسرائيلي مشدد عرقل عملها، ومحاولات للإطاحة بها وسحب كثير من صلاحياتها في ذلك الوقت، إضافة إلى ما أنتجته من قلاقل في تلك السنة، نتج عنها مقتل العديد من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وبالرغم من محاولات المصالحة العديدة بين الطرفين الفلسطينيين الرئيسين، ومنها اتفاق مكة الذي تم التوصل إليه عام 2007 برعاية ملك المملكة العربية السعودية آنذاك الملك عبد الله بن عبدالعزيز يرحمه الله، إلا أن الاشتباكات المسلحة بين الطرفين تجددت عقب ذلك، وانتهى المطاف إلى انقسام سياسي فلسطيني أشد وطأة، سيطرت معه حركة حماس على قطاع غزة، حيث تديره منذ ذلك الوقت، والسلطة الفلسطينية في رام الله التي تشرف على الضفة الغربية المحتلة.
لم يؤد الانقسام الفلسطيني، بين حركتي فتح وحماس إلا لمزيد من التمييع للقضية الفلسطينية، الأمر الذي أحسنت دولة الكيان الإسرائيلي استغلاله بأفضل الطرق والسبل مشددة حصارها وتعاملها مع الشعب الفلسطيني في الداخل، والذي استفحل بفعل الأحداث المؤلمة التي ألمت ببعض الدول العربية نتيجة لما أطلق عليه (الربيع العربي) والتدخل السافر لقوى إقليمية في الشأن العربي في أكثر من دولة، كان البعض يظن أنها تقف إلى الجانب الفلسطيني في حربه السياسية لنيل حريته وإقامة دولته المستقلة على أرضه.
لسنا في وارد استعراض كل محاولات المصالحة بين الأطراف الفلسطينية، لكن حتى بعد توقيع وثيقة الاتفاق الوطني للمصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني في القاهرة في عام 2011، ومن ثم تشكيل حكومة الوفاق الوطني في عام 2014، وهو ما كان الشعب الفلسطيني لاسيما في غزة، يعلق آماله عليه في رفع الحصار عن غزة، وتحسين مستوى معيشة السكان، لكن لم يطرأ أي تحسن ملموس في واقعهم المأساوي الذي زاده الطين بلة بعد العدوان الإسرائيلي على القطاع عام 2014 خصوصا في قطاعات الإسكان والمياه والكهرباء ثم الرواتب وغيرها.
ومع العلم بأن هناك الكثير من المقالات التي كتبت في هذا الموضوع، وقتله بحثا في سبيل البحث عن الحلول له، إلا أن المقدمة أعلاه كانت لازمة وضرورية توطئة لما سيطرح تاليا، وهنا يطرح السؤال التالي الذي طرح من قبل، إلى متى سيستمر الانقسام على الشاكلة التي هو عليها بالنظر لتأثيراته الجد سلبيتها على القضية الفلسطينية في المجمل على الساحة الدولية، وانعكاساته المدمرة على الشعب في الداخلي الفلسطيني على وجه من الخصوص؟
يُعلم يقينا أن المسئولين في السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية، والمسئولين في حركة حماس في قطاع غزة يدركون المأساة التي تضاعفت مرات عديدة بفعل الانقسام الذي أخذ منحى نجم عنه خسارة جسيمة للشعب الفلسطيني في معيشته، وحركته واقتصاده، وقدراته، ومن قبل استمرارية الزخم في الصمود والعطاء والتضحية مما يمتد لعشرات السنين. إذن ما الحل لهذه المعضلة التي لا يعني استمرارها إلا ضياع للقضية والشعب والأرض معا، وهو ما ينبغي تداركه قبل أن يصل الأمر برمته إلى خط اللاعودة بما يضمه من تبعات قد تعني دخول القضية في عالم النسيان، وربما بسط الكيان الإسرائيلي سيطرته على كامل الأرض الفلسطينية دونما اعتبار لحق سكانها فيها، ومواردها وإقامة دولتهم على أرضها.
إذن لا بد من كلمة سواء، تجمع ولا تفرق، وتأخذ في الاعتبار مكامن القوة لدى كل من فتح وحماس. من نافلة القول أولا، أن حركة حماس، بقوة صمودها، حققت إلى حد ما توازن رعب مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، خصوصا على صعيد تعطيل الحياة في مجتمعاتها، وضرب الاقتصاد الإسرائيلي ما ينبغي التنبه إلى المحافظة عليه، والاستفادة منه مستقبلا في محاولة التوصل إلى حل دائم للصراع المتواصل مع الكيان الإسرائيلي، وتوفير الحماية الشعب الفلسطيني، على أن يتم التوقف عن استخدامه في الوقت الذي يتم العمل فيه على التوصل إلى حل سياسي، بتوافق بين مختلف الأطراف الفلسطينية على موقف غير قابلة للنقض أركانه ويعمل لأجله على كافة المستويات العربية والإسلامية والدولية ويتم بموجبه تقديم مشروع حل سلمي متكامل للمنظمة الدولية من قبل السلطة الفلسطينية، والعمل على التعريف به بنشاط ديبلوماسي متعددة آفاقه، ودون كلل أو ملل واستقطاب الدعم له إلى أبعد مدى ممكن، لاسيما من قبل الأطراف الفاعلة دوليا والمعروفة للجميع، والعمل على تطبيقه، وإلزام الكيان الإسرائيلي لقبوله دون مماطلة أو تسويف ضمن فترة زمنية محددة غير قابلة للتمديد.
لكن ماذا عن رفض إسرائيل المتوقع لهذا الحل إذا ما أخذ في الاعتبار رفضها المتواصل لأية حلول دائمة لسنوات طوال؟ هنا، لا بد من اتخاذ مجموعة من الإجراءات من قبل السلطة الفلسطينية السياسية التي قامت على المشروع، بعدما تبين عدم الرغبة والرفض الإسرائيليين في الوصول إلى مبتغى الحل العادل والسلام الشامل في المنطقة. العودة عن تجميد المقاومة المسلحة أول الخيارات التي ربما ينبغي أخذها في الاعتبار بغض النظر عن شكلها، سواء كانت عمليات عسكرية، أو عصيان مدني أو انتفاضة شعبية على غرار الانتفاضات السابقة التي كانت شوكة يصعب كسرها في خاصرة الكيان الإسرائيلي.
لا يقل أهمية عن ذلك، الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية من قبل السلطة الفلسطينية وتقديم كل الأدلة والوثائق والبراهين التي تدين الكيان الإسرائيلي في اعتداءاته على الشعب الفلسطيني، إضافة إلى ملاحقة قادة الكيان كمجرمي حرب، ينبغي تقديمهم إلى العدالة الدولية نظير ما اقترفوه بحق الشعب الفلسطيني، والعودة عن جميع الاتفاقيات التي سبق التوصل إليه مع الكيان، ووقف التنسيق الأمني معه، وتجديد الهبة الفلسطينية الشعبية حتى يرضخ هذا الكيان للمطالب العادلة للشعب الفلسطيني، والحصول على كامل حقه في تحرير أرضه، وفي الحياة الكريمة، وإقامة الدولة المستقلة التي طال انتظارها.
أما خيار الانقسام وهو ضد مصلحة الشعب الفلسطيني إن بقي على حاله، فليس يعني إلا تكريس واقع فلسطيني مرير لن يجر إلا إلى مزيد من الويلات والنكبات لهذا الشعب، واستمرار الكيان الإسرائيلي في سياسته تجاهه، إذ أن إصلاح البيت الداخلي الفلسطيني أولا هو المنطلق لتحقيق الغايات التي ينشدها الشعب.