تاريخ النشر: 2015-12-16 | 20:06
تاريخ النشر: 2015-12-16 | 20:06
فصول المناخ العربي ليست كفصول المناخ الذي نعرفه والذي يتوالى صيف وخريف وشتاء وربيع... وهكذا.
فصول المناخ العربي كثيرة وليست متوالية ولا متعاقبة، ولكنها تحدث متزامنة ومتلازمة كلها كما نراها ونعيشها الآن في هذه الأيام السوداء والأجواء المشحونة بكل ما يفسد علينا حياتنا وأمانينا.
فأعاصير النفوذ الاستعماري تكتسح بيوت وساحات السياسة في كل البلاد العربية، وغبار الزوابع الفصائلية يُعمي العيون ويحطم الضمائر... فصائل فلسطينية، وفصائل سورية، وفصائل لبنانية، وفصائل ليبية، وفصائل عراقية، وواقع الحال كما يبدو وكما يخطط أعداؤنا لنا هو أن كل البلاد العربية ستتفتت إلى فصائل تمهيداً لتتفتت إلى كنتونات عرقية ومذهبية وقبلية وكلها خيانية موالية للاستعمار.
الأعاصير تكتسح سوريا واليمن كما اكتسحت العراق وليبيا، والزوابع سواء كانت في فنجان قهوة أو في جرود عرسال لبنان أو في صحراء سيناء أو في بادية الشام فهي تنذر لما سيأتي بعدها من العواصف والأعاصير، وكما اكتسح التسونامي العراق وليبيا وفلسطين فسيصل إلى الجزيرة العربية وإلى السودان وتونس وكل بلاد العرب.
وفي المناخ الاجتماعي لا تتوقف ولا تكف الزوابع عن إثارة الغبار الذي يعمي العيون والقلوب ويقضي على الأخلاق والعادات الحسنة فلا يُبقى إلا السيئ منها نتداوله في معاملاتنا وسلوكياتنا فيطفو على سطحنا التخلف والفساد بالطول والعرض والعمق، ففي العمق يستشري الفقر وقلة الأدب، وعلى السطح يطفو البذخ وقلة الحياء وعدم الاكتراث لا بالوطن ولا بالشعب، وفي الطول يكمن الكسل وقلة الإنتاج، وفي العرض يكثر الاستيراد لكل شيء من البضائع والأخلاق والتقاليد كما يكثر التصدير للقليل من البضائع والكثير من الفضائح والتعري السياسي وكشف عوراتنا التي تتمثل في عدم الولاء لا للشعب ولا للوطن!
وقد نلخص كل ما تقدم في كلمة واحدة فنحن نعيش " هَرْجَلة " وسنظل " نتهرجل " ما دمنا لا نعرف ولا نريد أن نعرف أن الحياة تتمثل في الإنتاجية لكل وسائل القوة والمنعة والعيش الكريم، كما تتمثل في القيم... قيمة المعرفة... قيمة العقل... قيمة السلوك والأخلاق... وقيمة الوفاء للأهل والشعب والوطن... وقيمة الإخلاص في العمل والتعامل... وقيمة الأمانة... وقيمة الضمير الحي الصاحي.
وعندما نتطرق للمناخ الاجتماعي فلا بد أن نقتحم المناخ الديني لأن المناخ الاجتماعي لن يعتدل إلا باعتدال المناخ الديني، والمناخ الديني لا يعتدل إلا باعتدال العقول، فالكثير من آيات القرآن الكريم تنتهي بـ "أفلا تعقلون"، والعقل يوصل إلى الحكمة، والحكمة هي ضالة المؤمن، فمثلاً فقط... ليس من عقل ولا حكمة عند من يُلقي خطابه في الجامع أو في أي مكان وهو ممسكاً بالميكروفون وفي جيبه الموبايل وفي يده الساعة ويقول أن علوم الدنيا بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار!!.
كما أنه ليس من العقل أو الحكمة أن يتصدر شخص مثل عمرو موسى ليلقى كلمة في افتتاح الدورة الرابعة عشر "لمؤسسة الفكر العربي" ليتغزل بالأمير سعود الفيصل ولا يتلفظ بكلمة واحدة عن الفكر العربي الذي يجتمعون كمفكرين من أجل إنهاض هذا الفكر الذي حدث كل ما حدث في عالمنا المسكين وعبر 13 دورة لم نلمس أي أثر لها على الإطلاق، هذه المؤسسة التي حملت اسمها كما يبدو عن طريق الخطأ... وعن طريق الخطأ كذلك وقف الرئيس المصري ليتحدث عن الوحدة والتآزر والتعاون سياسياً وعسكرياً واجتماعياً واقتصادياً، لكي يليه عمرو موسى فيتناسى كل ما قاله الرئيس... عندما لا يقوم التلميذ بفهم أو حفظ ما بين يديه من علوم ثقافية وإن لم يستجب نفصله من المدرسة لكي يبحث لنفسه عن حياة تتأتى له عن طريق آخر غير المدرسة.
ويبدو لي أن جميع قادة الفكر العربي أو الفكر الديني هم ممن فُصلوا من مدارسهم! ويشمل هذا الفصل رجال الإعلام والسياسة.
