العقوبات الجماعية؟ ما الجديد؟
وكيف تستمر الحكومة الإسرائيلية بهذا المنهج؟ وما دلالة ذلك؟
المفروض أنه بين الفلسطينيين والإسرائيليين عملية سياسية، لحل النزاع، عن طريق التفاوض، ومن الطبيعي أن يواكب هذه العملية -حتى وإن تعثرت- أفعال تؤكد على حسن النوايا من الطرفين، فهل تنفيذ عقوبات جماعية تجاه المدنيين الفلسطينيين يصب في اتجاه تشجيع التسوية السياسية داخل المجتمع الفلسطيني؟
لذلك من الطبيعي أن ينظر الشعب الفلسطيني نظرة ريب تجاه نوايا الحكومة الإسرائيلية، والتي انفعلت في ردود أفعالها، محملة المجموع الفلسطيني المسؤولية.
للأسف لم ترع ولم تراع الحكومة الإسرائيلية الجوانب الإنسانية في سلوكها، فهي في حربها على "الإرهاب" تمارس الإرهاب والتخويف والسطو على الممتلكات والتخريب.
وثمة فرق بين "الإرهاب الفردي" وبين إرهاب الدولة المنظم تجاه الشعب الأعزل والمسالم، والذي هو أصلا يعاني تحت الاحتلال.
لا أحد يمنع رئيس الوزراء الإسرائيلي من البحث عن الإسرائيليين الثلاثة المفقودين، والذين حتى اللحظة، لا يعرف وضعهم، المتراوح بين الفقد والأسر والخطف، لكن هناك ما يمنعه من انتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني.
مطلوب من الحكومة الإسرائيلية الكثير من العقلانية والإنسانية، خصوصا وهي تتحدث عن العملية السياسية، ولن يكون من السهل لا على الفلسطينيين والعرب والمجتمع الدولي تقبل قمع الشعب الفلسطيني.
ربما تعتقد الحكومة في إسرائيل أنه ليس بين أيدينا الكثير كشعب أعزل لنصنعه، في ميزان منطق القوة، لكننا نبقى الشعب الذي تتفاوض معه إسرائيل للوصول إلى حل سياسي، وما دمنا كذلك، فإن بين أيدينا الكثير، وجزء منه هو إيماننا وقناعتنا بالحل السياسي.
نحن نؤمن بالحل السياسي ولا نراوغ، وأظن أن القيادة والشعب في فلسطين يمتلكون معا مصداقية السعي الحقيقي نحو السلام، ومستعدون فعلا لدفع استحقاقات السلام، لكن هل يبدو ذلك واضحا لدى الإسرائيليين: القيادة والشعب؟
نحن نؤمن بالحل السياسي، وما إنجاز المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس إلا دليل على نوايا حماس الإيجابية نحو السلام، إذ ماذا يعني المصالحة إن لم يكن مفتاحها الموافقة على المنهج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية؟
ما نتوقعه من أي حكومة في العالم أن تتحلى بالاتزان والعقلانية، وأن تتعاون مع الجميع للوصول لأهدافها، لا أن تبدأ بتوزيع تهم الإرهاب الجاهزة.
مطلوب من الحكومة الإسرائيلية أن تعمل اختراق في ملف الأسرى الفلسطينيين، لا أن تزيد من تعقيداته، فماذا يعني مثلا أسر المفرج عنهم في صفقة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط؟ فهل هذا تصرف حكيم من قبل دولة؟ وهل صار مقبولا أن تنفعل الدول كالأفراد والجماعات الصغيرة؟
مهم أن تعيد الحكومة الإسرائيلية (المفقودين الأسرى المختطفين) إلى أسرهم، هذا واجبها، لكن مهم أيضا أن تفكر في الطريقة أيضا؛ فهل سيعيبها أن تتحلى بضبط النفس؟ وإذا لم تتحل الحكومة بضبط النفس فمن يضبط نفسه: الأفراد؟
توقعنا أن تستفيد الحكومة الإسرائيلية من تجاربها وخبراتها السابقة، فهل عابها مثلا إنجاز صفقة شاليت؟ لا لم يعبها ذلك، فمن الطبيعي في حالات النزاع وقوع حالات أسر، المعيب هو العيب نفسه، أي كل ما يخرج عن نطاق المنطق والقوانين الإنسانية هو جريمة وعيب..
جريمة كبرى قتل المدنيين ومنهم الأطفال واعتقالهم وتعذيبهم.
جريمة وعيب اعتقال الناس بشكل كبير بدون ذنب..!
جريمة وعيب إرهاب الأهالي بمن فيهم من أطفال وشيوخ ومرضى!
جريمة وعيب تخريب البيوت والعبث في ممتلكات البشر وخصوصياتهم!