أما الذين بقوا في المدارس فهم لم يتخرجوا بعد بسبب غياب المدرسين والأساتذة لانشغالهم في جمع المال من الدروس الخصوصية التي يدرسونها للمفصولين، ولنبقى مع عمرو موسى "فأنا لا أحب عمرو موسى ولكن بكره إسرائيل" لا أحبه للبطولة التي قبض ثمنها باهظاً لكي يدعو حلف الناتو لتدمير ليبيا وأرجو أن لا يعيدها، وأتمنى على الله أن لا نتثقف بالفكر العربي من إنتاج هذه المؤسسة التعيسة! التي أقترح إعادة تسميتها "مؤسسة تدمير الفكر العربي" أو تغييبه وتبديله باللباس الأنيق والمنطق العميق "المغيب جداً".
وختاماً فإن الحديث عن المناخات والعواصف يذكرني بعاصفة مسكينة لم تعد تهب في أي مكان "عاصفة فتح" التي غنّينا ونشدنا لها:
أنا قد كسرت القيد قيد مذلتي .... وانطلقت عواصفاً!!!
وإذ نحن نقترب من الذكرى الخمسين لهبوب تلك العاصفة والذكرى الأولى "للهبّة" والذكرى السبعين لإنشاء الجامعة العربية نجد أنفسنا لا نستجيب للتحديات ولا نزال نبحث عن أفق لنغيب وراءه جهالتنا وضلالنا ونستوي بشراً لنا كرامة وندرك ضرورة وحدتنا وضرورة إنتاجنا على كل الأصعدة، ونتمنى ونأمل كباقي الناس الذين وصلوا إلى أبعد من "المريخ" ونحن نخاف أن نذهب إلى "شرم الشيخ" لأن داعش ترعبنا في سيناء ونصفق لها في سوريا ونسكت عنها في العراق وليبيا!!.
كما نجد أن المناخ الاقتصادي والعسكري متداخلان بشكل عكسي، فإذا كثرت النشاطات ومن ثم الصرف العسكري يتناقص الاقتصاد وينكمش وقد ينهار خاصة في دول كالدول العربية، وأمامنا ليبيا والعراق وسوريا واليمن لنعتبر.
حتى لو كان النشاط العسكري هجومياً فإن الدول المهاجمة بزيادة إنفاقها العسكري ستتأثر في قطاعات ومجالات الصرف، ولنا عبرة من روسيا وأمريكا والسعودية وتركيا وغيرها، فالدول العربية يجري الآن استنزاف ثرواتها في اتجاهات خاطئة وقصيرة البصر والبصيرة، ويكفي أن نفند ملعب داعش لنعرف كل ما يختص بهذا المناخ بما فيه الأرض والوطن والشعب.
اللاعبون في ملعب داعش هجومياً ليس على داعش ولكن في خدمة داعش وهم تركيا أولاً ثم أمريكا ثانياً وبالتالي قطر والسعودية كلهم أصبح واضحاً لهم ولشعوبهم تأثر اقتصادهم وتدني احتياطياتهم، ودفاعياً كحالة سوريا والعراق نلاحظ حتى بقلوبنا لو كانت عيوننا وضمائرنا عمياء، تدهورهما رغم النفقات الرهيبة لدعمهما من إيران وروسيا والكل في النهاية خاسر ما عدا المتفرج الوحيد المدلل حبيب أمريكا وبريطانيا وفرنسا والكثير من دول الغرب... ومن لا يعرفه فهو إسرائيل التي يبدو أنها في طريقها لتحقيق حلمها الكبير.
بينما أمة العرب وأمة الإسلام في تشابك لن تكسب من وراءه سوى البوار والدمار. وآخر الألعاب البهلوانية التي تمارسها بلد مثل تركيا هو الزحف على العراق بحجة تدريب البشمركة الكردية رغم أن هذا ليس هو الهدف على الإطلاق، ولكن الهدف هو حماية داعش وضرب الأكراد من جهة وحماية المدربين الأتراك لداعش من جهة أخرى، ولكي تمنع دخول روسيا أو على الأقل تناور وتزاود عليها لتظهر نفسها "وحلفائها" بمظهر المهاجم لداعش ولتعمي عيوننا عن علاقات الاستيراد والتصدير بينها وبين داعش، فداعش تصدر لها البترول وتستورد منها كل عناصر الحياة كالمال والرجال والعتاد العسكري وغير العسكري... وكذلك الغذاء والملابس وحتى قماش الأعلام السوداء والأزياء الغريبة، ولا ننسى المعلومات المخابراتية والأدوات الإعلامية.
في النهاية يجب أن نشجب هذا السوء في استعمال الإسلام والأموال والشباب... ليت شباب داعش بادئ ذي بدء يلتفت لهذا الضياع بلا طائل لا عربي ولا إسلامي، ولا طائل سوى الاصطفاف في صف أنصار إسرائيل.
وهنا أجد نفسي أتطرق إلى كشف المستور من تزويد داعش بأموال الزكاة والصدقات والتبرعات من أيدي مليونيرات الجزيرة العربية التي تشكل نهراً لا ينضب وضلالاً عصياً على الهداية وما علينا إلا أن "نحوقل" فلا حول ولا قوة إلا بالله.