جريمة وعيب هدم البيوت التي اجتهد أصحابها في تأمين بنائها، التي اضطروا إلى حرمان أسرهم من حاجات كثيرة، من أجل توفير المبالغ المالية اللازمة، في ظل وضع اقتصادي صعب يواكبه غلاء هو فوق قدرات المواطنين من ذوي الدخول القليلة وهم كثر.
جرائم كبرى معيبة تمارس من قبل دولة!!
وعلى فرض أن الأسر-الخطف حصل، فهل كثير على الحكومة الإسرائيلية أن تقبل التفاوض لإنجاز صفقة تبادل أسرى؟ إنها وإن تفعل ذلك تخلق صورة احترام لها، فهذه أصلا تقاليد الفروسية.
أهم عبرة من حادثة الجندي شاليت، هي أنه بعد المماطلة، والاعتداء على قطاع غزة، والتسبب في مشاكل للإسرائيليين أنفسهم، لم يكن أمام الحكومة الإسرائيلية إلا أن تستجيب، ولم يعب على استجابتها أحد، لماذا؟ لأن ذلك ليس جديدا في النزاعات؛ فلم تنته حالة النزاع بعد.
أفعال الحكومة الإسرائيلية على الأرض أفعال غير عقلانية، وهي أفعال نزقة تقوم على تعميم العقوبات، وهذه تزيد من ملفها الأسود في مجال انتهاكات حقوق الإنسان.
المفتقد هو العقلانية والمسؤولية..
لذلك على الحكومة في إسرائيل أن تبحث عن الربح لا عن الخسارة، والربح هو في بناء علاقة إنسانية مع الطرف الآخر، تقوم على احترامه، لتشجيع نوازع السلام، باعتبار أن السلام هو الهدف الأسمى وهو المصلحة الكبرى للشعوب.
فحتى ولو عثرت إسرائيل على المفقودين الثلاثة، فإنه في حالة إرهاب الدولة الممارس على المجتمع الفلسطيني، يقلل من أسهمها، وسيكون الأفضل لها لو تم ذلك من خلال صفقة عادية، تفرج فيها عن أسرى فلسطينيين، بما يساهم في تشجيع تأييد الشعب الفلسطيني للعملية السياسية بل والتمسك بها كخيار استراتيجي.
مسؤولية إسرائيل شعبا وقيادة هو الاستمرار بالإيمان بالعملية السياسية، وتشجيع الفلسطينيين على ذلك.
إن ردود الأفعال الفلسطينية تظهر عقلانية ظاهرة، ولعل نلمس كيف تتقدم مواقف القيادة الفلسطينية بجرأة في ظروف صعبة، فهل تظن إسرائيل أن تصريحات الرئيس أبو مازن في السعودية أمر سهل؟ لكنها العقلانية حتى النهاية، فمن الأولى بأن يتسم بالعقلانية أكثر!؟
"صوت صارخ في البرية": عودوا إلى أصول النزاع أيضا، وقدموا للسلام!
صوت الضمير الإنساني يستصرخ كل عسكريّ أن يتذكر أن القوة ليست الحل الأمثل!
نحن شعب، وشعب تحت الاحتلال، ولم يترك المشرعون الدوليون أمر الشعوب المحتلة ليقرره الاحتلال، لماذا؟ لأن الاحتلال ممكن الحدوث لفترة من الزمن، لكن انتهاك حقوق الشعب الواقع تحت الاحتلال لا يمكن تقبله، بل على العكس، هناك مسؤولية ملقاة على السلطة المحتلة تجاه المواطنين، للاستجابة لحاجاتهم.
ما أجمل أن نعود كلنا إلى بيوتنا سالمين، نحن والأسرى من كل قومية، وسنسعد بسلامة العودة، وبسلامة منطق احترام كرامة البشر.
عودة الأسرى من كل طرف هي عودة إنسانية، والعودة للعقل والقلب هي عودة الروح الإنسانية، والفرح الإنساني واحد، وليس قوميا.
إن المتمسك بالأمل في ظل هكذا ظروف هو الأقوى، وهو الذي يستحق ثقتنا واحترامنا وهو القادر على قيادة الشعوب.
الأسرى ملف، وحالة، وفي نطاق ذلك، علينا جميعا تقبل إرادة الجميع بعودتهم سالمين.
وحتى نكسب الوقت، من الضروري أولا الوصول لحقيقة-الفقد –الأسر-الخطف، ثم بعد ذلك على إسرائيل ألا تضيّع الوقت والجهد والمال في البحث عن طرق بديلة صعبة ودموية، بل أن تذهب في الطريق الطبيعي المعروف تاريخيا، وفي خلال ذلك عليها أن تحرص على الأمل بالسلام.
فالأمل بالسلام هو طريق السلام، والسلام هو الحياة.